قبل القرار الصعب الذي اتخذه الرئيس الأميركي باراك أوباما بزيادة عدد القوات الأميركية المتورطة في أفغانستان بثلاثين ألف جندي إضافي.
ومن بعده القرار الأصعب لحلف الناتو بزيادة عدد قواته العالقة هناك دون أمل في إحراز أي نصر بنحو عشرة آلاف جندي إضافية، بينما لن تزيد هذه الزيادة في القوات على ما يبدو للمراقبين إلا إلى زيادة رقعة ورطة جحافل الناتو في أفغانستان، حيث لم تعد قادرة على الخروج بهزيمة أو تحمل تبعات الاستمرار في القتال دون نصر. وبينما انقسم القادة العسكريون والسياسيون على مدى شهرين حول الحل الأمثل للخروج دون هزيمة في ظل استبعاد إمكانية تحقيق نصر، وجد أوباما نفسه في موقف صعب للغاية، فاتخاذ موقف الشجاعة والاعتراف المبكر باستحالة النصر يترتب عليه عدم زيادة القوات وبدء الانسحاب سيحمله مسئولية الهزيمة، وقراراه بالزيادة التي طلبها الصقور رغم إدراكه أن زيادة القوات سوف يكون تكرارا لسيناريو فيتنام بزيادة الخسائر ثم الانسحاب فرارا بعد تلقي الهزيمة هو نوع من المغامرة، لكنها تحمل الجنرالات مسئوليتها.
الرأي العام يرفض الحرب... وخلال هذين الشهرين أظهرت استطلاعات الرأي العام الأميركي والبريطاني معارضة غالبية الآراء للاستمرار في هذه الحرب الخاسرة، ففي الاستطلاع الذي أجرته صحيفة واشنطن بوست وإيه بي سي نيوز، رأى 51% من الاميركيين أن تلك الحرب هي إضاعة للوقت، مقابل 47% يؤيدونها، وهو ماوصفه مولن بأن «هذه الارقام تثيرالمخاوف» في الوقت الذي تطلب القيادة الأميركية في أفغانستان تعزيزات جديدة لمواصلة الحرب بتأييد من الجمهوريين المحافظين المهووسين بالحروب. كما أشارت استطلاعات الرأي العام البريطاني إلى أن ثلثي الآراء لا تؤيد التورط البريطاني في الحرب ضد أفغانستان، فيما رأى75% من الآراء أن مشاركة بريطانيا في هذه الحرب لا تحمي بريطانيا من الهجمات الإرهابية بل الأقرب هو العكس، ويلاحظ زايد الاعتراضات على هذه الحرب، وترتفع التساؤلات عالية «لماذا يموت جنودنا يوميا في أفغانستان؟!»، مما دفع الحكومة لتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق مع المسئولين عنها.. ومازال التحقيق مستمرا!
وتتزايد هذه المعارضة بعد ثبت دائما أن القوة العسكرية مهما بلغت لا تصنع السلام، بينما الحلول السياسية والتنموية العادلة والمتوازنة للمشاكل والأزمات الداخلية أو الخارجية القائمة على الحوار هي وحدها التي تصنع السلام، وليس هناك من دليل على ذلك أوضح من عجز قوات الناتو على مدى كل هذه السنوات من القضاء على طالبان التي تمددت في باكستان، بل أصبح الخوف الآن هو من شبح هزيمة هذا الحلف على جبال أفغانستان وعلى حدود باكستان!
إلا إذا كان غزو أفغانستان هو لأهداف أخري تتعدى أفغانستان، وكل هذه الزيادة في القوات هي لأهداف حربية وتوسعية مغامرة أخري بعد أفغانستان إلى باكستان مثلا أو إلى إيران وآسيا الوسطي بعيون تتطلع إلى كل من روسيا والصين.
أهداف استراتيجية
بغزو أفغانستان اصطدمت أميركا وبريطانيا بالوطنية الأفغانية، وبهذا أصبحت أميركا هي المشكلة،. ومن شأن انسحاب أميركي شامل من أفغانستان، أن يمنع تفاقم المشكلة إلى درجة يستعصي فيها أي حل، خاصة بعدما فشلت كل محاولات الولايات المتحدة لتثبيت أقدامها في وسط آسيا
هذا الموقع الإستراتيجي المتميز من العالم، فهي تطمح للوقوف على حدود الصين وإيران وتهديد روسيا.
فأفغانستان تعد ممرا لآسيا الوسطى بسبب موقعها المتميز للغاية في قلب القارة الآسيوية، وهو ما جعلها منطقة صراع دائم بين الإمبراطوريات العالمية، فخاضت حروبا كثيرة مع الإمبراطورية البريطانية في القرن 19، كما غزاها السوفييت عام 1979 وخرجوا منها عام 1989، ودخلها الأميركان على رأس قوات التحالف الدولية في أكتوبر 2001، ولم يعرفو كيف تخرجون منها، وضربت قوات طالبان بضراوة، وبعدما اعتقد العالم أن طالبان انتهت تماما عادت تقاوم قوات الناتو بشراسة وتسيطر على العديد من المدن الرئيسية وتحيط بالعاصمة كابول.
إن الموقف الموضوعي في أفغانستان اليوم هو فوضى عارمة، والتفاصيل معروفة ويقر كبار القادة بأن النصر بعيد، وبالفشل في كسب قلوب وعقول الأفغان. وفي الحقيقة لن يستطيع الغزاة ذلك أبدا، وبالتأكيد لن يتم ذلك بإشهار السلاح ولا بمزيد من القوات، حيث تنظر أعداد كبيرة من الأفغان إلى القوات الأميركية والأطلسية على أنها جيوش احتلال، وانتقل الصراع الآن إلى باكستان، مع وجود مخاطر أكبر.
اعتراف بالفشل العسكري
سياسات أوباما تبدو حلا غير مرض للعسكريين والسياسيين الأميركيين، فما فعله مجرد حل وسط بين حجج متصارعة. وإرسال 30 ألف جندي أميركي إلى أفغانستان، هو أقل مما طالب به القادة، ولن يقلب اتجاه التيار إلى ما يناقضه، كل ما فعله أوباما انه جعل من هؤلاء الجنود الجدد أهدافا أميركية جديدة لهجمات طالبان، فوجودهم سيفاقم من كراهية الشعب الأفغاني للقوات الأميركية الأطلسية ولمن يتعاون معها، ومن الحماقة إقناع الأفغان بأن حركة طالبان هي العدو، وأن أميركا وقوات الأطلسي هم الأصدقاء.
وقد أقر الجنرال ستانلي ماكريستال، قائد قوات أميركا والناتو في أفغانستان، بصعوبة موقف القوات الأميركية الأطلسية، فقد اعترف بأن قوات التحالف لم تتمكن من تحقيق الأهداف التي حددتها الإستراتيجية التي وضعت قبل عشرة أعوام. وبالتالي فلا إمكانية لإحراز الانتصار في أفغانستان إلا عندما تقوم قوات التحالف بإعادة النظر في إستراتيجيتها «بأفغنة» الحرب.
وكان ماكريستال قد طالب بزيادة عدد القوات الأميركية أربعين ألف جندي، مؤكدا: أنه بدون ذلك سنخسر الحرب في أفغانستان، والجنرال ديفيد ريتشارد قائد القوات البريطانية طالب أيضا الدول أعضاء حلف الناتو بزيادة عدد قواتهم أربعين ألفا، معترفا: أنه إذا لم نفعل ذلك فسوف يفقد الناتو السيطرة على أفغانستان التي ستصبح مصدر تهديدات دائمة للغرب.
ويرى المحلل الأميركي ستيفن بيدل الحكومة الأفغانية الحالية التي تشكلت في ظل الحضور الأميركي غير قابلة للحياة دون عون مالي وعسكري خارجي، وبينت نتائج انتخابات الرئاسة الأفغانية الأخيرة أن شعبية حامد كرزاي تدنت إلى حد كبير.
دول الجوار الكبرى
ويزداد الموقف الغربي صعوبة مع مخاوف دول الجوار، فكل من الصين وروسيا تدركان طبيعة الأهداف الأميركية في أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر عام 2001، ولهذا نشطت منظمة «شنغهاي للتعاون» بقيادة موسكو وبكين واستطاعت طرد القواعد الأميركية العسكرية من بلدان وسط أسيا، ومع قرار إدارة أوباما بالتركيز على أفغانستان، نشطت جهود المنظمة لمواجهة التحرك العسكري الأميركي في وسط أسيا.
وانعقد أكثر من مؤتمر شارك فيه العديد من دول العالم والاتحاد الأوروبي، لمناقشة برامج إقرار السلام والاستقرار وإعادة البناء والتعمير في أفغانستان، ولم يعط المؤتمر اهتماما كبيرا للجوانب العسكرية ومقاومة طالبان، معتبرا أن هذا ما تحاول النجاح فيه دون جدوى القوات الأميركية والبريطانية.
وكتبت صحيفة إزفستيا الروسية: «لا أحد يفكر في واشنطن ولندن في الاستقرار والتعمير والتنمية في أفغانستان، إنهم فقط يفكرون في الاستمرار في القتال وإرسال المزيد من القوات».
ويؤكد الخبراء العسكريون الروس أن أفغانستان الذي لم تفلح فيه عسكريا لابريطانيا ولا الاتحاد السوفييتي، لن تفلح فيه عسكريا لا أميركا ولا الناتو، وقدموا تقريرا في الرابع من ديسمبر الجاري في اجتماع «روسيا ـ الناتو» حول إمكانيات التعامل مع الحالة الأفغانية يحتوي على شقين:
ـ الأول عسكري يعتمد العمليات القتالية ضد طالبان والقاعدة من خلال القوات الأطلسية والأفغانية بعد زيادة أعداد الجيش الأفغاني وتدريبها وتحسين تسلحها.
ـ الثاني مدني يركز علي حل مشكلة عدم ثقة الشعب الأفغاني وفي حكومة كرزاي وفي الناتو. ولهذا تتركز الجهود الأميركية على مقاومة الفساد باعتباره السبب المباشر في عدم ثقة الأفغان في الحكومة.
روسيا بين التجربة والواقع
ولا يستبعد الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف أن تلقى قوات الناتو نفس مصير القوات السوفييتية في أفغانستان، ويقول: «إذا لم تساعد قوات الناتو على الإعمار والتنمية وإقامة الدولة فستفشل، لأن الشعب الأفغاني يرغب ويريد دولته كوحدة متكاملة وإدارة شؤونها بنفسه».
ولدى الروس والصينيين شكوك كبيرة حول أهداف تواجد الأميركيين والناتو في أفغانستان، وأن الهدف هو استخدام الأراضي الأفغانية فيما بعد كنقطة انطلاق نحو منطقة آسيا الوسطى الغنية بالنفط والغاز ومحاصرة روسيا والصين وإيران هناك.
ويقول الجنرال محمود غارييف، رئيس أكاديمية العلوم العسكرية الروسية لوكالة نوفوستي قبل أيام «إن انتفاء الخطر السوفييتي تسبب في إضعاف تماسك الناتو، وتطلب هذا حدثا يمكنه إعادة تجميعه ودفع العالم للتحالف مع أميركا، ومن أجل ذلك تم افتعال حدث 11 سبتمبر 2001.
وسرعان ما أعلنت أميركا أن الإرهاب الدولي أخطر تهديد للعالم، وطالبت العالم بمساندتها في حربها ضد الإرهاب. ولقد أوقع غزو أميركا والناتو لأفغانستان، هذا البلد في هاوية عميقة وسبب لشعبه مزيدا من المصائب والويلات، وتوالت الأخطاء والخطايا ولم تتحقق أية نتائج إيجابية بما أوقع أميركا والناتو في نفس الهاوية.
لكل هذه الأسباب والتطورات جاء قرار الرئيس الأميركي أوباما بشأن زيادة عدد القوات في أفغانستان صدمة للكثيرين، فقد كان الأمل في اتباعه سياسة أخرى بدلا من العسكرة والمزيد من الحرب والقتل والدمار الذي لم يأت بأية نتيجة إيجابية في مواجهة الإرهاب وطالبان والقاعدة.
ويرى العديد من الخبراء والساسة سواء في روسيا أو في الغرب أنه لا الولايات المتحدة ولا حلف الناتو يعلمان كيف يمكن التصرف مع طالبان التي تتقدم كل يوم وتضرب قوات التحالف والجيش الأفغاني وأصبحت تسيطر على معظم أراضي أفغانستان، ويرون أيضا أن قرار زيادة القوات مثير للجدل ويطرح علامات استفهام كثيرة حول سياسة الرئيس أوباما الذي استلم جائزة نوبل للسلام، لكنه أبعد رجل يمكنه أن يحقق أي نوع من سلام.
ممدوح طه


