مرة جديدة يجري تفعيل التحركات الدولية والإقليمية من أجل إعادة تدوير عجلة عملية التسوية، بعد مدريد (1991)، وأوسلو (1993)، وواي ريفر (1998)، وكامب ديفيد وطابا (2000- 2001)، وبعد أنابوليس (2008).
ثمة هنا عدة ملاحظات:
ـ أولها - ان الحديث يجري عن مجرد عملية تسوية، وليس عن تجليات هذه العملية أو مآلاتها.
ـ ثانيها - ان الأمر يبدو وكأن ثمة صراع أو تنازع بين طرفين على حقين متساويين، وكأنه ليس ثمة دولة محتلة وشعب يريد التخلص من الاحتلال!
ـ ثالثها - ان إسرائيل ظلت تتملص حتى من الاستحقاقات التي وقعت عليها في اتفاقات التسوية مع الفلسطينيين (رغم الإجحاف المتضمن فيها).
ـ رابعها - ان هذه المفاوضات تتم من دون أي مرجعية، دولية أو قانونية، أو زمنية، سوى المفاوضات ذاتها، ما يعني أن إسرائيل، من موقعها القوي، والمسيطر، هي التي تتحكّم بمسارات العملية التفاوضية، وقضاياها، وأولوياتها، ونتائجها، وبشكل خاص بمداها الزمني: التفاوضي والتطبيقي.
* خامسها - ان إسرائيل ظلت تتعامل وكأن ليس ثمة تسوية، ولا حتى عملية تسوية، عبر سعيها لخلق وقائع جديدة تكرس احتلالها للضفة الغربية، عبر تعزيز الاستيطان وبناء جدار فاصل، وعبر إمعانها في محاولات تهويد القدس.
على ذلك ثمة تساؤلات تطرح نفسها على ضوء المساعي الدولية والإقليمية لاستئناف العملية التفاوضية، الإسرائيلية الفلسطينية. فمثلاً، هل ثمة تغيرات في إسرائيل يمكن أن تدفع في هذا الاتجاه؟ وهل ثمة في الوضع الدولي والإقليمي والفلسطيني ما يضغط على إسرائيل للسير في عملية التسوية؟
واضح أن الإجابة على هذه التساؤلات سيكون بالسلب، فالحكومة الإسرائيلية الحالية، التي يترأسها بنيامين نتانياهو، وتضم افيغدور ليبرمان (إسرائيل بيتنا)، وايلي يشاي (حزب شاس) لا تؤمن بعملية التسوية، من الأصل، وتعطي أولوية لاستقرار الائتلاف الحكومي، وتعتبر المستوطنين رواداً وطلائع للصهيونية، وهي رفضت حتى مجرد تجميد مؤقت للاستيطان.
على الخارجي تعتقد إسرائيل بأنها نجحت في اختبار التجاذب مع الإدارة الأميركية (في موضوع الاستيطان)، وأنها صمدت في وجه ضغوط أوباما، كذلك فهي لا ترى ان الضغوط الدولية والإقليمية عليها مؤثرة، إلى الدرجة التي تضطرها لتقديم «تنازلات» لا تريدها للفلسطينيين، لاسيما أن هؤلاء في غابة الضعف، والتشتت، بعد الاستنزاف الذي لحق بهم طوال السنوات الماضية، وبعد انقسام كيانهم السياسي.
إذا كان الأمر كذلك، فما الذي يجري إذن؟ الجواب على ذلك يكمن في مراجعة التجارب التفاوضية السابقة، ذلك أن إسرائيل لم تقل ولا مرة بأنها تعترض على عملية التسوية، وهي ظلت تتعامل مع هذه العملية باعتبارها نوعاً من علاقات عامة، وظلت تطرح التحفظات والاشتراطات عليها (مثال تحفظاتها على خطة خريطة الطريق 2003.
ويستنتج مما تقدم أن إسرائيل تتوخّى، على الأغلب، توظيف هذه المرحلة التفاوضية الجديدة لإرهاق الفلسطينيين، وانتزاع المزيد من التنازلات من قبلهم، لاسيما بشأن قضايا القدس والحدود وحق العودة.
معنى ذلك أن الاعتراف بقيام كيان سياسي للفلسطينيين، من وجهة نظر إسرائيل، يتطلب تفريغ هذا الكيان من معناه، وإبداء الفلسطينيين تنازلات بشأن القدس الشرقية، وتخليهم نهائياً عن حق العودة، واعتبار كل ذلك بمثابة انتهاء للصراع مع إسرائيل، ونهاية لمطالبهم منها. عدا ذلك ليس ثمة تسوية مع الفلسطينيين بالنسبة لإسرائيل، وعلى الأقل ليس في المدى المنظور، أو في الإطارات الدولية والإقليمية السائدة حالياً؛ وهذا ما سنتبينه في الأيام القادمة.
إضاءة
من وجهة النظر الإسرائيلية ثمة تعقيدات وعقبات كبيرة متضمنة في عملية التسوية مع الفلسطينيين، التي تفترض إقامة دولة لهم، ضمنها:
1 ـ عقبة الاستيطان: بحكم وجود حوالي نصف مليون مستوطن في الضفة الغربية (وضمنها القدس الشرقية).
2 ـ عقبة أيديولوجية: إذ أن انسحاب إسرائيل من الضفة، يعني تقويض مبرر قيامها، وادعاءاتها الدينية، بتخليها عن «أرض الميعاد» (بحسب الادعاءات التوراتية).
3 ـ عقبة برغماتية: تتعلق برغبتها باستمرار سيطرتها على الموارد المائية في الضفة.
4 ـ عقبة أمنية: تتمثل برغبة إسرائيل في تطويق الكيان الفلسطيني، ما يفترض عدم التنازل عن منطقة الأغوار والبحر الميت.
5 ـ عقبة الردع: ذلك أن ثمة وجهة نظر في إسرائيل ترى ان انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة يضعفها إزاء الفلسطينيين وإزاء العالم العربي.
لكن رغم هذه العقبات فثمة، أيضاً، دوافع تحث إسرائيل نحو السير في هذه العملية، أهمها:
1- التخلص من الخطر الديمغرافي الذي يتهدد طابعها كدولة يهودية.
2- تحسين علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة
3- تعزيز مكانتها وتحسين صورتها المتآكلة على الصعيد الدولي.
4- إمكان تطبيع علاقاته مع عديد من الدول العربية.
5- حث الجهود الدولية والإقليمية لمواجهة تزايد نفوذ إيران في الشرق الأوسط.
