من ميزات أبو عمّار الأساسية كانت هناك قدرته على التواصل مع الآخرين وجذبهم نحو دعم قضية حياته، قضية الشعب الفلسطيني. فضلا عما تميز به من انتباهه باستمرار إلى أدق التفاصيل التي تجري حوله. وقد كان من أقرب الشخصيات إليه رفيق نضاله و«الروح التوأم» خليل الوزير، أبو جهاد. هذا إلى جانب احترامه الكبير لزوجته السيدة انتصار الوزير التي قام ذات مرة بمخاطرة كبرى كي ينقلها هي ووليدها من بيروت بعد منتصف الليل حيث كانت هناك خطة لاعتقالها مع مجموعة كبيرة من قيادات «العاصفة».

ومن اللحظات المهمة من سيرة حياة ياسر عرفات تلك التي أعقبت هزيمة يونيو 1967، حيث أعلن للعالم كله منذ الشهر التالي يوليو أن الفلسطينيين سيتابعون حربهم ضد إسرائيل، وهكذا دخل إسرائيل متخفياً مرات ومرات. وفي شهر مارس ـ من عام 1968 كانت أول مجابهة حقيقية مع الجيش الإسرائيلي في بلدة الكرامة. يومها رفض ياسر عرفات كل عروض التراجع والفرار واتخذ القرار الصعب بالصمود. وكانت معركة الكرامة أول درس للمقاومين الفلسطينيين في مواجهة إسرائيل.

كانت مؤلفة هذا الكتاب في عداد الوفد الذي رافق الرئيس ياسر عرفات إلى الجزائر. وقد كان يولي أهمية كبيرة لوسائل الإعلام. وتنقل عنه المؤلفة أنه قال لها ذات يوم في تونس: «أنا أيضاً كنت صحافيا».لقد كان في الواقع رئيس تحرير ومدير صحيفته التي حملت عنوان «فلسطيننا». وكان هو نفسه يقوم بتوزيعها. وكرئيس لاتحاد الطلبة الفلسطينيين عرف كيف يجذب إليه في جميع المؤتمرات والندوات انتباه الصحافة والإذاعة. وقد قام فيما بعد باستئجار فترة بث إذاعي من لندن بحيث يصل صوته إلى الأراضي المحتلّة. وقد كان لذلك أثرا كبيرا.

منحته الجامعة العربية غرفة كي يعمل فيها بالبناية رقم 17 في شارع جواد حسني بقلب القاهرة. ومن أجل استقبال «الضيوف الأجانب» أبرم اتفاقا مع حارس العمارة لقاء مبلغ من النقود، بحيث يتصل به «من الخارج». أي من مدخل العمارة. كذلك عمل بطريقة تشير إلى أن الأثاث من مكاتب «الحكومة الفلسطينية» فيما هو من الشقة المجاورة. هكذا كان يبهر أولئك الذين يدخلون ويجدون أنفسهم محاطين بأثاث فاخر وباتصالات هاتفية «من جميع أنحاء العالم».

لم يكن أبو عمار بارعا في التواصل مع الآخرين فحسب، لكن المؤلفة تؤكد على أنه كان يتمتع بقدرة عالية على جذب الذين كان يتحدث إليهم. وذلك بواسطة ما كان يتمتع به من شخصية محببة ومن حياة داخلية غنية ومن كنوز الحساسية. «لقد كان مليونيرا من حيث ما يمتلكه من هذه الصفات كلها».

وتروي المؤلفة أنها التقت في الجزائر للمرة الأولى بسهى الطويل والتي لعبت دورا مهما في حياة عرفات في مرحلة متأخرة في بهو الفندق الذي كان يتواجد فيه بعض أعضاء الوفد الفلسطيني.

وتواجدت بنفس الوقت السيدة «إنعام عرفات» لكنها تصرّفت مع المؤلفة باستعلاء رغم أن أبو عمار كان قدمها لها قبل أيام. وعندما قالت له: «ليس هناك في العالم ما هو أصعب من الحصول على ود أفراد أسرتك». علّق قائلا: « ـ لقد عشت في القدس حتى عام 1937 بدونهم. كان أبي قد أقام في مصر وتزوج مرة ثانية. وأفضل عدم التحدث عن زوجة أبي. ومع بداية الحرب العالمية الثانية ذهبت للعيش مع أنعام. لقد تمرّدت دائما ضد تسلطها، إذ لم تكن تتوقف عن إصدار الأوامر. ينبغي فهم ذلك فقد ضحّت بحياتها كلها من أجلنا».

ومن الميزات التي تؤكد عليها المؤلفة أيضاً في شخصية ياسر عرفات هي أنه كان شديد الانتباه للبشر ولأدق التفاصيل التي كانت تجري حوله. وتروي أنه عندما كانت في «قصر الصنوبر» بالجزائر مع حفل من الصحافيين بانتظار مؤتمر صحافي مع القائد الفلسطيني مرّ بسرعة مع رجاله باتجاه المنصة ثم توقف فجأة ونظر إليها حيث كانت وناداها بصوت عالٍ «رنّ في الصالة كلها». تقول «لم أفهم أبدا كيف استطاع أن يراني بين ذلك الجمع الغفير. هل كان يمتلك عينين في ظهره»؟

وتروي المؤلفة في سياقات مختلفة أنها رأت في نظرة أبو عمار كل آلام شعبه: «التعذيب والاضطهاد والمرأة التي أحبها وقتلها الموساد واغتيال أبو جهاد، وأبو إياد ولحظات اليأس والظلم المتجدد، ومعركة الكرامة وصبرا وشاتيلا وأيلول الأسود، والقائمة التي كنت أراها في نظرته كانت بلا نهاية».

انتصار الوزير

في لقاء الجزائر خلال شهر سبتمبر 1991 التقت المؤلفة للمرة الأولى أيضاً بالسيدة انتصار الوزير، أرملة الشهيد خليل الوزير، أبو جهاد. وتنقل عن أبو عمار قوله لها ذات مرة: «عرفت انتصار عام 1956 عندما كان عمرها 14 سنة. كانت لا تزال طفلة تقريبا وكانت تنقل القنابل في سلة البرتقال. لقد كانت ارتقت في صفوف فتح وغدت عضوا نشيطا فيها عام 1965، إذ كانت تدير شبكتنا السريّة، وكانت المرأة الوحيدة التي تعرف كل المقاتلين المنتشرين في الشرق الأوسط».

وأضاف: «إن تاريخ الأول من سبتمبر 1965 لا يزال حاضرا في ذاكرتي، لقد عرف ذلك اليوم اعتقال مجموعة فدائية كاملة وتعرض أعضائها للتعذيب. كانت انتصار في منزلها مع وليدها حيث كان أبو جهاد في ألمانيا. وقد تلقيت يومها الاتصال التالي: إن أجهزة سرية عربية رصدت بدقة مكان إقامة قيادة العاصفة في بيروت. وسوف تقوم بضربتها عند الفجر. إن أسماء عشرات الفلسطينيين موجودة على القائمة وسيتم اعتقالهم جميعاً.

«تعبير قيادة العاصفة كان يعني بشكل خاص اسم محدد هو انتصار. هكذا صعدت بسيارة أجرة ـ تاكسي ـ واجتزنا منطقة البقاع بسرعة فائقة وتجاوزنا جبل الشوف. كانت تغطّ في النوم فالساعة تجاوزت آنذاك منتصف الليل. لقد تركنا سيارتنا في شارع جانبي صغير، ونقرت بلطف عدة مرات على النافذة. أمسكت بمسدسها وفتحت النافذة قليلا. أشرت لها بالصمت وقلت لها وشوشة: «ينبغي أن نغادر بسرعة».

«أخذت طفلها بذراعيها وبعض الثياب القليلة، لم اتفوّه بكلمة حتى تجاوزنا الحدود. إننا لم نثر شكوك الجنود إذ كنا نبدو كزوجين عربيين بامتياز. كانت انتصار على قناعة أن أبو جهاد قد اغتيل، هذا ما قالته لي عند وصولنا عند الفجر إلى دمشق بعد تلك الرحلة الزاخرة بالتوتر».

سألت المؤلفة: «أبو عمار، لماذا لم تخبرها بما جرى أثناء الرحلة»؟ فأجاب: « ـ كنت أصلّي. ولم أتوقف عن الصلاة حتى لمحنا المدينة من بعيد عند الفجر». أعادت انتصار الوزير سرد الرواية فيما بعد وبنفس التفاصيل. وقالت عن زوجها الشهير أبو جهاد عندما سألتها المؤلفة عمّا تتذكر من حياتها معه: « ـ أتذكر كل شيء. كانت علاقة جميلة، وأتذكر أحيانا بعض الحركات الرومانسية التي كان يقوم بها. إنه لا يزال يعيش في داخلي، في كياني. إن حبا كبيرا كحبنا لا يمكن أن ينهيه الموت». لكن ذلك الموت أخذ منها «زوجها» وأخذ من أبو عمار أفضل أصدقائه. لقد كانا «روحا واحدة في جسدين». كما قال القائد الفلسطيني والدموع تنفجر من عينيه يوم سمع الخبر المفجع.

1967

من اللحظات المهمة والحزينة في حياة أبو عمار تلك التي أعقبت هزيمة يونيو 1967. كان عندما بدأت إسرائيل عدوانها عند الساعة 45,7 من صباح الخامس من ذلك الشهر، في مخيم اليرموك بدمشق برفقة أبو جهاد الذي كان قد عاد قبل فترة وجيزة من ألمانيا. يقول: «لقد ذهبنا يوم 7 يونيو إلى الجبهة في الجولان، حيث كنّا قد كدّسنا كل ما وجدناه من أسلحة وذخائر، لكن الوقت كان قد تأخر، إذ عند حلول الليل قبلت الحكومة الأردنية وكف إطلاق النار».

ويوم 10 يونيو كان قد انتهى كل شيء واحتلّت إسرائيل أراضي تعادل أربعة أضعاف في الأسبوع الفائت على الحرب. لقد انهار عرفات ورجاله. ومما جاء في رؤية أبو عمار لما جرى ولما آلت إليه الأمور نقرأ: «كيف يمكن أن نفسر بطريقة ملموسة وبطريقة مفهومة قسوة الضربة التي قادتنا إلى هزيمة بتلك السرعة وبذلك القدر من الفاجعة؟ (...) لقد أضحى علينا أن نقبل واقع أن كل المناطق التي كان مشروع التقسيم قد أعطاها لفلسطين العربية لفلسطين التاريخية، أصبحت تسمّى «الأراضي المحتلة». ثم إن 400 ألف فلسطيني وجدوا أنفسهم مرغمين على الهرب. والمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ولّدتها زيادة خطورة مصير الفلسطينيين كانت مأساوية بالنسبة للمنطقة كلها».

لكن أبو عمار لم يرضخ لمنطق الهزيمة واعتبارا من شهر يوليو 1967 أعلن للعالم أجمع أن الفلسطينيين سوف يتابعون حربهم ضد إسرائيل. ولم يتأخر عن الدخول سرّا إلى فلسطين المحتلّة ويقوم بتنظيم خلايا جديدة في فتح ويرفع معنويات رجاله وينصحهم بعدم مغادرة البلاد لأي سبب كان وفي ظل أي ظروف، حتى لو فجّر الإسرائيليون منازلهم وخرّبوا أرضهم.

وكان يردد على مسامعهم القول إنه ينبغي قبول النوم في العراء وأكل جذور النباتات وشرب مياه نهر الأردن، ولكن عدم مغادرة فلسطين إلا بالموت. وقد طالبهم باللجوء إلى معارضة سياسية وثقافية واجتماعية وإنهاك إسرائيل خاصة أنهم لن يتخلّوا عن أرضهم. وبنفس الوقت كان يتخذ أقصى إجراءات الحذر كي لا يقع بيد السلطات الإسرائيلية.

وتنقل المؤلفة عنه قوله: «ذات يوم عندما كنت بطريق المرور عبر القدس اجتاحتني موجة حنين قوية وأردت رؤية منزلنا من جديد قبل أن يفجّره الإسرائيليون. أردت رؤية شوارعي وحيي ومكان ولادتي. من بعيد لمحت أخي فتحي وهو يسير في الشارع. لم أركض للقائه فذلك ربما كان يعني الجنون أو الانتحار. لقد دخلت مرات عديدة إلى إسرائيل ولكن متنكّرا باستمرار».

معركة الكرامة

كان يمكن لأبو عمار أن لا ينام طيلة الليل كي يتحدث عن معركة الكرامة. وكانت عيناه تلمعان وتفصحان عن قوة وشباب مدهشين، هكذا تصفه مؤلفة الكتاب. وتقول إن أبو عمار استقبلها ذات مرة في مقر قيادته بتونس لإجراء مقابلة عن سيرة حياته استغرقت أربع ساعات من أجل القناة الإيطالية التلفزيونية الخامسة.

ومما قاله عن معركة الكرامة: «أقمنا عدة قواعد في الأردن، على شواطئ النهر. وفي شهر مارس ـ آذار 1968 علمت أن الإسرائيليين يحشدون قواتٍ على الجانب الآخر من النهر مقابل الكرامة. وقد جمعت عندها عددا من القيادات وقلت لهم: الإسرائيليون سيهاجمون الكرامة من أجل إبادتنا. علينا المواجهة كي يعرف الشعب الفلسطيني وكل العرب أن المقاومة الفلسطينية وليدة، ولكنها أصبحت قادرة على مواجهة الجيش الإسرائيلي (...). الكرامة سوف تكون قبرنا أو رمز بزوغ أمل جديد».

وأضاف: «عانقت للمرة الأولى والأخيرة أعضاء المجموعات الفدائية الانتحارية التي سوف تواجه رتل الدبابات الإسرائيلية الأولى بالمتفجرات. كان عدد أولئك الفدائيين 17 بقي واحد منهم فقط على قيد الحياة. وباسم ذكراهم وتكريما لهم جرى تأسيس القوة 17 لحراستي الشخصية».

كانت إسرائيل تحضّر الهجوم بوضوح. ويوم 18 مارس جرى إخطار عرفات من قبل ضابط كبير في جهاز الاستخبارات الأردني، وكان هو نفسه قد استقى المعلومات من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، أن الهجوم الإسرائيلي غدا وشيكا. وجرى استدعاؤه بسرعة إلى عمّان مع صلاح خلف من قبل قائد الجيش عمار خماش الذي قال له: «أبو عمار، إلا ترى أن إسرائيل تحشد القوات منذ عدة أيام لإبادتكم؟ ولمرة أسمح لكم باللجوء إلى الهضاب المجاورة».

وكانت إجابة أبو عمار: «إن أمتنا العربية لا تفعل حتى الآن سوى التراجع والهرب. كلاّ ينبغي إفهام العدو الإسرائيلي أن هناك أناسا لا يهربون، وسوف نواجههم». وكانت معركة الكرامة.

المؤلفة في سطور

إيزابيل بيزانو، مؤلفة هذا الكتاب، من مواليد الأوروغواي وهي إسبانية بالتبنّي مراسلة حربية لعدة سنوات في فلسطين ولبنان وتشاد والعراق والبوسنة والصومال. وأجرت مقابلات مع العديد من الكبار وأصحاب القرار في العالم. كما أنجزت العديد من التحقيقات الصحافية لقنوات تلفزيونية مثل الـ «راي» والقناة الخامسة الإيطاليتين، ولصحف في مقدمتها «لوموند» الصادرة في مدريد. نالت إيزابيل بيزانو في عام 2002 جائزة «أفضل صحافية للعام» من قبل جمعية الصحافيين المحترفين الأسبان. لها عدة مؤلفات

تأليف: ايزابيل بيزانو

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف

الناشر: تيميلي دومي لون جنيف ـ باريس ـ 2009