الجميع يعرفون ياسر عرفات الرئيس والرمز الفلسطيني الذي أمضى حياته لا يفكر سوى بمصير شعبه وبفلسطين. لكن أبو عمار كان إنسانا أيضا، وهذا ما تحاول مؤلفة الكتاب أن تقدمه من خلال العودة إلى تلك اللحظات التي جمعتها معه. والتي هبّت لمعانقته، عفويا، عندما وعدها أنه سيساعدها على الفوز بمقابلة مع الرئيس العراقي صدام حسين عندما كانت تدور حرب الخليج الأولى عام 1991.

قال لها عرفات مازحا للمرّة الثانية آنذاك: «هل تتزوجينني». وكانت تلك الدعابة بداية انطلاق مشاعر إنسانية ظلّت باستمرار محاطة بالتقدير والاحترام طيلة لقاءاتهما الكثيرة في مختلف الأماكن والأوقات ومرافقتها لها في طائرته أثناء زياراته لعدد من البلدان. ولم ينس أبو عمار يوم عيد ميلاد مؤلفة هذا الكتاب حيث تلقت في ذلك اليوم اتصالا في إيطاليا من مستشاره السياسي الذي قدّم لها الهدية المتواضعة وعليها جملة قصيرة تقول: «مع أفضل تمنياتي».كان ذاك تعبيرا عن بعض اللحظات الإنسانية، ربما النادرة، في حياة الزعيم الفلسطيني الراحل. عندما وصلت مؤلفة هذا الكتاب إلى مطار تونس ذات يوم من شهر ابريل 1991، أخبرها مترجم الرئيس عرفات، أنه سافر فجأة إلى المغرب ولا بد من انتظاره إلى حين عودته.

هكذا بعد أسبوع من الراحة والسير طويلا على شاطئ البحر، كانت العودة إلى تونس مع عودة الرئيس عرفات من المغرب. وما تتذكره المؤلفة عن لقائها معه بصحبة صديقتها الإيطالية «فيليا»، هو أنها طلبت منه أن يساعدها على الظفر بمقابلة مع الرئيس العراقي صدام حسين. وتشير أنه رمقها بنظرة مليئة بالمعاني ووعدها أنه سوف يساعدها. وبشكل عفوي عانقته عندها أمام الجميع حيث أظهرت الصورة التي أخذتها صديقتها «فيليا» أنه قبّلها أيضا. وتشير إيزابيل بيزانو أنه رمقها في تلك اللحظات بنظرات متفحّصة وذات معنى وقرأت من جانبها ما كان يدور في تفكيره. وتؤكد قولها: «أحسست بالسعادة وأنني محط الإعجاب».

عرض بالزواج... وعندما همّت المؤلفة- الصحافية بالخروج قال لها أبو عمار: «هل تتزوجينني»؟ ـ فأجابته مع ابتسامة: «انتبه سيادة الرئيس، هذا هو الطلب الثاني للزواج منك خلال فترة قصيرة من الزمن. إنك تخاطر بأن أجيبك بالقبول». ـ فرمقها بنظرة فيها الكثير من الحنين، وقال: «وماذا ستفعلين إذا تزوجت من عجوز مثلي وبدون وطن والذي، باستثنائك، لم يحب أية امرأة أخرى غير فلسطين»؟ ـ كانت إجابتها تلك المرة هي حركة مألوفة في إيطاليا فضحكا معا. وتشير المؤلفة أن لقب «الختيار» الذي أطلقه رجاله عليه في نضالهم السري ومن أجل إخفاء هويته الحقيقية. لكنه لم يكن عجوزا «ختيارا» أبدا. بل نقرأ: «كان أمامي شابا تختلج في أعماقه رغبة للعيش وربما للحب».

بعد نهاية اللقاء اتجهت المؤلفة وصديقتها الإيطالية برفقة الملحق الصحفي للرئيس عرفات لتناول طعام العشاء في أحد المطاعم. «كانت كلمات ياسر ترقص في رأسي عندما قال: ماذا ستفعلين إذا تزوجت من عجوز مثلي»؟ لقد صعقتها تلك الجملة في الصميم، إذ لم تتلق من أي شخص مثل تلك الحركة التي تنمّ عن تواضع كامل. وتضيف: «بدأت أحس حيال هذا الرجل بقامته القصيرة، إنما الذي يتكشّف أنه عملاق عندما يتحدث، بكثير من الحنان».

وسألها الملحق الصحافي: «هل ستتزوجين الرئيس»؟

فأجابت مبتسمة كي تخفي التوتر الذي أثاره ذلك السؤال في أعماقها: «هل يمكنني أن أبيع الإعلان عن النبأ». «من الأفضل عدم فعل ذلك، بل ينبغي عليك الالتزام بالصمت الكامل، وبالسرية التامة».

لا سرية من صحافي

لكن السرية هي الأمر الوحيد الذي لا يمكن طلبه من صحافية. وكانت حاستها السادسة، كما تقول، قد كشفت لها أن شيئا ما متفرّدا، يجري. وكان الاهتمام الذي أبداه الزعيم حيالها لا يُقاوم بالنسبة إليها. هكذا طارت بأحلامها على «البساط السحري» الذي كانت قد رأته في السينما أثناء طفولتها.

لقد جالت برأسها أفكار كثيرة وأنها جاءت من مجتمع يرفض فيه الرجال الزواج وحتى لو عاشوا مع امرأة سنوات طويلة. متساءلة لماذا يطرح عليها الملحق الصحفي للرئيس عرفات عما إذا كانت سوف تتزوجه. ثم لم طرح عليها الرئيس نفسه السؤال؟

هذه الأفكار الكثيرة غيرها مرّت في ذهنها خلال لحظات قبل أن تجيب على السؤال: «إنني أمضيت سنوات من التعب ومن العرق كي أجد مكانا لي في عالم الصحافة والأدب ولا أستطيع أن ألقي هذا كله في الماء، ثم لا أعتقد أنني على المستوى المطلوب، بل أنا متأكدة أنني لست على هذا المستوى».

فقال الملحق الصحفي: «إن الرئيس يمتلك عقلية غربية، وسوف يسمح لك بمتابعة العمل في مهنتك».

«لكنني على سفر دائم وهو كذلك، فماذا سيعني مثل هذا الزواج»؟

«يمكنك المجئ إلى هنا مرة كل شهر (...) وسوف أبحث لك عن منزل».

فريسة مشاعر غريبة

هكذا وجدت المؤلفة نفسها، كما تقول، فريسة لمشاعر غريبة. والأفكار السوداء التي كانت تراودها عادة أخلت المكان لأحاسيس من الفرح ولمشاعر رائعة أن هناك كائنا في العالم كان بحاجة إليها. تلك المشاعر الوليدة حملتها إلى عالم جديد. وفجأة قال لها الملحق الصحفي: «سوف تأتين معي، سأصطحبك إلى الرئيس الذي يريد تحيتك، إنه ينتظرنا».

تلك الجملة أثارت لدى المعنية، زخما من الشكوك، ذلك أنها، كما تقول، أخطأت تفسير الرسالة وفهمتها حسب المنطق الغربي القائل أن دعوة رجل لامرأة في عز الليل لا تعني سوى شيء واحد. وفجأة تغيّر لديها كل ما جال بخاطرها عن فكرة الزواج الرومانسي مع الزعيم وعن حب عميق وأبدي.

تقول: «لقد أخطأت تماما التفسير. والمستقبل أثبت لي ذلك. إذ أنني قمت بعد ذلك بزيارة ابو عمار في أماكن إقامته في مختلف ساعات النهار والليل وسافرت معه في طائرته وقد كان باستمرار شديد اللطف والاحترام (...). هكذا كانت مخاوفي إذن خالية من أي معنى». لكن في تلك اللحظة من الشكوك، خلقت مختلف الأعذار للعودة إلى الفندق.

وفي الفندق رنّ الهاتف ليقول المتحدث: «الرئيس عرفات يرجوك قبول دعوته للعشاء ويسعده الترحيب بك في منزله. إن سيارة ستأتي لاصطحابك بعد ساعة. وكان ذلك حيث كان في الصالون وكانت هناك سهى الطويل، التي أصبحت زوجته فيما بعد، وسهير أخت رائدة طه اللتين كان ابو عمار قد تبنّاهما بعد شهادة والدهما.

كان ذلك يوم أحد، وتؤكد المؤلفة أن نظرات ابو عمار لم تفارقها وطرح عليها أسئلة عن عملها وعن حياتها وعن زوجها المتوفي إلى درجة أحسّت أنه يعرف عنها كل شيء.

نقرأ: «في المساء السابق كان قد أخذ يدي بيده، وضغط عليها مما أثار تيارا من المشاعر. وقد داعب أصابعي في حوار صامت. لقد قال بلغة الأصابع ما لم يتجرأ على قوله بشفاهه. هذه المرة عندما بحثت يده عن يدي تحت الطاولة أجابت يدي بجسارة».

دعوة على العشاء

وفي نهاية العشاء قالت له المؤلفة: «هذا اليوم لا يُنسى بالنسبة لنا هي وصديقتها فيليا التي رافقتها سيادة الرئيس وأحب أن أردّ لك الدعوة. فإذا أتيت إلى روما سيشرّفني أن أدعوك للعشاء على شرفة منزلي عند شاطئ النهر».

ثبّت ابو عمار نظره عليها مما دفعها للإحساس بالخجل، وقال لها: «ومتى هذه الدعوة»؟

فرأت في عينيه ،كما تقول، أنه يفكّر جديا بالمجئ للعشاء معها، فأضافت جملة استهدفت منها محاولة التهرّب من الدعوة وقالت: «سيكون ذلك يوم عيد ميلادي حيث أقدّم لنفسي الحلوى بهذه المناسبة». لم يكن ذلك صحيحا، كما تشير، إذ لم تفعل أبدا أي شيء خاص في هذه المناسبة.

«ومتى هو عيد ميلادك»؟

«يوم 9 يوليو».

«سألبي الدعوة».

«من فضلك، السيد الرئيس، لا تنس الهدية»، قالت مازحة بينما كانت هي في الواقع بغاية الاضطراب.

في تلك اللحظة كانا، كما تقول المؤلفة، شخصين يحلمان أنهما حرّا التصرف وأحسّا بولادة المشاعر بينهما وأنهما يضربان موعدا من أجل مستقبل سيكون مستحيلا بالنسبة لهما بالتأكيد. نقرأ: «بالنسبة لي كنت قد حذفت من حياتي جميع الأعياد التي لها علاقة بالأسرة مثل نويل والفصح وبالطبع مناسبات الميلاد».

كان ذلك هو القرار الذي اتخذته يوم انتحار زوجها ? كما تقول الرواية الرسمية (كان زوجها هو فالدو دو لوس ديوس، موسيقي ارجنتيني، وجدوه وهو يحتضر ليلة 29 مارس 1977 بعد أن أصابته رصاصة في الرأس).

خطيبة الرئيس

ويوم 9 يوليو 1991، رن الهاتف في منزل المؤلفة، وقال المتحدث: «أنا مصطفى، المستشار السياسي للرئيس عرفات. وقد جئت إلى روما ومعي هدية. الرئيس يتمنى لك عيد ميلاد سعيد».ثم أردف: « أريد دعوتك إلى العشاء هذا المساء مع صديقتك فيليا، فزوجتي سوف تحضر لكما العشاء في مقر إقامتي بروما، وقد جلبت هدية لها أيضا».

كان مكتوبا على الهدية: «مع أفضل تمنياتي»، باللغة الانكليزية. وكانت هدية متواضعة لكنها قدّمت البرهان أن أبو عمار لم ينسها. وعندما أشارت إلى أنه ربما ذكّره أحدهم بعيد ميلادها، قال مصطفى: «كلاّ، لقد كرر أبو عمار مرارا القول أن 9 يوليو هو يوم عيد ميلاد ايزابيل وأنا لن أستطيع فمن منكم يريد الذهاب إلى روما؟ وكان من المنطقي أن يتم اختياري فأسرتي تقيم هنا».

مرّت أيام بعد ذلك وكانت المؤلفة تحلم دائما بمقابلة الرئيس صدام حسين بعون أبو عمار. وذات يوم قال المتحدث على الهاتف: «الرئيس يريد منك الالتحاق بنا فورا، سوف نذهب إلى بغداد- غدا عند الظهر».وعندما وصلت إلى المطار كان مصطفى بانتظارها وقد قدّمها لأصدقائه بالقول «خطيبة الرئيس».

اضاءة

يوم 9 يوليو 1991، رن الهاتف في منزل المؤلفة، وقال المتحدث: «أنا مصطفى، المستشار السياسي للرئيس عرفات. وقد جئت إلى روما ومعي هدية. الرئيس يتمنى لك عيد ميلاد سعيد».ثم أردف: «أريد دعوتك إلى العشاء هذا المساء مع صديقتك فيليا، فزوجتي سوف تحضر لكما العشاء في مقر إقامتي بروما، وقد جلبت هدية لها أيضا».كان مكتوبا على الهدية: «مع أفضل تمنياتي»، باللغة الانكليزية. وكانت هدية متواضعة لكنها قدّمت البرهان أن أبو عمار لم ينسها.

الناشر: تيميلي دومي لون جنيف ـ باريس ـ 2009

عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف