ثمة هوس إسرائيلي بالشؤون الأمنية، يختلف عنه في أية دولة أخرى، فهنا يدور الحديث عن مخاطر وجودية دائمة، وعن تهديدات استراتيجية متغيرة؛ وهذا أمر بديهي لدولة جرى اصطناعها، في مرحلة تاريخية معينة (1948) بوسائل القوة والدعم الخارجي على رغم الجغرافيا والديمغرافيا، وضد إرادة أهل الأرض الأصليين.

في البداية (أي مرحلة الخمسينات والستينات) كانت إسرائيل تواجه مجرد تهديدات تقليدية، أي التهديد من الجيوش العربية التقليدية، وهو كما بات معروفا مجرد تهديد نظري، بالقياس لقوة إسرائيل وتفوقها النوعي، وبالنظر إلى أن هذه الدولة هي التي كانت تهدد الدول العربية المجاورة، من الناحية الفعلية، وهي التي احتلت أراضيها في حرب 1967.

أواخر الستينات من القرن الماضي بدا، ومع ظهور المقاومة الفلسطينية المسلحة، وكأن إسرائيل تواجه تحديا جديدا، لكن هذا التحدي، كما دلت التجربة، لم يستطع أن يؤثر كثيرا على إسرائيل (من الناحية العملية) بحكم محدودية إمكانيات المقاومة، والقيود التي حدت من عملها في البلدان العربية المعنية، وأيضا بسبب انشغالها بالاحتكاكات مع بعض الأنظمة العربية (الأردن ثم لبنان).

لكن اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى (19871993) وضع إسرائيل، لأول مرة، أمام تحد فريد من نوعه، فهي هنا إزاء شعب يقاومها بالوسائل التي بحوزته، بالعصيان المدني وبالحجارة وفي مجال الصراع على الرأي العام. وبالفعل فقد وضعت الانتفاضة إسرائيل أمام مأزق كبيرة، فهي باتت مكشوفة على حقيقتها كدولة استعمارية عنصرية، ودينية.

المهم أن إسرائيل في كل مرحلة من مراحلها كانت تجد نفسها في دوامة جديدة من المخاطر والتحديات الاستراتيجية، كون هذه الدولة، التي لا تستطيع المصالحة مع ذاتها (بالنظر للتناقض بين طابعها الديني والعلماني، والشرقي والغربي، وبين كونها جزءا من الغرب أو من الشرق الأوسط) لا تستطيع التصالح مع محيطها.

على العكس من ذلك فإن إسرائيل هذه، المتوترة في داخلها، والقلقة إزاء مستقبلها، والحائرة إزاء هويتها وسياساتها، تشتغل على نقل حال التوتر والقلق والحيرة إلى جوارها، أي تصدير أزماتها إلى خارجها. والمفارقة أن هذا الوضع يعود فيرتد عليها، أيضا، في دوامة لا يعرف احد كيف تنتهي.

اللافت أن إسرائيل، وبرغم تمتعها بكل عناصر القوة التفوق (العسكري والاقتصادي والتكنولوجي)، ودعم الولايات المتحدة، ووجود بيئة أمنية وسياسية مواتية لها، إلا أنها مازالت ترى بأن ثمة تهديدات استراتيجية تقف لها بالمرصاد.

مثلا، ففي هذه المرحلة ليس فقط أن إسرائيل تحسب حساب إيران، وإنما هي تتحسب أيضا لانفكاك علاقتها مع تركيا، كما لتصدع مكانتها في أوروبا، ولما تسميه المعركة على مكانتها وشرعيتها في العالم. وهي معركة لاتلائم إسرائيل، كونها لاتتم بالوسائل العسكرية، وإنما في مجال حقوق الإنسان، وبالوسائل القانونية والمدنية.

هكذا، اعتبر رون بن يشاي، بأن «العزلة السياسية» هي احد أهم أربعة تحديات تواجه إسرائيل (مع صواريخ إيران وتراجع مكانة الولايات المتحدة، واحتمال ضربة جوية إسرائيلية لإيران) («يديعوت أحرونوت» 28/11) وهذا ما اعتبره غابي سيبوني بمثابة «التهديد الثالث» لإسرائيل، حيث «محاولات التنظيمات المؤيدة للعرب إضعاف شرعية إسرائيل ككيان سياسي..باتهامات سياسة، تفرقة عنصرية ونفي المحرقة والادعاء بان إقامة دولة إسرائيل غير قانونية، واتهامها بارتكاب جرائم حرب».

وبرأيه فإن «الهجمات التي تشن على شرعية إسرائيل ليست تنقيطا بسيطا ورذاذا خفيفا وإنما طوفانا حقيقيا يتعاظم». («هآرتس«، 930) ويلخص أري شافيت التهديدات التي تواجه إسرائيل اليوم بثلاثة جوانب:

1- جانب إيران: في 2007 كان لإيران قليل من آلات الطرد المركزية..ومع بدء 2010 أصبح عندها 8 آلاف آلة طرد.. لا يعني الأمر نهاية العالم.. لكنه يعني أن إسرائيل لم تنجح في منع إيران من دخول مجال الأمن الذري. تستطيع إيران..أن تركب قنبلة ذرية خلال سنة.

2- جانب الصواريخ: في 2006 كان عند حزب الله نحو 15 ألف صاروخ.. مدى أكثرها بضع عشرات كيلومترات. وأصبح عنده في 2010 نحو 40 ألف صاروخ مدى بعضها مئات الكيلومترات. لن تكون المواجهة المقبلة مع نصر الله مواجهة بين جنوب لبنان وشمال إسرائيل، بل بين عمق لبنان وعمق إسرائيل..لم تكن الجبهة الإسرائيلية الداخلية منذ 1948 مهددة كما هي مهددة الآن.

3- جانب الشرعية: في 2006 وأواخر 2008 كشفت الجماعة الدولية عن صبر مفرط على إجراءات إسرائيل التي استعملت فيها القوة. في 2009 حدث انقلاب. ففي رد متأخر على عملية «الرصاص المصبوب» ضاق العالم ذرعا بإسرائيل. وأصبح الآن لا يكشف عن شيء من الصبر على أي استعمال إسرائيلي للقوة..الهجوم على حق إسرائيل في الدفاع عن النفس اضر إضرارا حقيقيا بالردع والأمن والاستقرار. (هآرتس6/1)

على ذلك يبدو أن إسرائيل باتت عاجزة وحائرة إزاء تحديين استراتيجيين، الأول يتمثل بما يسمى بالخطر الديمغرافي، الذي يهدد وضعها كدولة يهودية، والثاني يتعلق بالصراع على الوجدان العالمي؛ وهما تحديان يؤثران، بطريقة تدريجية وعميقة وسلميّة، على مستقبل إسرائيل، على الرغم عنها، وعن أسلحتها المدمرة.

ماجد كيالي