يقال ان مؤسس سنغافورة وراعيها لي كوان يو، لان عوده وتقدمت به سنوات العمر، ولكن عندما يراه المرء وهو يرتدي سترة زرقاء مخططة يتذكر بطل أفلام الويسترن الخارق كلينت ايستوود. ولا يصدق كثيرون أن هذا العجوز البالغ من العمر 86 عاماً، لا يزال زعيما للبلاد، ولا يدركون أنه المتحكم بمصير البلاد، وأنه العقل المدبر للنموذج السنغافوري الشهير.
وقد حول بلاده الصغيرة والخالية من أية موارد طبيعية، والمؤلفة من مزيج متكسر من العرقيات، إلى مؤسسة سنغافورية ضخمة، اجتذبت إليها رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية من خلال تشييد البنية التحتية لوسائل الاتصال والمواصلات، وجعل اللغة الإنجليزية اللغة الرسمية في البلاد، وتشكيل حكومة في غاية الفعالية من خلال دفع رواتب ضخمة لكبراء الإداريين تضاهي الرواتب في القطاع الخاص، وقمع الفساد حتى قضى عليه.
وهذا النموذج هو مزيج من الاستقرار الاقتصادي والحريات الشخصية المراقبة بإحكام، وقد استوحى منها الصينيون والروس والأوروبيون الشرقيون أفكارهم.
وقد أجرت مجلة «ناشيونال جيوغرافيك» مقابلة مع مؤسس الدولة السنغافورية، والأب الروحي الراعي لها لي كوان يو، الذي يبدو ثاقب الذهن وحاد الذكاء.
وقد تحدث في المقابلة عن النهضة العمرانية التي طرأت على سنغافورة وكيف تحولت هذه الجزيرة النائمة إلى محطة تكنولوجية متطورة عبر جيل واحد من السكان. وقد ظل لي كوان يو رئيسا للوزراء لمدة 26 عاما. كما ظل كبير الوزراء لمدة 15 عاما آخر. وقد أطلق عليه لقب الوزير الراعي في عام 2004 حينما تولى ابنه هسين لونغ رئاسة الوزراء بدلا منه. وفيما يلي نص المقابلة:
كيف يمكن للمرء أن يقود مجتمعا بأكمله؟
على المرء أن يفهم الطبيعة البشرية. ولطالما قارنت البشرية بمملكة الحيوان، فهي أشبه ما تكون بها. ولو استعرضنا نظرية الفيلسوف كونفوشيوس لرأينا كيف تحدث عن إمكانية تحسين وضع الإنسان، ربما بإمكان المرء أن يتعلم ويصبح منضبطاً.
ما هي مراحل التحول التي مرت بها سنغافورة حتى أصبحت على ما هي عليه الآن؟
لقد تحولت سنغافورة عبر الزمن إلى دولة أقل تصلبا وأكثر مرونة وقدرة على خوض الصراعات، وهذا يعلل سبب تحسن وضعها. وقد استقبلت عدداً كبيراً من المهاجرين الصينيين. ويشكل الأجانب في الوقت الحالي ما نسبته 25% من سكانها. وأدرك جيداً أن العديد من السنغافوريين ليسوا سعداء بتدفق المهاجرين، خاصة أن المتعلمين منهم مستعدون للتنافس على الوظائف ذات الأجر الأعلى، ولكن عليهم أن يجعلوهم قدوة لهم خاصة المهرة منهم.
ما رأيك بالجيل الجديد في سنغافورة من المهاجرين والسكان الأصليين، وكيف يتعين عليهم مواجهة المشكلات التي تعترضهم؟
أعتقد أنه جيل متعطش لحب المعرفة والتعرف على كل شيء يحيط به. والمشكلة أن أولياء الأمور يضغطون على أبنائهم المراهقين بقوة.
ما رأيك في الزواج المتكافئ وهل تشجعه أم تشجع الزواج المختلط؟
أنا أدافع دائما عن الزواج المتكافئ، وتكمن الفكرة بأن على الخريجين الجامعيين الزواج من زميلاتهم الجامعيات فحسب، حتى نرتقي بالجيل الجديد.
ما رأيك بحملة تنظيم النسل والمناداة بشعار «يكفي اثنان»، وهل أثر ذلك على النمو السكاني، وهل علينا الاعتماد على تكاثر المهاجرين للمحافظة على تزايد النمو السكاني؟
المشكلة أن الحكومة تشجع النسل وتعطي علاوة لكل مولود جديد، لكن لا شيء يساعد ما لم يبادر السنغافوريون بزيادة إنجابهم للأطفال. ونحن آخذون في التقلص ويبلغ معدل الخصوبة لدينا 29,1 وهو عامل مثير للقلق، وقد يصبح شعار«الانقراض النهائي للسنغافوريين» الخطأ القاتل في النموذج السنغافوري.
يبدي بعض السكان المحليين التذمر من المهاجرين القاطنين في سنغافورة كالصينيين وسكان الملايو والهنود فما رأيك بذلك؟
مهما كانت الكلمات التي يتمتم بها السنغافوريون، ومهما كانت الطريقة التي يبدون بها تذمرهم من المهاجرين، فإن عليهم أن يدركوا أن سنغافورة هي موطنهم الحقيقي، وهم يحبونها على الرغم من كل شيء. وهي تجعل المرء يحب هذا المكان من أجلهم.
لكن المشكلة أن الأمور في سنغافورة على وشك التغير، فما رأيك؟
تذكروا مقولتي الشهيرة: «إذا كنتم تعتزمون إنزالي في القبر، وشعرت بأن الأمور ليست على ما يرام، فسأنهض مجددا وأقوّم كل شيء».
لكن عجلة التغير الثقافي ماضية في طريقها، وتتمثل بقوة بشبكة الإنترنت، هذه الذبابة الأثيرية في المرهم السلطوي، فما رأيك؟
أنا أعترف بهذا التهديد، صحيح أننا حظرنا مجلة «بلاي بوي» في الستينات.
ولا يزال الحظر قائما، لكن شبكة الإنترنت تقدم كما أكبر من المواد الإباحية مما تقدمه هذه المجلة، وقد يبدو الأمر متناقضا إذا سمحنا بدخول المواقع الإباحية في حين منعنا المجلات. لكن محاولة فرض حظر على الإنترنت، كما حاولت الصين أن تفعل، هو عمل غير مجد. وأعتبر هذا رداً براغماتياً مفحماً.
ترجمة ـ عمر حرز الله
