«الجمعية العالمية للمستقبل» هي هيئة علمية تتخذ مقرها في «ماريلاند» بالولايات المتحدة وتضم في عضويتها عدداً من المثقفين من كل أنحاء عالمنا، من المهتمين بمتابعة أهم التيارات المرتبطة بمستقبل الكرة الأرضية.. (ومنهم كاتب السطور).
استغرق إعداد هذا البيان المستقبلي، أو فلنقل الاستشرافي، عاما بأكمله، وتوزعت بنوده إلى عدد متنوع من أهم مجالات النشاط البشري في عالمنا، نختار منها المجالات الستة المهمة التالية:
(1)الاقتصاد وقطاع التجارة والأعمال
(2)البيئة والموارد الطبيعية
(3الصحة والدواء والعلاج
(4)الطاقة
(5)مجتمع المعلومات
(6)العلم والتكنولوجيا
قطاعات ونشاطات وتوقعات
وعلى سبيل التفصيل التحليلي تطرح الجمعية العالمية للمستقبل توقعاتها على النحو التالي:
في القطاع الاقتصادي: من المتوقع أن يحدث توازٍ على حد يصل أو يكاد إلى درجة المساواة في أجور العاملين في القطاعات المتشابهة عبر العالم.. وخاصة تلك القطاعات المرتبطة بإنجازات أو فتوحات التقدم العلمي والتكنولوجي.. وبمعنى أن يتقاضى العامل الاختصاصي (الموظف + الخبير) نفس الراتب والميزات عبر اختلاف الحدود والنظم السياسية، يستوي في ذلك مثلا أقطار في أقصى شمال عالمنا كالسويد أو في أقصى جنوبه مثل استراليا، وما بينهما في أقصى الشرق مثل اليابان.
ومن المتوقع أيضاً أن يزدهر قطاع السياحة الطبية أو الزيارات العلاجية بحثا عن التكاليف الأيسر تحمّلا أو تكبّدا مع تساوي عوامل الكفاءة لطبيعة الحال.. ويساق في هذا الصدد مثال يقول بأن جراحة زرع النخاع في أميركا تتكلف نحو 400 ألف دولار، فيما تتكلف في الهند مبلغا لا يزيد على 30 ألف دولار.
في قطاع الطاقة: من المتوقع عند الهزيع الأخير من العقد الجديد.. أن يأتي عام 2020 ليشهد بروز مادة الأمونيا (النشادر) بوصفها خيار المحروقات المستقبلي الأهم لتزويد السيارات بما يلزم محركاتها من الوقود.
في نفس المضمار يتوقع الخبراء أن يتمثل الاتجاه القادم لتصميم السيارة في تزويد هيكلها بما يوصف بأنه «السقف الشمسي» وهو السقف الذي يحتوي على خلايا للطاقة الشمسية لزيادة كفاءة استخدام الوقود.
وفي إطار هذا البحث الدائب في مجالات تنويع مصادر الطاقة وترشيد استخداماتها، تشهد السنوات القادمة من هذا العقد استخدام النفايات لأغراض الإضاءة وتطوير استخدامات تجارية.. بمعنى اقتصادية للطاقة الشمسية، واستخدام مياه البحر لتوليد الطاقة الكهربية (تعكف جامعة ميتشجن الأميركية على تطوير ماكينة مخصصة لهذه الأغراض).
البيئة والموارد: وداعا للفيل الافريقي.. الحيوان هائل الحجم الذي طالما استأثر بإعجاب وخيال أجيال من أطفال عالمنا في حدائق الحيوان.. أن عدد الأفراد أو الرؤوس من هذا النوع الطيب من الفيلة يبلغ الآن 470 ألفاً فقط لا غير..
وهو بالطبع أقل من نصف الحجم الذي كان متوافرا عند صدور قرارات تحريم تجارة العاج في ثمانينات القرن العشرين.. لكن هذه التجارة الجائرة غير المشروعة مازالت قائمة ومن ثم فمن المتوقع انقراض سلالة الفيل الأفريقي من سطح القارة المهيضة بحلول عام 2020.
وداعا أيضا للشخصية أو الطبيعة الجليدية التي كانت تتسم بها مناطق القطبين الشمالي والجنوبي بين عامي 2040 و2060 سوف تصبح مواسم الصيف في تلك المناطق مجردة أو محروقة من جبال الجليد التي ظلت تسودها منذ فجر تاريخ البشرية.
ومن عجب أن يكون من أسباب ذوبان الجليد وظاهرة التساخن الكوكبي ما ينجم عن تأثير غاز جديد من سلالات النيتروجين يتخلف عن عمليات إنتاج الخلايا الشمسية ودوائر الحاسوب الالكتروني والأنواع المتطورة من أجهزة التلفاز.. وهو غاز بالغ التأثير لدرجة تفوق حتى ثاني أكسيد الكربون، على نحو ما يقول به العلماء.
الصحة والعلاج: تخترق شبكة الانترنت كل مجالات حياتنا.. وفي مقدمة أنشطتها المتوقعة في العقد الجديد هو اتصالها بالأساليب والأجهزة المستحدثة التي ستقوم بتحميل وتنزيل (نقل) كل بيانات الفرد الصحية وكل ما يبذله من أنشطة مؤثرة على الصحة.. إلى شبكة الانترنت وكأنها بذلك تديم الصلة بين الإنسان والطبيب بحيث تظل صلة وثيقة وبغير انقطاع.
وشكرا لفتوحات النانو تكنولوجيا أو تقنية الصغريات (وهنا تلمح أسماء علمائنا العرب من أمثال أحمد زويل ومصطفى السيد) وبفضل هذه النانو تكنولوجيا سيصبح بالإمكان ـ على نحو ما يؤكد الخبير الأميركي «ديفيد سيليز» النفاد إلى دواخل الجسم البشري لمعالجة ما قد يلمّ بالجسم من أدواء كانت شبه مستعصية على الأطباء. ومن ذلك مثلا: إصلاح أو ترميم الخلايا المريضة داخل الجسم.. وإعادة شحن أو تنشيط وتحفيز المخ.. وإعادة تفعيل - حتى لا نقول إِحْياء ـ الأنسجة الخامدة في الجسم البشري.
كذلك يتيح التقدم العلمي المرموق في تقنيات تصنيع الأنسجة الجلدية.. تجديد وترقيع واستبدال المساحات الجلدية المعطوبة من بشرة الجسم البشري ويتم ذلك في إطار ما يوصف بأنه «هندسة الأنسجة» التي ستحرز أشواطا من التقدم بما يتيح لها إنتاج جلود وأنسجة على طريقة المصانع وخاصة لإنقاذ ضحايا حوادث الحروق وما إليها.
مجتمع المعلومات: هذا المجال يحمل وعودا وردية خلال السنوات القليلة المقبلة.. لا بالنسبة لدول الغرب في أوروبا وأميركا كما هي العادة، بل لأقطار الشرق الأقصى من عالمنا على وجه التحديد. يقول البيان المستقبلي الذي نحيل إليه:
1- إن اليابان وجاراتها (في شرق آسيا) سوف تتمتع بمقاليد السيطرة ـ أو الهيمنة على المرحلة المقبلة من نمو وتطور شبكة المعلومات الكوكبية ـ الانترنت.
2- وفي هذا المضمار يورد البيان أيضا اسم كوريا الجنوبية موضحا أن هذه الأطراف الآسيوية سوف توسع طاقة أو موجبات استخدامها لشبكة الانترنت وان هذه الجهود العلمية والتكنولوجية سوف تترجم نفسها على شكل زيادة في الإنتاجية وارتفاع في معدل النمو السنوي للاقتصاد وتوسع في عنصر الابتكار والتجديد التكنولوجي. من هنا يمكن التأكيد، بالفم المليان كما يقولون: أن نجم آسيا في صعود خلال الفترة المقبلة.
التواصل الالكتروني
في نفس السياق أيضا يرصد «المستقبليون» تنامي ذلك التيار الذي يحمد له من ناحية إنشاء همزة وصل الكترونية متطورة بين الشخص ـ المواطن وبين الطبيب، سواء كان طبيب الأسرة الساهر على وقاية أفرادها، أو كان الطبيب الاختصاصي المعالج لحالة مرضية بعينها تصيب واحدا من أفراد الأسرة:
هي نفس تكنولوجيا الرصد والتسجيل المستمر الذي يسود «البيت الذكي» الذي ألمحنا إليه فيما سلف من سطور.. هذا التيار أيضا يمتد عند راصدي مستقبل سنوات العقد الوليد ليضم مستجدات يتم استحداثها في حياة الناس في طول العالم وعرضه، وتأتي على شكل آلات وأدوات للاستشعار وخرائط رقمية «ديجيتال» وأدوات وآلات تكنولوجية بالغة التطور بحيث تتيح في مجموعها تعميق وعي وشعور الإنسان بكل ما يحتويه الوسط المحيط به أو البيئة المحلية التي يعيش بين ظهرانيها من أنشطة وفعاليات.
هنا تقول مجلة «المستقبلي» إن إمكانات محركات البحث الالكترونية (ومنها جوجل على سبيل المثال) كفيلة بأن تعرض على أنظارك صورا (لحظية ومتزامنة ومتوالية) لما يدور في هذا الحي أو تلك الجيرة أو ذلك الفريج.. مقترنة بما عساه يفعله أهل الحي المذكور عندما يشترون أو يبيعون.. وهنا يكشف الستار عن سلوكيات شتى تراها معروضة على شاشات الحواسيب: المدخنون الشباب.. الآباء وأطفالهم الصغار.. هذا فضلا عن توصيل سيادتك ـ الكترونيا بالطبع ـ بكل ما قد تحتويه هذه الجيرة أو تلك الناحية من منتجعات وأسواق وساحات ومنشآت ومؤسسات ومواقع للنشاط..
ومن ناحية أخرى ثمة رقيقة (أو شريحة) هي الآن قيد التطوير ويرتقب خروجها الى السوق ومن ثم الاستخدام العام خلال سنوات قليلة قادمة من هذا العقد الجديد.. وهذه الشريحة يتم تركيبها مع عدسات النظارة الشمسية أو عوينات أو عدسات تصحيح أو تكميل النظر، وتوصف بأنها «الشريحة التفاعلية» وتتمثل وظيفتها في تلقي الأوامر التي يوعز بها صاحب النظارة أو صاحبة العدسة (اللاصقة) فإذا بها تسارع على عرض ما يطلبه الأمر الصادر من بيانات أو معلومات على شكل صور أو أرقام أو سطور.
والعمالة أيضاً
من كل ما سبق يتضح أن سنوات العقد الجديد سوف تشهد اختراقات أو فلنقل فتوحات في مجالات شتى منها تكنولوجيا المعلومات وتقنيات الاتصالات على وجه الخصوص. لهذا يختتم هذا الجزء من الرصد المستقبلي بعدة توقعات ترتبط بمجال التوظيف واستخدام العنصر البشري في إنجاز المهام وعلى شكل الموجز التالي:
1- مزيد من العمل داخل المنزل أمام شاشات الحاسوب دون التوجه إلى الدوام خارجه وهو أسلوب الأوف سايت ـ خارج موقع المؤسسة الذي اعتمدته مؤخرا منظمة الأمم المتحدة.
2- هذا يوفر في أميركا وحدها مبلغ 5 مليارات من الدولارات في ركوب المواصلات واستهلاك الطرق وساعات استخدام وسائل النقل بالنسبة للعاملين.
3- في أميركا سيزيد عدد العاملين الذين يداومون من منازلهم ويمارسون مهام الوظيفة بالاتصال الالكتروني بمقدار 4 أضعاف ليصل عددهم إلى 19 مليون موظف وموظفة بحلول عام 2012.
و.. لا تزال ثمة توقعات وإسقاطات وتنبؤات في جعبة هذا البيان الصادر عن جمعية ماريلاند التي تحاول استشراف مستقبل عالمنا ما استطاعت إلى ذلك سبيلا. وهذا يجعل الحديث الاستشرافي متصلاً بطبيعة الحال.
محمد الخولي
