من كان يعلم أن من ركب حافلة النقل العام لتقله إلى المستشفى من اجل إجراء عملية صغيرة «الزائدة» لن يعود إلى البيت بل يذهب من هناك إلى المقبرة. هذا ما حصل لسامي النجار منذ أكثر من 14 عاماً. عندما قال له الطبيب انك بحاجة إلى عملية سريعة لان ما تشعر به من ألم في بطنك ناتج عن الزائدة الدودية، اتصل بأخيه واخبره بأن يأتي له بمنشفة وصابون وثياب لأنه في المستشفى وسيدخل الآن إلى غرفة العمليات.
ما لم يكن احد يتوقعه أن الرجل الذي يبلغ من العمر 35 عاما والمتزوج ولديه طفل رضيع سيدخل إلى العملية التي لن يخرج منها بوعيه، فطبيب التخدير وضع أنبوب التنفس خلال العملية في منطقة خاطئة من حلقه.. فمات «سامي».
اليوم كبر الطفل الرضيع زيد سامي وأصبح شابا يتجاوز طوله الـ 180 رغم انه لم يتعد الـ 15عاما بعد. لكنه كبر يتيما في ظل ظروف اقتصادية صعبة فأمه التي رفضت الزواج إطلاقا لا تعمل، كما أن ظروف أخواله وأعمامه المعيشية صعبة.
لقد قذف خطأ طبي واحد عائلة إلى جحيم العذاب الحقيقي منذ أكثر من 14 عاما وما زالت.. فيما كل ما قامت به إدارة المستشفى من منطلق دفاعها عن الطبيب هي نقله لاحقا كإجراء تأديبي من دون أن تحصل عائلة سامي على شيء.. حتى ولو مجرد كلمة: «نعتذر لقد أخطأنا».
في الأردن يدور هذه الأيام جدل واسع بعد محاضرة ألقاها وزير الصحة الأسبق زيد حمزة في منتدى شومان وأدارها نقيب الأطباء السابق زهير أبو فارس حول جدوى إصدار قانون للمساءلة الطبية الذي طالبت به الحكومة والعديد من مؤسسات المجتمع المدني والمواطنين.
ولا يوجد تعريف واحد لمصطلح الأخطاء الطبية ولكن على الأغلب يعني تعرض مريض لضرر أو وفاته جراء تقصير أو إهمال من قبل الطاقم العلاجي الطبي والمساعد أو قصور في الأداء والسلوك أو كنتيجة مباشرة لعدم قيام الطبيب بإتباع قواعد السلامة والتصرفات المهنية المتعارف عليها أو نتيجة لإظهار الطبيب لنقص في المعرفة والمهارة أو لفشله في تقديم العناية والرعاية المتعارف عليهما واللتين كان بإمكان طبيب آخر تقديمهما لمساعدة المريض على الشفاء.
يقول دكتور حمزة: «الأردن ليس بحاجة إلى قانون للمساءلة الطبية، لأن القوانين والتشريعات المعمول بها كافية وتغطي هذه القضية المهمة».
ويؤكد «أصبح واضحاً أن القضاء لم يقصّر في النظر في أية قضية عُرضت عليه من هذا النوع ولم تشكُ المحاكم من أن قانون العقوبات الحالي غير كاف للاطلاع بهذه المهمة. بل إن حمزة ينقل استغراب قاض كبير أعرب له عن استغرابه «أنه لا يعرف بلداً في العالم يتقصد ملاحقة الأطباء بقانون عقوبات كهذا دون باقي المواطنين أو أصحاب المهن الأخرى». إذن لماذا الشكوى من الأخطاء الطبية وقول المواطنين أن الخطأ الطبي لا يلاحق؟
في البدء، يقول وزير الصحة الأردني الأسبق «الأطباء لا يخطئون متعمدين، ولا احد منهم يحب أن تلوث سمعته الحساسة حتى قبل أن توقع به العقوبة إذا أدين، بل هم يخطئون بسبب إهمال أو عدم احتراز أو نقص المعرفة ولكن في كل ما سبق يجب أن يتحملوا نتائج أخطائهم والعقوبات المترتبة عليها».
ولكن دكتور حمزة يعترف في المقابل «بعدم وجود رقابة ومحاسبة وشفافية لدى وقوع الخطأ الطبي». ويقول: «المشكلة التي يعاني منها الناس هي «الانحراف عن سواء السبيل في الممارسة المهنية، وهو ما يحدث كثيراً في ظل ضعف الرقابة والمحاسبة والشفافية»، رغم العديد من النصوص في أخلاقيات المهنة ورد في مدونة السلوكيات في الدستور الطبي، ولكن ذلك يخرق من قبل الأطباء والمستشفيات».
ومن الأسباب التي توقع الطبيب في الخطأ الطبي القواعد الأخلاقية التي يعمل الطبيب على أساسها ويسردها وزير الصحة الأسبق بالتالي: «هناك أساليب تبلغ أحيانا حد الشعوذة في ادعاء القدرة على شفاء بعض الأمراض المزمنة، كما أن هناك خداعا في ضرورة بعض العمليات الجراحية غير الضرورية من أجل اقتناص مزيد من مال المريض، وهناك إغراق المريض بطلب فحوص مخبريه عديدة لا داعي لها إلا بسبب اتفاق مع مختبرات معينة من وراء ظهر المريض، أو وصف أدوية كثيرة لا داعي لها لان للطبيب فيها حصة من أسعارها لدى بعض الصيدليات، وهناك إدخالات إلى المستشفيات لا مبرر لها إلا تبادل المنفعة بين الطبيب والمستشفى».
ويلتفت دكتور حمزة إلى تحويل بعض الأطباء لمهنتهم إلى مهنة تجارية بحتة. ويسأل: «ما قصة وجود جهاز رنين مغناطيسي في المستشفيات الخاصة إلا نوع من التجارة بهذه الأداة التشخيصية المتقدمة، والدليل أن معظم نتائج الصور تكون سلبية لأنها في الأصل طلبت من دون داعٍ أو مبرر علمي صحيح اللهم إلا تنفيع المستشفى».
وتابع » ويقال إن في عمان من هذه الأجهزة الباهظة الثمن والمكلفة ما يفوق الموجود في كل مستشفيات مدينة كبرى كلندن !
وتشير الدراسات العالمية إلى أن أكثر من 80% من الأخطاء الطبية تعود لخلل في النظام الصحي نفسه، وليس لأخطاء بشرية مباشرة وأن غالبية الأخطاء تحدث في المستشفيات.
ولكن ماذا إذا وقع خطأ طبي فأين يلجأ المتضررون؟ يقول د. حمزة وفق تجارب الناس ومع مرور الوقت تبيّن للمشتكين أن نقابة الأطباء لم تأخذ حقا لهم في خطأ طبيب فهي «الخصم والحكم»، وأن مراعاة الزمالة الطبية والعلاقات السياسية والمصالح الانتخابية النقابية كانت حائلاً دون وصول المشتكي إلى حقه، فضلاً عن البطء الشديد في حسم كثير من الشكاوى إلى درجة تفوق البطء المعروف في المحاكم.
ومن هنا عرف المتضررون طريق القضاء الذي بدأ السائرون عليه يزيدون تدريجياً، حين أدرك الناس أن الحصول على حقوقهم أو التعويض عن الأضرار اللاحقة بهم ومعاقبة الطبيب المخطئ لا يتم إلا حسب قانون العقوبات «وليس التنبيه والتوبيخ النقابي» وذلك كله من اختصاصات المحاكم التي أصدرت بالفعل في السنوات الأخيرة أحكاماً عديدة بحق الأطباء وصلت إلى السجن أو إلى دفع غرامات مالية كبيرة أو بالطبع إلى تبرئة من لا يثبت ضدهم الاتهام.
عمان ـ لقمان اسكندر
