الأرقام الاقتصادية غير المسبوقة، التي صدرت قبل أيام؛ تشكل نقطة تحول على الخريطة الدولية. فهي تضع الصين ولأول مرة، في الطليعة؛ على صعيد الصادرات.
ولمثل هذا التطور النوعي والكمي، أبعاده ومدلولاته؛ القريبة والبعيدة. ما ينتجه تبوؤ هذا المركز، من تراكم إضافي للثروة الوطنية وتزايد للقدرة على الإنفاق والاستثمار؛ له تداعياته وترجماته، المحلية والإقليمية والدولية. الصين، غير ألمانيا واليابان.
لا تتميز عنهما بكونها دولة نووية، فحسب. بل أيضاً بكونها متحررة من الروابط والموانع، التي قيدتهما؛ بحكم العلاقة التي أنتجتها الحرب الثانية مع الولايات المتحدة؛ ومنها التواجد العسكري الأميركي على أراضيهما. يضاف إلى ذلك، أن الوضع الدولي الراهن، الذي نشأ بعد انفجار الأزمة المالية العالمية؛ يضع الصين في الموقع الممتاز.
فهي الوحيدة من بين البلدان الصناعية الكبرى، التي تجاوزت تداعيات الأزمة؛ لتعود إلى معدلات نمو نادرة هذه الأيام: حوالي 8%، للعام الماضي. التفوّق في الصادرات وما يعنيه ذلك من فوائض؛ خاصة في ظرف عالمي كالذي نجم عن الأزمة؛ محكوم بأن يتحول إلى قدرات تصب في زيادة تعديل موازين القوى الدولية.
لاسيما وأن الصين لا يخفى سعيها في هذا الاتجاه. تمدّد مصالحها في أكثر من قارة، كما تزايد حضورها في القرارات الدولية وعملية طبخها؛ إشارات لا تخطئ في هذا الخصوص.
آخر الإحصاءات، تفيد أن الصادرات الصينية احتلت المركز الأول في العالم؛ للسنة الماضية. تقدمت على ألمانيا، التي كانت تشغل هذا الموقع. مبيعاتها من السلع المصنّعة بلغت حوالي تريليون ومئتي مليار دولار، مقابل تريليون ومئة وسبعين دولارا لألمانيا. الأرقام تدور في هذه الحدود، وفق كافة التقديرات. ومنها الألمانية. الفارق ضئيل.
لكنه أتى في سياق منافسة صينية ثابتة بصعودها المتوالي، على مدى العقدين الماضيين؛ مقارنة بالثلاثة الكبار، أميركا واليابان وألمانيا. كل من هؤلاء، شهدت صادراته فترات تراجع؛ خلال العقدين الماضيين. ما عدا الصين. عام 1990، كانت ألمانيا في الطليعة، أكثر من اربعماية مليار دولار. تلتها الولايات المتحدة، حوالي اربعماية مليار.
ثم اليابان،حوالي مئتين وتسعين مليارا. في حين لم تصل الصادرات الصينية، آنذاك؛ سوى إلى حدود ثلاثة وستين مليار دولار. تابعت هذه الأخيرة صعودها؛ حتى بلغت الآن القمة، في حين تقلبت الأرقام وتبدّلت المواقع، لدى الآخرين. يؤشر ذلك إلى أن الرقم الصيني ليس من نتاج الأزمة وذيولها، بقدر ما هو حصيلة تقدم حثيث وراسخ، في السيطرة على الحصة الأكبر من السوق العالمية.
الأمر الذي يسمح بترجيح احتلال الصين لهذا الموقع وحتى إشعار آخر. هكذا كانت الحال مع بريطانيا، مع انفجار الثورة الصناعية. ثم كان الشيء نفسه مع الصعود الأميركي، في نهاية العقد الأول من القرن الماضي؛ حين بدأت الولايات المتحدة تتحول إلى بلد مصدّر أخذ يحل تدريجياً مكان بريطانيا؛ لتشهد عصرها الذهبي في أعقاب الحرب الثانية وحتى التسعينات.
وفي كل حال، ليست الصادرات الورقة الوحيدة، بيد الصين. هناك الورقة المالية. فهي تملك حوالي 2 تريليون دولار من السيولة والأصول. أقل من نصفها بقليل، 800 مليار دولار، على شكل سندات خزينة أميركية. وحتى اللحظة، هي الدائن الخارجي الأكبر لواشنطن ولغاية عدة سنوات قادمة.
كفة الميزان الآسيوي، آخذة في الرجحان ولو الخفيف والبطيء؛ مؤخراً. ليس على المستوى الاقتصادي لوحده. الحكومة اليابانية الجديدة، التي جاءت إلى الحكم العام الماضي؛ بدأت في تغيير قواعد العلاقة، التي امتدت لنصف قرن؛ مع أميركا. رئيسها الليبرالي، هاتوياما، تحدث منذ مجيئه؛ عن الحاجة إلى «علاقات أكثر توازناً» مع الولايات المتحدة. طرح على بساط البحث، موضوع تصفية القاعدة البحرية الأميركية في أوكيناوا.
مؤخراً كلّف لجنة حكومية بالتحقيق في موضوع، بقي طي الكتمان منذ أواخر الستينات؛ ويتعلق بدخول بوارج أميركية مزودة بأسلحة نووية، إلى المرافئ والمياه اليابانية؛ بموجب اتفاق سري مع حكومات سابقة. علماً بأن الدخول هذا توقف منذ التسعينات.
خطوات تؤشر إلى بروز متزايد للشخصية الآسيوية، بما يعزز حضورها وثقلها على الساحة الدولية. وفي ضوء تزايد أوراقها النافذة، وآخرها المركز الأول الذي قفزت إليه؛ تبدو الصين وكأنها، مع اليابان الراغبة من الانسحاب من تحت الظل الأميركي، تتهيأ لتكون قاطرة هذا التحول.
فكتور شلهوب
