يرغب السنغافوريون بإطلاق لقب سويسرا جنوب شرق آسيا على بلادهم. فمن يجرؤ الاعتراض على ذلك؟ لا أحد بالطبع، فمن مستنقع موبوء بالملاريا، تحولت هذه الجزيرة الواقعة عند أقصى جنوب شبه جزيرة الملايو، إلى دولة مستقلة بعد زوال الاحتلال البريطاني عنها عام 3691وفي غضون جيل واحد تحولت إلى مكان أسطوري حافل بالنشاط. ويتجاوز دخل الفرد لدى سكانها البالغ عددهم 7, 3 ملايين نسمة، دخل الفرد في العديد من الدول الأوروبية.
وينافس النظامان التعليمي والصحي فيها أية دولة غربية، ولا يواجه المسؤولون الحكوميون فيها بأي تهم فساد، ويمتلك 90 % من السنغافوريين منازلهم الخاصة، والضرائب منخفضة نسبيا، وأرصفة المشاة نظيفة باستمرار، ولا يمكن أن تقع عين المرء على أي مشردين ولا أحياء فقيرة.
وعلاوة على ذلك، تبدو نسبة البطالة منخفضة بصورة نموذجية في سنغافورة، ولا تزيد على 3%، ولدى البنوك رصيد كاف من الأموال، بفضل خطة التوفير الإلزامية للحكومة. وإذا لم يرق كل ذلك لأي شخص فما عليه سوى التوجه جنوبا ومقارنة أحياء سنغافورة مع إحدى مدن الصفيح، أو الأحياء الفقيرة في جاكرتا ليدرك الفارق الكبير!.
وقد تطلب كل ذلك عملا دقيقا متوازنا، ولا يسمح للسكان التلفظ بألفاظ نابية وتحريضية مثيرة للقلاقل والاضطرابات، كالتلفظ بالألفاظ العنصرية أو الدينية المنفرة. وتخلو البلاد من اللصوص، ولا تتعرض محفظة أي شخص للنشل.
ويستخدم السنغافوريون مجازاً عبارة »العصا والجزرة الكبيرة« للتعبير عن الوضع في بلادهم. فالجزرة تعني النمو المالي الضخم الذي يمول أعمال التشييد والعمران المتواصلة والحصول على المواد الاستهلاكية. وفي مقابل ذلك هناك العصا التي غالبا ما ترمز لقوانين الحظر.
وربما يتبلور في سنغافورة أكثر من غيرها سؤال مبدئي: ما الثمن الذي يتعين دفعه مقابل الأمن والازدهار؟ وهل الأمر يستحق الإقامة في مكان كافح كثيرون في هندسته اجتماعياً، واستمروا في العمل فيه بجدية، وأخلصوا في عملهم؟
وفي مكان فرض فيه الحزب الحاكم، قوانين إلزامية صارمة تفرض عقوبة الإعدام على تجار المخدرات؟. ويمكن قراءة هذه العقوبة باللون الأحمر على لافتة ما أن تطأ قدم المسافر أرض المطار، وهل يتعين الإقامة في مكان يفسر حرية الصحافة تفسيرا ضعيفا ويوفر مستوى مثيرا للجدل من الشفافية المالية؟ ويتمازح الناس قائلين ان الحكومة السنغافورية تدير بدقة شديدة تفاصيل حياة السكان بدءا من حق الحياة وانتهاء بطريقة تفصيل ملابس مضيفات الطيران وتطريزها وطباعة الكلمات عليها؟
وقد يتساءل المرء عما إذا كان ممكنا تلخيص الوضع السنغافوري الحاضر بكلمة واحدة، بالطبع هناك كلمة يرددها السنغافوريون وهي (كياسو)، وتعني »الخوف من الخسارة«. وفي مجتمع يباشر بتشكيل تلامذته في سن العاشرة في مجموعات تعتمد على اختبار قدراتهم، وتعتبر المجموعتان الخاصة والدقيقة من أبرز التصنيفات بالمقارنة مع التصنيف العادي. ويتسرب شعور الخوف من الخسارة إلى عقول طلبة الهندسة الحاذقين، ويتباهى السنغافوريون بتفوقهم على غيرهم في كل شيء، ولكن في عالم من الربح والخسارة لا يعتبر الفوز دائما بشكل كامل، ويحمل في طياته الخشية من التوقف عن الفوز.
ففي عام 2005، جاء ترتيب مرفأ سنغافورة، المحتوي على أكثر أرصفة الحاويات ازدحاما في العالم، بعد مرفأ شنغهاي في إجمالي عدد الحمولات المحملة والمفرغة فيه، واعتبر ذلك اليوم كارثة وطنية وأعلن فيه الحداد الوطني. وفي ذات يوم، وكجزء من بروفة الاحتفالات بالعيد الوطني، مثل الجيش السنغافوري دورا يقوم فيه بإخضاع عصابة من الإرهابيين تقوم بقتل عدد من الأطفال، الذين يحملون الأزهار ويرتدون الثياب الحمراء.
وخلال الاستعراض العسكري ظهرت الدبابات وهي تنهب الطريق، فيما كانت تحلق فوقها مروحيات »الأباتشي«، وأطلق الجنود زخات من الرصاص. وعلق أحد المراقبين على ذلك قائلا: نحن لسنا كوريين شماليين لكننا نحاول تقوية أنفسنا واستعراض قوتنا باستمرار.
والوسيلة الوحيدة لسنغافورة لكي تتمكن من الحفاظ على نفسها وسط جيرانها من الدول الكبيرة المحيطة بها، هي بقائها متيقظة باستمرار. وقد بلغت الميزانية العسكرية لسنغافورة في العام المنصرم 2009، 4, 11 مليار دولار، وهذا يضاهي 5% من الناتج المحلي الإجمالي، ويعتبر من أعلى المعدلات المناظرة في العالم.
ولا أحد يعرف من أين قد يأتي التهديد، أو كيف ستكون طبيعته، ففي الصيف الماضي أصيب الجميع بالذعر من وباء أنفلونزا الخنازير. وانتشر المراقبون الصحيون في أرجاء المدينة. وفي الأمسيات عندما يهم المرء بدخول أحد النوادي الليلية أو النوادي الاجتماعية، يظهر أمامه فجأة أحد المراقبين الصحيين وفي يده ميزان لقياس درجة حرارته.
وهذا جزء من عمليات التدقيق التي لا تنتهي في سنغافورة. وقد شيدت العديد من المساكن الجديدة بملاجئ محصنة ضد القنابل وبأبواب فولاذية. وعادة ما يتم استيعاب الخطر الماثل، والتقيد الشديد بالقوانين. ويعلق أحد السكان المحليين على ذلك قائلا:»ثمة أمر لا يمكن أن تراه في سنغافورة، وهو كثرة عدد رجال الشرطة، لكن هؤلاء يعششون في رؤوسنا«.
وفي محاولة منهم لمكافحة تجارة المخدرات الرائجة في الدول المجاورة في جنوب شرق آسيا، تستخدم المحاكم السنغافورية العقوبات البدنية، وتقضي بجلد تجار المخدرات علنا، علاوة على السجن والإعدام بحسب كمية المخدرات المضبوطة. كما أن القوانين التي تحكم العمالة الأجنبية غير الماهرة، والتي يتم جلبها لملء الشواغر في الوظائف الزهيدة الأجر، تبدو أيضا صارمة. ويجري إبعاد الخادمات إذا مارسن أعمالا منافية للحياء.
قسم الترجمة
