لم يخطر في بال نازحين من الأهوار في الجنوب أن تتحول قريتهم التي كان اسمها «الهورة» العراقية إلى «تايلاند» الآسيوية، والتي شيدوها قبل أكثر من خمس سنوات في منطقة المعامل بمحافظة كربلاء، فنالت شهرة واسعة في أوساط الأهالي، بعدما تحولت إلى سوق لتجارة الأسلحة، وتصنيع بعضها أحيانا.
فالقرية التي أطلق عليها السكان تسمية «تايلاند» كانت من أهم المواقع التي تشتهر بتجارة السلاح في المنطقة، حتى شاع بين الناس أنها تحولت إلى مركز لـ «القجغ»، وهو المصطلح الشائع محلياً لوصف تجارة السلاح والمواد المهربة.
قصة القرية الصغيرة «تايلاند» بدأت عندما نزحت مجموعة من سكان الأهوار في جنوب العراق إلى محافظة كربلاء، بعد دخول القوات الأميركية إلى العراق في ابريل عام 2003.
حيث توجهت الغالبية إلى منطقة المعامل التي تشتهر بوجود مساحات واسعة من الأراضي المجرفة، فأقدم النازحون الذين أغراهم المكان على فتح جداول المياه نحو الأراضي المجرّفة، وتحويلها إلى أهوار شبيهة بتلك البيئة التي كان يعيشون فيها في جنوب العراق، قبل تجفيفها هناك، وساعدت الفوضى الأمنية السائدة في المدينة السكان على الإقامة في تلك الأراضي واستنساخ بيئتهم في تلك البقعة الصغيرة.
وشيد الأهالي منازل صغيرة من القصب وسط مساحات فارغة تحيط بها المياه، حيث مارسوا تربية الجاموس وصيد الأسماك وجمع الأملاح من المستنقعات الصغيرة التي نشأت بالقرب من القرية.
ويبدو أن محاكاة بيئة الأهوار في هذه القرية لم تقتصر على طبيعة الحياة، إنما تعدتها إلى ما اشتهرت به المناطق جنوباً باعتبارها سوقاً أساسية لتهريب الأسلحة.
وعلى رغم أن عدد سكان «تايلاند» لا يتجاوز المئات إلا أن مواطني المناطق المجاورة يصفونها بـ «قرية الأحزاب»، لانتماء سكانها إلى تيارات وأحزاب إسلامية مختلفة، بل ان بعض شبابها دخل في تنظيمات مسلحة في إطار الميليشيات والتنظيمات الأخرى التي افرزها الواقع الأمني العراقي المتردي عبر أكثر من ست سنوات مضت.
وتعترف السلطات الأمنية المحلية في كربلاء بأن القرية كانت واحدة من البؤر الصغيرة لتنظيم «جند السماء» الذي خاض معارك قرب النجف عام 2006، حيث اعتقل العديد من سكان القرية بتهمة الانضمام إلى التنظيم المذكور.
وتمتهن غالبية السكان تربية الحيوانات وصيد الأسماك، ويتخذ بعضهم تجارة السلاح مهنة إضافية، ويعتز سكانها باسم قريتهم الذي أطلقته عليها القوات التايلاندية، بعدما أمسكت بالملف الأمني في المحافظة، في أعقاب سقوط نظام صدام حسين، ويرفضون تغييره، إذ انهم لن ينسوا أن تلك القوات أمدتهم بالماء الصالح للشرب والمساعدات الطبية في وقت كانوا يعانون اشد المعاناة.
ويقول الحاج محسن الحداد، 59 عاماً، وهو من سكان القرية إن القوات التايلاندية أنشأت مدرسة صغيرة داخل القرية وزودتهم بالمياه الصالحة للشرب وأطلقت عليهم تسمية «تايلاند»، بعدما كانت القرية تحمل اسم «الهورة»، ويؤكد أنها باتت الأكثر شهرة بين القرى المجاورة على رغم حداثتها.
ويعترف وجهاء القرية، وبينهم الحداد بوجود «قجغجية»، أي مهربي سلاح داخلها، لكنهم يؤكدون أن غالبية هؤلاء التجار هم من خارج القرية، ويقومون بزيارات متقطعة إليها لعرض ما لديهم من أسلحة، وبيعها إلى القرى والمناطق المجاورة.
وتقول أم علي التي تسكن القرية منذ إنشائها انها اعتادت على تربية الجاموس في بيئتها السابقة، عندما كانت تعيش في أهوار العمارة جنوبي العراق، وعند نزوح عائلتها إلى كربلاء أصيبت بخيبة أمل لأنها لا تعرف مهنة أخرى تمارسها، لكن إنشاء تايلاند أعاد إليها مهنتها، وبدأت تعمل مجددا في تربية الجاموس، وجمع الأملاح من المستنقعات القريبة مع ولديها حيدر وسالم، وتقول «لقد اعتدت العيش هنا ولن أعود إلى الأهوار في الجنوب».
وتضيف: «كنا نعيش مع مجموعة من أقاربنا هناك وكنا نعتاش على مهن مختلفة وشائعة بين جميع السكان، أهمها تربية الجاموس وصيد الأسماك والطيور وصناعة حصير البردي الذي نصنعه من نباتات البردي التي تنبت في الأهوار، وكنا نقيم في منازل من القصب، لكن بعد تجفيف المياه انتهى كل شيء وانحسرت الحياة تدريجيا واخذ السكان يبحثون عن حياة جديدة».
ولا يمنع انتشار دوريات الشرطة على الطرق الخارجية للمحافظة، القرى البعيدة عن مركز المحافظة من ممارسة مهنة تجارة السلاح بشكل سري، وغالبا ما تقوم بجولات مفاجئة في قرية «تايلاند» وقرى أخرى قريبة عند ورود بلاغات عن وجود خارجين عن القانون فيها، أو عند حدوث تحركات معينة تكشف عن وجود مشكلات أمنية.
ويؤكد مسؤولو الأمن أن الأحداث التي تقع في القرى ناتجة عن عدم استقرار سكانها، إذ غالباً ما يغادرونها إلى منازل بديلة لهم في جنوب العراق في شهور معينة، ويقولون ان «الأجهزة الأمنية بدأت تكثف حركتها في تلك المناطق التي كشفت التجارب السابقة أنها كانت عنصر مفاجأة على الصعيد الأمني»، فيما يستخدم تجار السلاح القرية منفذاً لتصريف السلاح وتسريبه إلى مناطق أخرى.
ويصر سكان تايلاند على البقاء في قريتهم برغم عودة آلاف العائلات الجنوبية التي كانت تسكن الأهوار إلى قراهم بعد قيام دائرة إنعاش الأهوار في العراق بملء مساحات واسعة منها بالمياه، لكن الدائرة ذاتها تؤكد أن المساحات التي تم تجفيفها اكبر بكثير من تلك التي تمت إعادة الحياة إليها، والتي لا تتجاوز ثلث المساحة الكلية.
ويقول حسن الساري وزير الدولة لشؤون الأهوار إن الدولة تعمل على تشجيع عودة السكان إلى مناطقهم بعد توفير الخدمات فيها، لكنه يؤكد أن الغالبية مازالت تفتقر إلى التيار الكهربائي والمياه الصالحة للشرب فضلا عن بعد المدارس عن المناطق المسكونة منها.
بغداد ـ عراق أحمد
