تصاعدت حدة الغضب واليأس في هاييتي التي ضربها زلزال مدمر الثلاثاء حيث لا تزال جثث الضحايا ممددة في شوارع العاصمة بورت او برنس تزامنا مع تأخر تسليم المساعدات الدولية للمنكوبين لأسباب لوجستية، فيما حذر موظفو الإغاثة في بورت أو برنس المنكوبة من أن جهودهم تحتاج المزيد من الأمن، بينما أعلنت الأمم المتحدة أن المجموعة الدولية تعهدت حتى الآن بتقديم مساعدات بقيمة 268 .5 مليون دولار لضحايا الزلزال المدمر في هايتي، مشيرة إلى دمار 10 في المئة من مباني العاصمة بورت او برنس وتشريد 300 الف من سكانها .
وذكر جنود حفظ السلام التابعون للأمم المتحدة المشاركون في دوريات بالعاصمة ان غضب السكان يتنامي نظرا لأن المساعدات لا توزع بشكل سريع، وحث الجيش البرازيلي قوافل المساعدات على زيادة تدابير الأمن للحيلولة دون تعرضها للنهب . وقال الناطق باسم مهمة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة التي تقودها البرازيل ديفيد ويمهرست «لسوء الحظ، يزداد غضبهم وينفد صبرهم مع مرور الوقت»، وأضاف «أخشى، ونحن نعلم جميعا أن الموقف يزداد توترا في الوقت الذي ينتظر فيه الفقراء شديدو الحاجة المساعدات . أعتقد أن الأجواء ستتوتر» . وتكدست مئات الجثث خارج مشرحة المدينة، وتكشفت أطراف القتلى من تحت أنقاض المدارس والمنازل المنهارة . وتمكن عدد قليل من العمال من إنقاذ أشخاص ظلوا عالقين تحت الأنقاض لأيام، لكن آخرين كلفوا بالمهمة الصعبة في استخدام الجرافات لنقل أعداد كبيرة من الجثث .
في السياق أفاد شهود عيان بأن عددا من سكان هاييتي الغاضبين أقاموا حواجز من جثث الضحايا في شوارع العاصمة بورت أو برنس احتجاجا على تأخر وصول المساعدات إليهم، وذلك بعد أكثر من يومين على حدوث الزلزال المدمِّر . وقال شاؤول شوارتز، مصوِّر مجلة «تايم الأميركية»، إنه رأى اثنين على الأقل من تلك الحواجز التي أُقيمت من مزيج من الصخور وجثث الضحايا الذين سقطوا في الزلزال . وقال شوارتز في مقابلة أجرتها معه وكالة رويترز للأنباء: «لقد شرعوا بسدِّ الطرقات بالجثث، فالوضع هناك يزداد بشاعة حقا، إذ يئس الناس من الحصول على المساعدة» . ورغم إطلاق عملية إغاثة دولية ضخمة، لم تصل المعدات اللازمة لرفع الأنقاض فيما لا تزال مواد الإمدادات الأولية عالقة في المطار الدولي .
وقالت لوسيل وهي ناجية من الزلزال «إذا لم تصل المساعدة الدولية فإن الوضع سيتدهور سريعا . نحن بحاجة للماء والمواد الغذائية سريعا» . وسمعت أعيرة نارية متفرقة فيما قال شهود إن المدينة شهدت أعمال نهب .
وفي العاصمة بور أو برنس كان عدد من المواطنين يستخدمون أياديهم لرفع الأنقاض فيما أقام البعض ملاجئ مؤقتة في ساحة عامة . وتنتشر مئات الجثث، بعضها مقطع الأطراف، أمام مبنى مدمر فيما يقوم مواطنون بتفقدها بحثا عن أقربائهم فيما يعمل الأطباء على معالجة المصابين والمرضى .
وفيما دفن حوالي سبعة الاف قتيل الخميس كما أعلن رئيس وزراء بيرو فيلاسيكيز كويسكين من بور او برنس بعدما حذر مسؤولون هايتيون من أن الحصيلة قد تصل إلى 100 الف قتيل . أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الزلزال، الأعنف الذي يضرب هذا البلد الكاريبي منذ أكثر من 150 عاما، أدى إلى مقتل ما بين 40 و 50 الف شخص . وأعلن مسؤولو هايتي ان عدد المنكوبين من جراء الزلزال بلغ ثلاثة ملايين شخص .
في الأثناء أعلن وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير أن المؤتمر الدولي لإعادة اعمار وتنمية هاييتي الذي تحضر له بشكل خاص الولايات المتحدة وفرنسيا سيعقد في مارس على الأرجح بدون تحديد مكان انعقاده . وأكد اجراءه مشاورات مع الرئيس الأميركي باراك اوباما بهذا الخصوص .
إلى ذلك أعلنت الأمم المتحدة أمس أن المجموعة الدولية تعهدت حتى الآن بتقديم مساعدات بقيمة 268 .5 مليون دولار لضحايا الزلزال المدمر في هاييتي . كما أعلنت الأمم المتحدة أيضا أن حوالي 300 الف شخص أصبحوا بلا مأوى في بور او برنس بعد دمار 10 في المئة من المساكن في العاصمة .
على هامش الكارثة
عودة رئيس سابق
ذكر سفير هاييتي لدى ألمانيا أمس ان العديد من الوزراء والشخصيات السياسية البارزة لقوا حتفهم إثر الزلزال .
وقال السفير جان روبرت ساجيت ان من بين القتلى وزير العدل بول دينيس والمعارض السياسي ميشيل جيلارد . وقال «أعلم أن العديد من الوزراء لقوا حتفهم، ومن بينهم بالتأكيد وزير العدل بول دينيس» .
وفاة وزراء
أعلن رئيس هاييتي السابق جان برتران اريستيد المقيم في المنفى في جنوب افريقيا منذ الإطاحة به عام 2004، استعداده للعودة إلى البلاد للمساهمة في إعادة الاعمار .
مخاطر صحية
توقع خبراء صحيون أن تكون التداعيات الصحية للزلزال، في الأيام، بل الأسابيع والأشهر المقبلة، أسوأ من العواقب الفورية التي نتجت . ونقل موقع «هلث داي نيوز» الأميركي عن الخبراء أن الدمار الكامل للبنى التحتية في هاييتي، سيشكل الخلفية المفجعة للأزمات الصحية العامة المقبلة، على المدنيين القريب والبعيد .
أصوات الاستغاثة تتلاشى تحت الأنقاض
يحاول شاب انتشال امرأتين تئنان تحت أكوام الركام داخل متجر في بور او برنس دمره الزلزال لكن ليس لديه أمل كبير بنجاتهما، فمن دون عتاد ولا تدريب ولا تنظيم يجد المتطوعون أنفسهم عاجزين عن إتمام عمليات الإنقاذ .
وبعد 48 ساعة على الزلزال المدمر يصل إلى مسامع المتطوعين في عمليات الإنقاذ صوت استغاثة من تحت الركام . يتقاطر الشبان إلى المكان، عابرو سبيل ومتطوعون يتكاتفون لإزاحة جدار ضخم من الخرسانة تحته كومة من القضبان المعدنية الملتوية وتحتهما ماريز، المسجونة تحت الأنقاض .
وعلى الرغم من أن طائرات الإغاثة الدولية بدأت بالوصول إلى مطار بور او برنس، فإن سكان هاييتي المنكوبين لا يسعهم حتى الساعة إلا الاتكال على أنفسهم ومحاولة إنقاذ الضحايا بقدراتهم المتواضعة، بعد يومين من اعنف زلزال يضرب بلدهم منذ 150 عاما .
ماريز محتجزة مع شابة أخرى تحت الأنقاض في احد شوارع وسط العاصمة . الفتاتان لا تزالان على قيد الحياة، ولكن الآمال بإنقاذهما ضعيفة للغاية بحسب ما يؤكد العاملون على إنقاذهما بسبب الافتقار إلى رافعة .
أمام هذا الوضع لا يجد جان رال روشيه (30 عاما) أمامه إلا أن يبكي وهو يردد «ستموتان، ستموتان» . هذا الطالب في المحاسبة تطوع للمشاركة في أعمال الإنقاذ متسلحا بقناع ورقي يقيه الغبار المتصاعد من بين الركام . ففي هاييتي المتطوعون في عمليات الإنقاذ يفتقرون إلى ادنى وسائل الحماية .
وما يلبث روش أن ينضم إلى مجموعة من الشبان الذين تجمعوا للتنديد بسيارات الدفع الرباعي العائدة للدبلوماسيين او العاملين الإنسانيين التي تعبر المكان من دون أن تتوقف لمد يد المساعدة .
ويقول دوميك ماثورين (52 عاما) وهو مدرس انهار منزله المجاور فوق هذا المتجر، إن ثلاثة أشخاص آخرين على الأقل قتلوا في المبنى ولا تزال جثثهم مطمورة تحت الأنقاض، التي لا ينفك الأنين المنبعث من تحتها يتضاءل .
والمأساة نفسها تتكرر في كل زاوية وشارع وحي من العاصمة . فكل شارع من شوارع بور او برنس نال نصيبه من الزلزال: أطنان من الركام وأكوام من الجثث المنتفخة ولاجئون يحملون على ظهورهم ما بقي لهم من متاع يفتشون عن زاوية يقضون فيها ليلتهم .
وهايتي التي تعتبر أفقر دولة في الأميركيتين لا تخلو من بعض الأحياء الميسورة نسبيا وسط هذا البحر الهائل من الفقر المدقع . إلا أن هذه الأحياء، التي كانت قبل الزلزال مزدانة بمبان من عدة طبقات من الخرسانة، نالت حصة الأسد من الزلزال .
مدرسة الممرضات أصبحت مجرد أطلال ظل احد الناجين محتجزا تحتها طوال يوم كامل وهو يستغيث ولكن صوته تلاشى الآن . والى جانب كومة الركام هذه، كومة أخرى من الجثث التي انتشلت من تحت الأنقاض ولم يأت احد لأخذها بعد . بين هذه الجثث، تظهر يد تحمل أظافرها آثار طلاء . ربما تكون جثة فوريد بوشان التي وضعت بجانبها بطاقة هوية تشير إلى أنها ابنة سوزيلا بوشان وقد ولدت في 15 مارس 1989 .
ومثل بطاقة الهوية هذه العشرات من المستندات الثبوتية التي وضعت بجانب الجثث .
ويقول انطوان رينه (35 عاما) وهو محاسب فقد كل مستنداته الثبوتية في منزله الذي دمره الزلزال «لا هوية لديك، إذا أنت غير موجود» .
أمام هول المأساة لا يجد الكثير من الهاييتيين بدا من الغضب على حكومتهم لعدم تحركها بما فيه الكفاية . إلا أن السلطات ليست غائبة تماما، فهناك سيارة إطفاء يتيمة تجوب الطرقات رواحا ومجيئا شمال القصر الرئاسي لتقديم المساعدة للمتطوعين .
احد عناصر فرق اطفاء كانت فاجعته مضاعفة، فقد وصلت سيارة الاطفاء الى منزله ليجده مهدما بالكامل وبينما هو يبحث بين الركام عثر على قدمي ابنته ناديج وابنه ماكسو .
ويقول وهو يبعد الصحافيين عن المكان وقد اغرورقت عيناه بالدموع «لا تبالوا بهذا»، قبل أن يمسح دموعه وينطلق بحثا عن مأساة أخرى لن تتأخر!


