واجه الرئيس الراحل ياسر عرفات خطر الموت مرات في حياته ولكن العناية الإلهية أنقذته مما كان يبدو موتا محققا. هكذا كان أثناء حادث سيارة خطير عندما صدمت السيارة التي كان يقودها.
وجها لوجه شاحنة كبيرة على طريق عمان بغداد. كان ذلك عام 1969. وكان لأسباب أمنية لا ينام بنفس المنزل ليلتين متتاليتين، كما تعود أن يغيّر خط سيره المقرر في آخر لحظة مما جعل من الصعب نصب كمائن له. وفي عام 1992 سقطت طائرته في الصحراء الليبية ونجا أيضا بأعجوبة بعد أن فقد عدد من مرافقيه حياتهم في الحادث، لقد أنقذه جمّالون وجرى نقله إلى أحد المستشفيات الليبية.وكانت من أقسى المواجهات التي عاشها مع إسرائيل بعد أن عاد إلى فلسطين يوم الأول من يوليو 1994 وأقام مقر السلطة الفلسطينية في «المقاطعة» برام الله.حيث ضرب عليه الإسرائيليون حصارا رهيبا وقطعوا عنه الماء والكهرباء لمدة 34 يوما متتالية. لقد صمد أبو عمار أمام دبابات إسرائيل وصواريخها التي حوّلت «القصر الرئاسي» إلى شبه خراب. لقد صمد، لكن علامات الإعياء ظهرت على وجهه وجسده الذي نحل وضعف آنذاك.
في عام 1969 غادر ياسر عرفات الأردن متوجها إلى بغداد. كان اليوم ممطرا والطريق ضيقة وزاخرة بالحفر. على المقعد الخلفي للسيارة كان يرقد ابو داوود والسائق الذي كان يغطّ في نوم عميق بينما كان الزعيم الفلسطيني يقود بسرعة فائقة كي لا يتأخر عن موعده مع الرئيس العراقي. وفجأة برزت بالاتجاه المعاكس شاحنة كبيرة وكان الاصطدام المريع بحيث أصبحت سيارة المسافرين الثلاثة كومة من الحديد. لكن الرعاية الإلهية حمتهم وأمضى أبو عمار وابو داوود اللذين أصيبا بجروح وكسور شهرا كاملا في المستشفى .
حيث زارهما صدام حسين. وما أن انتهت فترة النقاهة الضرورية حتى خفّ أبو عمار للعودة إلى الأردن حيث التقى بالملك حسين لتهدئة التوتر بين المقاتلين الفلسطينيين والسلطات الأردنية.
لا مسكن ثابت
لم يكن لدى أبو عمار آنذاك أي مسكن ثابت ولأسباب أمنية لم يكن ينام أبدا ليلتين متتاليتين في نفس المكان. وكان يحب أن يختار أين يمضي الليل بدون تخطيط، بحيث أنه لم يكن يعرف أحيانا في الصباح أين سوف ينام في المساء.
في مثل ذلك السياق كان من الصعب جدا نصب كمين له. وتتم الإشارة هنا إلى أنه بعيد معركة الكرامة، قامت بلدان عربية عديدة بتقديم العون المالي للفلسطينيين مثل السعودية وليبيا وحتى الرئيس السوري الذي لم يكن يحب عرفات- أرسل له «هدية» محمولة على سفينة جزائرية كانت محمّلة برشاشات الكلاشنكوف. كذلك قدّمت الصين الأسلحة، ولكن مقابل دفع ثمنها.
وفي أوروبا كان دعم الجنرال ديغول للقضية الفلسطينية كبيرا، وكان ياسر عرفات يكنّ له صداقة عميقة بحيث أنه كان قد حمل على صدره حتى وفاته «صليب اللورين» - رمز المقاومة الفرنسية - الذي قدمه له الجنرال.
كان ابو عمار يرى أنه من الخطأ الكبير نقل الحرب إلى أوروبا. وقد كان يعيب كثيرا على الدكتور جورج حبش القيام بعمليات خطف الطائرات. لكنه بالمقابل لم ينتقده سوى في المحافل الخاصة وليس أبدا في المحافل العامة.
وفي أجواء النزاع في الأردن عام 1970 (سبتمبر) مع الفلسطينيين اتصل الرئيس المصري جمال عبدالناصر بالزعيم الفلسطيني الذي روى ما حدث كما يلي: «عادت لي الحياة من جديد عندما علمت أن عبدالناصر قد دعا لعقد قمة عربية استثنائية في القاهرة. وبغية التمكن من حضورها قرر الملك حسين هدنة لكن جنرالاته تجاهلوها تماما.
ولم يسمحوا لي بالوصول إلى المطار. وقد استطعت الخروج من عمان بفضل اثنين من مبعوثي الجامعة العربية هما جعفر النميري من السودان ورئيس وزراء تونس. لقد غادرت عمّان معهما في سيارة دبلوماسية كويتية على أساس أنني دبلوماسي كويتي». «في القاهرة، بذل عبدالناصر جهودا حقيقية من أجل وضع حد للمأساة.
وقد قال لي في السر: علمت أن الأجهزة السرية الأردنية تريد إقناعك أنني أعطيت الضوء الأخضر للهجوم على الفلسطينيين. هذا افتراء كامل. على العكس قمت بتحذير الملك مرتين وطلبت منه بحزم أن لا يفعل ذلك». وختم أبو عمار قوله: «في النهاية توصلنا إلى اتفاق بفضل عبدالناصر والملك فيصل. وقد نص ذلك الاتفاق على سحب قوات الطرفين من عمان وتجميع الوحدات الفلسطينية في جرش».
لكن ضربات سبتمبر القاسية لم تتوقف مع سقوط الآلاف من الضحايا الفلسطينيين، ولكن يوم 28 من ذلك الشهر عرف مأساة أخرى قال عنها أبو عمار: «غداة توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بحضور الملك فيصل بين منظمة التحرير الفلسطينية والملك حسين علمت بوفاة عبدالناصر، إثر أزمة قلبية. وصلني الخبر في دمشق بعد وصولي إليها بساعات.
إن ضربة القدر تلك غير المنتظرة أفاضت دموعي إذ كنا قد خسرنا قائدا تاريخيا كان يجسّد تطلّع الشعب العربي إلى الكرامة والوحدة. ومنذ عام 1968 ساعدنا الراحل ودعمنا، وكان رئيس الدولة الذي أرشد خطواتنا الأولى في الطريق الدبلوماسي».
سقوط طائرة الرئيس
ويوم 7 أبريل من عام 1992 سقطت طائرة أبو عمار في الصحراء الليبية وانقطعت أية صلة فيها. اتصل بسام أبو شريف يومها بالبيت الأبيض وطلب إبلاغ الرئيس كارتر على الفور. ذلك أن الولايات المتحدة مسلّطة باستمرار على ليبيا وقد يمكنها تحديد مكان سقوط الدائرة؟ وبعد ساعة فقط، جاءته الإجابة: «لقد وجدناها وسوف نحدد لكم إحداثيات موقعها بدقة.
بقيت معرفة كم ستستغرق عملية الإنقاذ. وإذا كان هناك أحياء». إن مجموعة من الجمّالين الليبيين وجدوا أبو عمار ورفاق رحلته ممن بقوا على قيد الحياة. وفتح القائد الفلسطيني عينيه ليجد نفسه على سرير المستشفى وبجانبه العقيد معمر القذافي.
واجه أبو عمار الموت مرات ومرات وانتقل من منفى إلى آخر. وتنقل المؤلفة ما جرى في مقابلة أخيرة لها معه في تونس، بعد أن كان قد تزوج من السيدة سهى عرفات وأصبح أبا لطفلة، الحوار التالي معه عن أحداث عرفتها حياته حتى آنذاك:
هل تستطيع أن تعيش أحيانا حياة طبيعية؟
كيف تطرحين علي مثل هذا السؤال؟ وأنت تعرفين أكثر من أي شخص آخر أن الإجابة هي لا
وبعد الحب الكبير. ندى يشرطي، تلك المرأة التي اغتيلت في بيروت. الجميع يذكرون جنازتها حيث مشت المدينة كلها وراء النعش. من الذي قتل ندى، سيادة الرئيس؟
الموساد
هل تزوجت بهذه السن المتأخرة بسبب الخوف؟
نعم
لماذا تزوجت سهى الطويل؟
لأنها المرأة الوحيدة التي قبلت العيش معي. فليباركها الله.
ما هي الأخطاء الكبيرة التي ارتكبتها؟
لم أقترف أخطاء كبيرة، فقط أخطاء صغيرة.
هل نلتقي العام القادم في القدس؟
إن شاء الله.
في رام الله
لم يكن اللقاء العام التالي في القدس، ولكن كان في رام الله عام 2001. كان ابو عمار قد عاد إلى فلسطين بعد توقيع اتفاقيات اوسلو وأصبح رئيسا شرعيا للسلطة الفلسطينية، واستمرّت بنفس الوقت معركته من أجل إرساء دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، مع إرساء مختلف المؤسسات التنفيذية والتشريعية. لقد اجتاز أبو عمار الحدود يوم 1 يوليو 1994 بعد 27 سنة من المنفى لتبدأ سنوات من متابعة مقارعة الإسرائيليين.
وكان الإسرائيليون قد ضربوا حصارا ظالما على مقر السلطة الفلسطينية في «المقاطعة» برام الله منذ فترة عندما وصلت مؤلفة هذا الكتاب إليها حيث استقبلها بسام ابو شريف في منزله. كانت تعرفه منذ سنوات طويلة وكان يعرف أنها كانت قريبة جدا من ابو عمار. هكذا قال لها فجأة: «هل تريدين لقاء ابو عمار.
إنه في الطرف المقابل ولا يفصلنا عنه سوى باب وشارع صغير. إذا أردتِ أرافقك». لكنها اكتفت عند عودتها إلى الفندق بكتابة رسالة طويلة للرئيس الفلسطيني تهنئة فيها على استرداد بلاده. «ثم عدت إلى بلادي، لكن قلبي كان في فلسطين»، تقول.
وبعد أن تشرح المؤلفة على مدى صفحات سياسة العدوان التي مارستها إسرائيل بكل حكوماتها، وخاصة حكومة ايهود باراك التي سمحت لارييل شارون بـ «التنزّه» داخل الحرم الشريف وتتحدث أيضا عن التحيّز الأميركي حيث أرادت إرادة كلينتون أن تفرض على الفلسطينيين في كامب دافيد تنازلات لا يمكن أن يقبلها الشعب الفلسطيني، مثل التنازل عن المدينة المقدسة فكانت أبو عمار:
«إنني لم آت إلى هنا من أجل التخلي عن القدس». وفي شهر مايو من عام 2002 بدا بوضوح أن الإسرائيليين يريدون القضاء على ابو عمار.
وأمام ما عرضته شاشات تلفزيونات العالم بدت الدبابات الإسرائيلية وهي تتقدم. وكان الحديث الهاتفي بين المؤلفة وبسام ابو شريف الذي قال:
إنهم هنا. ولقد دمّروا كل شيء في طريقهم. ولم يعد لدينا ماء ولا كهرباء. وهذا الهاتف هو جهاز مساعد فالجهاز المركزي لا يعمل.
والرئيس؟
إننا لا نعرف عنه شيئا. ثم انقطع الاتصال الهاتفي. لكن ابو عمار استطاع الصمود والبقاء رغم صواريخ ارييل شارون. وبعد أيام تلقت المؤلفة اتصالا هاتفيا من الرئاسة الفلسطينية وصوت يقول: «لقد رفع الإسرائيليون الحصار والرئيس ينتظرك غدا».وبعد عناء كبير ومضايقات من الشرطة والجمارك في مطار بن غوريون وصلت مع فريقها إلى رام الله.
حيث نزلوا بأحد الفنادق بالقرب من «المقاطعة» مقرّ الرئيس عرفات. وعندما ولجوا ذلك المقر رأوا كيف أن نوافذه أصبحت سوداء بسبب الحرائق والأكياس الترابية تحجب الزجاج. كل شيء كان يبيّن قساوة الحياة التي عاشها الزعيم الفلسطيني خلال 34 يوما من الحصار الموجّه ضده شخصيا. كان هو نفسه يفترش أحد الأكياس دون غطاء. ذلك المبنى كان هو بقايا القصر الرئاسي الفلسطيني.
كان مكان اللقاء مع أبو عمار ضيقا ومظلما. وجلس على كرسي جلدي أسود وخلفه علم فلسطين. لقد ظهرت الشيخوخة على محياه وهزل وشحب لونه، كما تصفه المؤلفة قبل أن تقول: لقد تعرضت بلادكم للهجوم وإخوتكم العرب رفضوا استخدام سلاح البترول للضغط على إسرائيل.
لا يمكننا أن ننسى أن البلدان العربية صاغت مبادرة هامة بناء على اقتراح الأمير عبدالله وأقرّتها قمة الجامعة العربية وتخص السلام بين العرب وإسرائيل. لكن إسرائيل أجابت بالهجوم على جنين (...) ودمرت نابلس، أقدم مدينة في فلسطين. إن إسرائيل استخدمت بالهجوم كل ما تمتلكه من طاقات ودمرت الكنيسة الأكثر قدما في رام الله وأربعة مساجد.
وأضاف: «أخطر الأحداث جرت في بين لحم، في معسكر بيت جالا، وكنيسة الميلاد، وكانت قد دكّت تمثال العذراء بالمدافع. فهل يمكن تصور أن يهب العالم ضد الأفغان أنهم دمروا تماثيل بوذا في باميان وأن تمر جريمة كالتي حدثتكم عنها دون أم يلحظها أحد؟ (...) وعندما أتى موفدو جورج دبليو بوش حرصوا على عدم الاقتراب من الكنيسة. ويبدو أن الاسرائيليين يحضّرون عملية مشابهة ضد غزة». كانت نظرة ابو عمار في ذلك اليوم تبدي أنه يتهيأ لاجتياز الحدود نحو العالم الآخر.
الكتاب: ياسر عرفات.. من القلب هوى فلسطين
تأليف: ايزابيل بيزانو
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
الناشر: تيميلي دومي لون جنيف ـ باريس

