من أسوأ اللحظات التي عرفها ياسر عرفات في حياته كانت تلك هي التي اغتيل فيها رفيقا دربه، خليل الوزير «أبو جهاد». وصلاح خلف «أبو إياد».
أما أبو عمار نفسه فقد كان يتمتع بنوع من «الحاسة السادسة» التي دفعته لمغادرة بعض الأمكنة قبل دقائق قليلة من تفجيرها بلحظات أو لتجنّب بعض «الكمائن» دون سبب ظاهر لتغيير مسار طريقه. وتروي المؤلفة تفاصيل اغتيال أبو إياد على يد حمزة أبو زيد الذي نصح أبو عمار بضرورة إبعاده عن منظمة التحرير وعن أعضائها، لكن لم يتم تنفيذ توصيته وكانت فاجعة الاغتيال. وكان أبو عمار شديد الحرص على ممارسة أقصى درجات الحذر وتنفيذ أدق الإجراءات الأمنية عند إجراء أي مقابلة معه، لكنه كان يتمتع بالوقت نفسه بقدر كبير من اللطف إلى جانب تأكيد المواقف التي يؤمن فيها دون أي تنازلات. ولكن اسم «عرفات» لم يكن مرغوباً فيه لدى «الصحافة الغربية». بل كان يواجه نوعاً من «مؤامرة الصمت» المضروب عليه من قبل أصدقاء إسرائيل.
تقول مؤلفة الكتاب إنه عندما قبل ياسر عرفات أن يمنحها مقابلة يوم 15 يناير- كانون الثاني من عام 1991، كان يجتاز «أسوأ لحظة في حياته». ففي اليوم السابق 14 من الشهر اغتيل صلاح خلف، أبو إياد، في قرطاج بتونس. وكانت أيضاً طبول الحرب تدق في منطقة الخليج قبل بداية المعارك بأيام قليلة. «كان الزعيم في حالة حداد، وكانت الحرب تهدد المنطقة». كان اثنان إذن من القادة التاريخيين قد تعرّضوا للاغتيال على يد الإسرائيليين، أي خليل الوزير، «أبو جهاد» يوم 16 أبريل- نيسان 1988 في سيدي بو سعيد بتونس، وصلاح خلف «أبو إياد» في قرطاج. أما ياسر عرفات فقد كان يتمتع ب«حاسة سادسة» ما فوق الطبيعية تقريباً حيال الخطر.
«الكمائن» رأي العين... وتشرح المؤلفة أن إلقاء نظرة على مسار حياته يدفع إلى الاعتقاد أن صوتاً كان يدفعه لمغادرة بعض الأمكنة في لحظات محددة جداً، وبحيث يبدو أنه كان قد «رأى» تلك الكمائن التي كانوا ينصبونها له. وتروي المؤلفة أنه عندما وصل حمزة أبو زيد، الذي كان أحد المقرّبين من أبو نضال، إلى تونس طلب أبو عمار من أبو الهول، رئيس أمن المنظمة آنذاك وما يعادل وزير الداخلية، أن لا يقوم بتوظيفه بين القائمين على الحراسة. بل وطالبه أن يبقيه على أبعد ما يمكن عن منظمة التحرير الفلسطينية وعن أعضائها. كان أبوعمار شديد الحذر حتى من أولئك الذين كانوا يتوبون عن خطئهم مثل حمزة ويعودون إلى الإطار السليم. اعتقد أبو الهول أن «الختيار». كما كانوا يطلقون على أبوعمار، مغرق في الظنون، واستقبل رغم تجربته في الألم والمعاناة والسرية، «الابن الضال» بالترحيب.
كانت الساعة الحادية عشرة مساء يوم 14 يناير 1991 وكان ثلاثة رجال يستعدون لتناول طعام العشاء. كانت مدة الإنذار الأخير الذي وجهه الحلفاء قبل حرب الخليج تنتهي في اليوم التالي. لقد تحدث أولئك الثلاثة حتى ساعة متأخرة من الليل عن اقتراب الحرب. أولئك الثلاثة هم صلاح خلف وأبو الهول وفخري العمري. لم يكونوا يدركون أنهم يتناولون آخر وجبة طعام لهم.
وقائع اغتيال
ذهبت ناديا، زوجة أبو الهول، وابنتها للنوم في الطابق العلوي، وذات لحظة دخل حمزة أبو زيد وبيده رشاش كلاشينكوف فدعاه أبو الهول لتناول الطعام معهم. وكانت إجابته هي أنه صوّب رشاشة على هدفه صلاح خلف، أبو اياد، وأفرغ أربعة رصاصات قاتلة في صدره وخامسة في الرأس.
ثم أطلق حمزة أبو زيد النار على فخري العمري فأرداه، قتيلاً. ونهض أبو الهول كي يوقف الرجل الذي استقبله في منزله كأحد أفراد أسرته، لكنه لم يجد الوقت لطرح أي سؤال فالقاتل واجهه برصاصات استقرّت في صدره. كان أبو الهول لا يزال يتنفس عندما قادته عربة الإسعاف إلى المستشفى.
حاول القاتل أن يأخذ زوجة أبو الهول وابنه رهينتين لتأمين خروجه سالماً من الحصار الذي ضربه رجال الشرطة التونسية بعد سماع طلقات النيران. كانت الفكرة الوحيدة التي تتردد على رأس ناديا آنذاك هي كلمات الرئيس عرفات التي لم تستمع هي وزوجها لها وأدخلا «الأفعى» إلى قلب منزلهما. وبعد ست ساعات من المساومات مع الشرطة اقتحمت الوحدات الخاصة المنزل وحررت «الرهينتين» واعتقلت القاتل.
كان ذلك في تونس، ذات يوم من شهر فبراير- شباط 1991، عندما أخبروا المؤلفة أن أبو عمار سوف يستقبلها مع فريق عملها الفني في المساء، وحتى منتصف الليل لم يأت أحد لاصطحابهم. لكن عند منتصف الساعة الأولى من اليوم التالي وصلت سيارة لاقتيادهم إلى حيث نفسه يوجد الزعيم الفلسطيني.
كانت الحراسة شديدة والتفتيش دقيقا إلى درجة أنه طال مسحوق التجميل الذي تستخدمه وكل محتويات حقيبة يدها. وبالطبع جرى تفتيش دقيق لأجهزة فريقها. ثم جرى اصطحاب الجميع بعدئذ إلى مكتب أبو عمار. لفت انتباه المؤلفة، كما تقول، لوحة جدارية للقدس تغطي الجدار كاملاً ويبدو فيها بوضوح المسجد الأقصى والحرم الشريف.
بعد ضبط الإضاءة وآلات التصوير التلفزيوني دخل أبوعمّار عندما كان كل شيء قد أصبح جاهزاً ووراءه حرسه الشخصي. لقد حياها متذكراً لقاءاتهما السابقة في بغداد أثناء مؤتمرات صحفية عقدها في العاصمة العراقية.
وتحكي المؤلفة كيف أمسك بيدها وهي تشكره باسم القناة التلفزيونية الإيطالية الخامسة وباسمها الشخصي للمقابلة الحصرية التي منحها لها في الوقت الذي كانت تلفزيونات العالم كله تنتظر في الخارج. ولا تخفي أنها اعتبرت نفسها آنذاك صحفية كبيرة من وزن «دان رازر» مؤكدة أنها «لم تكن بعيدة عن تلك المرتبة».
سيرة حياة
لقد لاحظ أبوعمار مباشرة أنها تحمل بين أوراقها كتاباً عن سيرة حياته لمؤلفه «ريمي شافريه» فقال لها:
-هل هذه النسخة لي
-آسفة، إنها زاخرة بالخربشات.
هكذا بدأت المقابلة بجو ودّي، رغم الساعات المأساوية التي كان العالم يعيشها آنذاك. لقد تحدث أبوعمار كسياسي بارع، مشيراً بطرق مختلفة إلى أنه إذا كانت 40 دولة تشنّ هجوماً على العراق بسبب اجتياحه للكويت فكيف يمكنها أن تبقى فيما بعد لا مبالية حيال سياسة إسرائيل؟
وحيال الخروقات المتكررة لجميع إجراءات مجلس الأمن؟ كان يعرف أن العراق سينهزم، لكنه حاول حتى اللحظة الأخيرة إقناع صدام حسين بالانسحاب، لكن دون نتيجة.
وتروي المؤلفة أن مدير البرامج الإخبارية في القناة التلفزيونية التي كانت تعمل معها، كان قد زوّدها ببعض الأسئلة المحرجة، ومن «نوع الأسئلة التي ربما ما كان له هو نفسه أن يتجرأ على طرحها على عرفات أو على غيره». وعند السؤال الثالث منها، نظر إليها أبوعمار بقسوة وقال لها بشيء من الازدراء:
- «لقد أمضيت معك من الوقت أكثر مما تستحقين. انتهت المقابلة».
انقلب الجو فجأة وأصبح متوترا. كان لا يزال هناك 37 سؤالاً من الأربعين التي كانت المؤلفة قد أعدّتها وتبادلت نظرة «يائسة» مع فريق عملها المرافق. وعندما همّ أبوعمّار بالخروج وأصبح بالقرب من الباب صاحت المؤلفة باللغة الاسبانية ما معناه «أحبك» وطلبت من المترجم أن ينقل ما قالته له.
اكتسب وجه أبو عمار مسحة من اللطف وقال لها:
- «إذا كنت تحبينني، فلماذا لا تتزوجيني؟». لقد «ابتعد الخطر» إذن كما جال في خاطرها. وأضافت: «أعتبر كأن الأمر قد حدث، سيادة الرئيس، لكن قبل ذلك لماذا لا نكمل المقابلة»؟
ثوب هدية
استمر اللقاء بعد ذلك ما يقارب الساعتين أمام دهشة الفلسطينيين ودهشة جميع الحضور. وتشير المؤلفة أنها تلقت في نهاية المقابلة كهدية ثوباً مزركشاً من قبل نساء في الأراضي المحتلّة. وحرص الرئيس عرفات على أن يقوم هو نفسه بجعلها تقيس السترة، الأمر الذي «خلّدته» عدسات التلفزة المرافقة. وقد بدا أبو عمار ك«لورد إنجليزي وهو يساعدني على ارتداء السترة».
وتشير المؤلفة هنا إلى أنها في المطار نزعت القلادة التي كانت تحملها منذ فترة مراهقتها وعليها صورة مريم العذراء وأعطتها لمنجد صالح الذي كان يرافقهم كي يوصلها للقائد الفلسطيني.
ذلك كي تكون، ربما، إلى جانب «صليب اللورين» ؟ رمز المقاومة الفرنسية بمواجهة الصليب المعقوف، رمز النازية- الذي يضعه أبو عمار على صدره وأطلعها عليه في نهاية المقابلة قائلاً لها: «هذا هدية من الجنرال ديغول». رفاقها أثناء المقابلة بعثوا للرئيس عرفات ب«ساعاتهم المتواضعة».
تشويه اللقاء الإعلامي
ولا تتردد المؤلفة في القول أنها عندما رأت نتيجة عملها كما عرضتها القناة التي تعمل معها، وما جرى حولها من نقاش دون دعوتها، كان غضبها شديداً لما عرفته من رقابة عبر «المونتاج». فقررت يومها أنه حان الوقت الذي ينبغي عليها فيه أن تغادر القناة وأن تصبح منذئذٍ مسؤولة بشكل كامل عن المقابلات التي تجريها.
إن المؤلفة تعود هنا إلى ذكريات بغداد التي كانت فيها خلال شهر أغسطس من عام 1990، أي في الأيام التي تلت اجتياح الكويت. وهناك حضرت المؤتمر الصحفي الذي عقده القائد الفلسطيني ياسر عرفات في بيت أحد رجال الأعمال العراقيين. لقد بدأ حديثه بالقول: «اجتياح الكويت هي مشكلة عربية وينبغي أن يحلّها العرب».
وتروي المؤلفة أنه عندما وقع نظره عليها لم يرفعه عنها طيلة الوقت بحيث بدا وكأنه يتحدث لها وحدها بينما اكتسى وجهه بمسحة من الحزن العميق. ما عرفته فيما بعد هو أن السبب كان ذلك الشبه الكبير بينها وبين «ندى يشرطي».
الفتاة الفلسطينية التي أحبها والتي اغتالتها عناصر الموساد أمام منزلها في أحد شوارع العاصمة اللبنانية بيروت. في اليوم التالي عقد أبوعمار مؤتمراً صحافياً آخر في نفس المكان، ولكن في حديقة المنزل.
لقد كرر ما قاله في اليوم السابق. وفي ضوء النهار لاحظت المؤلفة، كما تقول، ذلك العمق في نظراته. وتزاحمت في رأسها الأسئلة: من أين برز هذا الرجل؟ وكيف وصل إلى ما هو عليه؟ إنها كانت تعرف أنه الزعيم الفلسطيني الأول، لكنها لم تكن تعرف عنه الكثير.
كانت تعرف جيداً بالمقابل أن اسم «عرفات» ليس مرغوباً في الصحافة الغربية. إنه يواجه «مؤامرة الصمت». من هنا كان قرارها بكسر ذلك الصمت وبدأت سلسلة اللقاءات منذ مطلع عام 1991.
المؤلفة في سطور
ايزابيل بيزانو، مؤلفة هذا الكتاب،من مواليد الأوروغواي وهي إسبانية بالتبنّي عملت مراسلة حربية لعدة سنوات في فلسطين ولبنان والتشاد والعراق والبوسنة والصومال.
وأجرت مقابلات مع العديد من الكبار وأصحاب القرار في العالم. كما أنجزت العديد من التحقيقات الصحافية لقنوات تلفزيونية مثل ال«راي» والقناة الخامسة الإيطاليتين ولصحف في مقدمتها «لوموندو» الصادرة في مدريد. نالت ايزابيل بيزانو في عام 2002 جائزة «أفضل صحفية للعام» من قبل جمعية الصحافيين المحترفين الأسبان. لها عدة مؤلفات.
الناشر: تيميلي دومي لون جنيف ـ باريس ـ 2009
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف



