في السابع والعشرين من أكتوبر 2008 كُلفت، من بين آخرين، بالإسهام بورقة عن الاستفتاء حول تقرير مصير شعب جنوب السودان، الذي نصت عليه اتفاقية السلام الشامل (وقعت عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان مع حكومة السودان في التاسع من يناير 2005).

وكانت المحاضرة هي الثانية في برنامج المحاضرات الحولية التي ينظمها ويرعاها مكتب رئيس حكومة جنوب السودان حول القضايا العامة التي يهتم بها، بوجه خاص، أهل الجنوب، ويُدعى للمشاركة فيها الوزراء والبرلمانيون وكبار الموظفين إلى جانب الدبلوماسيين المقيمين بجوبا وأجهزة الإعلام. موضوع المحاضرة كان هو ممارسة حق تقرير المصير حسب السوابق التاريخية، والتجارب المعاصرة للأمم. أما الموضوع المحدد الذي طُلب مني تناوله فهو «الاستفتاء: الخيارات المطروحة، التجارب الدولية، والتحديات المتوقعة». لاستيفاء الموضوع حقه من البحث، وإلقاء إضاءات كاشفة على الجوانب الخافية أو المسكوت عنها، تناولت في المحاضرة موضوعات ثلاثة: الأول ممارسة حق تقرير المصير عبر الاستفتاء في تجارب الأمم. الثاني: جذور الدعوة لتقرير المصير في السياسة السودانية. والثالث: ممارسة ذلك الحق في إطار اتفاقية السلام الشامل (2005) والتداعيات المرتقبة لنتائجه، أياً كان خيار شعب الجنوب.

كما أصبح موضوع الاستفتاء حول تقرير مصير جنوب السودان طبقاً رئيساً في موائد التحليل عبر الصحافة ومن فوق المنابر. وبما أن التحليل، بما في ذلك تحليل الدم، صناعة مفهومية تهدف إلى إرجاع الشيء إلى عناصره الأولية للكشف عن خباياه، يصبح من الضروري البحث والتقصي في المصادر الأولية للبحث ثم التفطن فيها قبل الاندفاع إلى إصدار الأحكام. راعينا فيما كتب مؤخراً حول استفتاء جنوب السودان، خاصة في الصحف السودانية، حجم الافتراضات التي لا ترتكز على قدم وساق، والأحكام التي لا يتبعها دليل يُركَن عليه، بل التلبيس في استعراض الوقائع من جانب كتبة ومخبرين لا يحترمون عقول قرائهم، ولا يملكون الحد الأدنى من الرحمة بهم. لهذا استصوبنا أن نُجلي في هذه المقالات بعض الحقائق التي تعين القارئ على بناء حكمه في هذه القضية المصيرية: قضية استفتاء جنوب السودان حول خياري الوحدة أو الانفصال، على الحقائق المجردة بدلاً من الحدس والتخمين، أو إلقاء الكلام على عواهنه. فمن الخير للناس، كما قال الفيلسوف الألماني غوته «أن يفهموا القليل من أن يسيئوا فهم الكثير».

قلنا في مقال سابق ونردد اليوم أن اتفاقية السلام كيان هندسي دستوري يرتكز على ثلاثة أضلاع.الضلع الأول هو، من جهة، الاعتراف بحق جنوب السودان في الحكم الذاتي الكامل في داخل الحدود التي تسيطر عليها حكومته، بما في ذلك الجيش المستقل والنظام المصرفي الخاص، من جهة أخرى، تمثيل الجنوب ورعاية الحقوق السياسية والقانونية لمواطنيه على مستوى الحكم القومي.

يشمل ذلك تمثيل الجنوب في الأجهزة القومية التنفيذية والتشريعية والقضائية، وإشراك أبنائه وبناته في الخدمة العامة القومية، وضمان الحماية القانونية لغير المسلمين في العاصمة القومية.ورغم أن الأخيرة لا تقتصر على الجنوبيين، إلا أن الجنوبيين هم الأغلبية بين تلك الفئة.

الضلع الثاني هو التحول الديمقراطي بما فيه المصالحة الوطنية.ولكيلا ننسى نستحضر أن قبول الطرفين بكل النصوص المتعلقة بالتحول الديمقراطي، وإصرار الحركة على إنفاذ تلك النصوص، يعود إلى رغبتها في تمكين القوى التي لم تشارك في الاتفاقية من الإسهام الفاعل في العمل الوطني.لو لم يفعل الطرفان هذا لما أصبح السلام شاملاً، ولما جاز لطرفي الاتفاقية إلزام هذه القوى بالامتثال للاتفاقية والدستور.

فالأحزاب السياسية، في إطار الديمقراطية التعددية، أياً كانت المنابت الفكرية لهذه الأحزاب، هي تنظيمات تسعى عبر وسائل دستورية للوصول إلى الحكم، أو معارضة الحزب الذي وصل إلى الحكم بطريق مشروع.

ولن يكون ذلك إلا في ظل دستور ديمقراطي يُملي على المواطنين واجبات، كما يكفل لهم حقوقاً.فالأحزاب، مهما كان رأينا في قدراتها ـ ولكل منا رأي في ذلك ـ ليست جماعة من الكرادلة تبارك ما يفعله الآخرون.

هذا الرأي أكده رئيس الحركة في اجتماع جوبا مع الأحزاب السودانية (26-29 سبتمبر 2009م) عندما قال: «لم تكن الحركة الشعبية بإصرارها خلال المفاوضات على التحول الديمقراطي تهدف إلا إلى تمكين السودان من الانتقال السلمي عبر التفاوض من حكم الحزب الواحد إلى الديمقراطية التعددية.

لذلك فإن أي تمييع للإجراءات التي اتفقنا عليها مع شريكنا سيحول الديمقراطية إلى أسطورة». أضاف القائد سلفا: «السودان ليس ملكاً للحركة الشعبية والمؤتمر الوطني، وينبغي أن لا يسمح لهما بأن يظنا ذلك».

لذلك، إن كان للقوى السياسية أن تمارس حقوقها الدستورية على أكمل الوجوه، كما هو الحال في أي مجتمع ديمقراطي، فلا سبيل إلى ذلك إلا بتوفير الظروف التي تمكنها من ممارسة العمل السياسي فوق ارض منبسطة لا نتوء فيها ولا كوابح ولا تعاريج.أما الضلع الثالث فهو حق تقرير المصير بخياريه: الوحدة أو الانفصال، وقد أومأنا في المقال الرابع من هذه الحلقات إلى الجوانب القانونية الرئيسة لحق تقرير المصير.

1 ـ الضلع الأول: استحقاقات جنوب السودان

في هذا المقال وفي المقالات التي تلي سنتناول العناصر الرئيسة لاستحقاقات جنوب السودان في ظل النظام الذي أقرته الاتفاقية. ويجيء ذلك في الفقرات (أ) إلى (ح) من هذه المقالات على الوجه التالي: الحكم الذاتي، المسؤوليات القومية لحكومة الجنوب، جيش جنوب السودان (الجيش الشعبي)، الوحدات المشتركة المدمجة، المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية والخدمة القومية الوطنية، وأخيراً حقوق غير المسلمين في العاصمة القومية.

(أ) الحكم الذاتي لجنوب السودان

في مقالات سابقة أشرنا، غير مرة، إلى المحاولات التي بدرت من بعض الأنظمة التي تعاورت الحكم في السودان للانتقاص من، بل محاولة هدم، مقومات الحكم الذاتي الذي «منحته» حكومات الشمال للجنوب.لهذا، لزمت الحركة منذ إنشائها موقفاً يختلف عن مواقف الجماعات التي ظلت تدافع عن حقوق الجنوب، وهي مواقف كان فيها الجنوب دوماً في وضع المُتلقى.

بموقفها الجديد أرادت الحركة أن تؤكد أن لا مكان بعد اليوم للحقوق الممنوحة والعطايا السياسية.تعبيراً عن ذلك ظل قائد الحركة الراحل يردد على من درجوا على القول: سنمنح الجنوب هذا أو ذاك، «ان الذي يعطي يستطيع أيضاً ان يقبض». هذا حق لا يملكه إلا رب العالمين فهو وحده المعطي والقابض (The Lord giveth and the Lord taketh).

لهذا، ينبغي أن لا يثير دهشة أحد صمود الحركة الشعبية إبان المفاوضات عند مطالبتها بحكم ذاتي كامل يتفق عليه الطرفان ويقوم على الرضا لا على الأعطيات. ابتناء على تلك الرؤية، توافق الطرفان على إنفراد الجنوب بسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية كاملة، إلى جانب نظام مصرفي يختلف عن النظام السائد في شمال السودان، وجيش مستقل جعلت منه الاتفاقية، رغم استقلاله، جزءًا من القوات الوطنية المسلحة.ضَمِنت الاتفاقية أيضاً، وأكدت ذلك في الدستور، تدفقاً مستداماً من الموارد المالية النفطية وغير النفطية على الرغم من أن الموارد النفطية المعنية هي تلك التي تُنتج من آبار النفط المستغلة في جنوب السودان.

هذا النظام يختلف اختلافاً بيناً عن كل الترتيبات الاتحادية السودانية السابقة، وبالطبع يتجاوز بكثير الفيدرالية التي طالب بها ساسة جنوب السودان عند الاستقلال. نُعت ذلك النظام الجديد بنظام «بلد واحد بحكومتين»، وهو نظام لا مثيل له في الممارسات الفيدرالية المعاصرة، بل هو اقرب للكونفدرالية.

ولعل هذا هو الذي حدا بالمفاوضين في نايفاشا لأن لا يصنفوا ذلك النظام وفق أي نوع من أنواع الأنظمة الدستورية المتعارفة. وما كان للطرفين أن يتوصلا لذلك الاتفاق إلا لأن كل واحد منهما تعامل مع الطرف الآخر على حقيقته، وليس حسبما توهمه، أو تمنى له أن يكون.

لهذا نُبدي أن الالتزام بصيانة السلطات التي أقرتها الاتفاقية والدستور لحكومة جنوب السودان هو الركن الأساس لجعل الوحدة جاذبة، كما أن الانتقاص من تلك السلطات، أو التلاعب فيها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، لا يُطمئن أهل الجنوب، بل يقود إلى الشَكية والارتياب، وليس هذا هو أقرب المسالك إلى الوحدة.

ما الذي حدث فعلياً في ذلك المجال؟ بوجه عام، ظلت حكومة الجنوب تباشر سلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية والعسكرية بقدر كبير من الاستقلال، إلا أن المحاولات السياسية لزعزعة تلك الحكومة (احتضان المارقين عن الحركة واخطر من ذلك الاستغلال غير الحكيم للمليشيات) أثار شبهات لها ما يسندها من دلائل حول السعي لتخذيل حكومة الجنوب.

الالتزامات القومية لحكومة الجنوب

في فقه القانون يقابل كل حق واجب ولهذا فرض الدستور والاتفاقية على حكومة جنوب السودان واجبات ذات طابع قومي تؤديها نيابة عن حكومة الوحدة الوطنية في داخل الإقليم الذي تسيطر عليه.

مثال ذلك، جبي الرسوم الجمركية والضرائب إلى جانب تقديم العون وتوفير البيئة المناسبة لوزارات ومؤسسات قومية تؤدي واجبات محددة ألزمها بها الدستور: الطيران المدني والمطارات الدولية؛ الشرطة القومية في حدود السلطات التي خصها بها الدستور: الجنسية والتجنس، الجوازات والتأشيرات، الهجرة والأجانب؛ الاتصالات، السكك الحديدية والنقل النهري.

وكان من الواضح أن بعض قيادات الخدمة العامة في جنوب السودان قد قرأت استقلالية حكومة الجنوب في إدارة شؤونه قراءة خاطئة، بل لم تكلف نفسها جهداً بسيطاً لقراءة جداول الاختصاصات: القومية، الولائية، المشتركة الملحقة ببروتوكول اقتسام السلطة.

المثال الباهر على ذلك هو جبي الضرائب القومية والرسوم، الأمر الذي حملنا على القول قبل عامين أن «ثمة مسؤولين في حكومة الجنوب يُقلبِون الأمر وكان الجنوب أصبح مستقلاً عن بقية القطر رغم تنبيهات رئيس حكومة الجنوب لهم، أو كأن تقرير المصير إشارة لطريق واحد مسدود وليس مؤشراً إلى طريقين».

رئيس تلك الحكومة والنائب الأول لرئيس الجمهورية ظل فائق الحساسية تجاه ذلك النفر حتى في القضايا الرمزية.فكثيراً ما أحتج في اللقاءات الرسمية غير الحزبية عندما وجد علم الجنوب يرفرف بمفرده على المنصة وتساءل: «أين علم السودان؟».

ونحمد للدكتور لوال أشويك دينق، وزير الدولة للمالية ـ وهو واحد من كوادر الحركة القدامى ? مثابرته على علاج ذلك الجنوح غير الرشيد من بعض موظفي وزارة المالية في حكومة جنوب السودان.

واحد من هؤلاء المسؤولين التنفيذيين قال للوال: «أنت عاوز تودي فلوسنا للجلابة»، فأفحمه لوال بالقول «أولاً، أرجو أن تقرأ الاتفاقية التي أصبحت بسببها في موقعك هكذا، وثانياً هذه الأموال ستذهب إلى حكومة الوحدة الوطنية التي نحن جزء منها». هذه فئة من الجنوبيين لم تستوعب بعد أفكار الحركة وما فتئت تنقمص روح أقرى جادين، لا روح جون قرنق».

فساد حكومة الجنوب

على أي، ثمة معوقات أخرى أدت لتقصير حكومة الجنوب منها، مثلاً، ضعف الأجهزة المنوط بها جباية الأموال، كما منها الفساد.معالجة الأولى منها تمت بتدريب الكوادر العاملة في مجال الجمارك والضرائب، أما الثانية فعولجت بالتعاون مع حكومة الجنوب على إقصاء العناصر التي ورثت نقاط التفتيش الجمركي ولما يكتمل بعد تطهير تلك الأجهزة من هذه العناصر الفاسدة.

وفي واقع الأمر، حولت تلك العناصر جبي الضرائب إلى مورد يرتزق منه «العاملون عليها»، إذ لم تكُ العوائد الجمركية تذهب إلى خزينة الدولة في الخرطوم، أو خزينة الحكومة في جوبا، بل إلى جيوب الجباة.

ولعل هذا هو الموقع المناسب لتناول نقطة هامة أثارها فرانسيس دينق في محاضرته القيمة التي نظمتها بعثة الأمم المتحدة بالسودان حول (الوحدة وتقرير المصير في السودان، 2 نوفمبر 2009م) تساءل فرانسيس، وهو يقارن بين تجربتي الحكم الراهن في جنوب السودان، وذلك الذي عرفه الجنوب في عهد المجلس التنفيذي العالي (عقب اتفاقية أديس أبابا) عن الأسباب التي حالت دون استعانة حكومة جنوب السودان بخبرات الشمال في الخدمة المدنية، كما فعل ابيل ألير في عهده.

نقول شتان ما بين العهدين.ففي تلك الفترة جاء أغلب مسؤولي الجنوب إما من رحم الخدمة العامة السودانية، أو من المجتمع المدني السوداني العريض: البرلمانات القومية، المهن الحرة، ميادين العمل السياسي الذي تشاركوه مع إخوتهم في الشمال، وكان ذلك وفي ظروف لم تبلغ العداوة والبغضاء فيها بين الطرفين ما بلغته خلال الحرب الأخيرة.

من جهة أخرى، جاءت أن أغلب العناصر التي تكونت منها حكومة الجنوب الحالية معمدة بالدم والنار بعد حرب دامت عقدين من الزمان، وكان العقد الأخير منهما هو أشدهما دموية.تلك الحرب أدت إلى تعميق عدم الثقة مع المؤسسات الحكمية في الشمال.

وبخاصة عندما اختلطت السياسة والإدارة بالأيديولوجية.لعب أيضاً تدني المستويات في التعليم العالي، ليس فقط في المهارات، وإنما ايضاً في لغة التعامل الحكومي والتي هي بنص الدستور اللغة الإنجليزية في جنوب السودان، دوراً كبيراً في جعل الاستفادة من موظفي الخدمة العامة الشماليين خياراً غير مناسب.

رغم ذلك، قصرت حكومة الجنوب تقصيراً ملحوظاً في الاستفادة من عناصر كثيرة من ذوي القدرة في مجالات التعليم العالي والقانون والزراعة والطب، خاصة من بين المجموعات التي تتعاطف مع الحركة الشعبية، أو مع المصالح المشروعة لجنوب السودان بوجه عام.

ومن بين أولئك الأطباء الذين بادروا بإبداء حسن النوايا تجاه الجنوب بالتعاون مع آخرين.بوجه خاص، نشير إلى الندوة الطبية التي رعتها جمعية الأصدقاء البريطانيين والأميركيين لجنوب السودان وشارك فيها نفر كريم من أطباء السودان، خاصة في المملكة المتحدة.

أشرف على التحضير لتلك الندوة الدكتور الفاتح بركة، كما أسهم في إعداد الدراسات لها ما ينيف على الخمسة عشر طبيباً سودانياً. ولأهمية تلك المبادرة ابتعث قائد الحركة الراحل ممثلاً شخصياً لافتتاح المؤتمر (الدكتور زكريا بول دينق).