لا شك أن الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات مثّل رمز المقاومة الفلسطينية ومصير وشعبه. وفي هذا الكتاب تقدمه مؤلفته في مجموعة من المواقف التي عرفتها مسيرة حياته. ذلك ابتداء من ولادته في أحد أحياء القدس القديمة وحتى وفاته في أحد المشافي الفرنسية بالقرب من العاصمة باريس. لقد عرف ياسر عرفات طفولته «حزينة» انتقل خلالها من القدس إلى القاهرة حيث توفيت أمه وهو لا يزال في سنواته الأولى فعاد مع أخيه فتحي للعيش في كنف خالهما بمدينة القدس، قبل العودة إلى القاهرة من جديد عام 1937.

ورغم ذكرياته القليلة، بل شبه المعدومة تقريبا، عن والدته، تؤكّد مؤلفة هذا الكتاب أنه كان كلما يذكرها تغرورق عيناه بالدموع. كذلك تؤكد على الدور الكبير الذي لعبته أخته أنعام عرفات في رعايته وتربيته. وهي تروي عنه أنه كان يلعب، منذ أيام طفولته، دور القائد مع أطفال الحي، لكنه كان يحرص دائما على اقتسام كل ما يصل إلى يديه معهم. وما يفصح عنه في إحدى المقابلات مع المؤلفة هو أنه شارك في القتال إلى جانب عبد القادر الحسيني عندما كان عمره 12 سنة فقط.

«لا يمكن الفصل بين التاريخ القريب لفلسطين، ومعركة شعب ومطلب الكرامة والاستقلال وبين الصورة-الرمز لياسر عرفات. إنه يجسد موقفا، ورفضا ومقاومة، وفوق هذا كله يجسّد مصير شعب». هذه هي بعض الجمل التي كتبها الباحث طارق رمضان في مقدمته لهذا الكتاب التي يعود تاريخها إلى شهر أكتوبر 2009. ويعود مخطوطه الأصلي إلى عام 2005، ولكن المؤلفة أعادت النظر فيه، على ضوء المستجدات لتكون هذه النسخة الجديدة الصادرة منذ أسابيع باللغة الفرنسية.

ونقرأ في نفس المقدمة أن «صفحات هذا الكتاب تحكي عن مختلف مراحل حياة ياسر عرفات. ولادته، منفاه المستمر، التزامه، اللحظات الأخيرة. كان ياسر عرفات إنسانا وحيدا، حزينا فخورا ومصمما يتمتع بقدر كبير من الذكاء المتقد وبحس سياسي مرهف جداً. وفي نهاية هذا الكتاب يسود الإحساس أننا اقتربنا من إنسان ومن مصير. يمكن أن لا يتفق المرء مع التحليلات ووجهات النظر وبعض التفسيرات الشخصية للمؤلفة، لكن لا يمكن سوى مباركة هذه المحاولة الرامية إلى التعريف بياسر عرفات الإنسان والإقرار بعدالة معركته.

هذا الكتاب هو بالنتيجة سيرة حياة شخصية وحرّة تقدم صورة أخرى لياسر عرفات. وهذا يعطي الكتاب أهميته وإذا كان ياسر عرفات، الرمز، قد رحل اليوم فإنه ترك القضية الفلسطينية حيّة وتتعاطف معها الضمائر المحبّة للعدل».

محطات في حياته

تبدأ ايزابيل بيزانو، مؤلفة هذا الكتاب، بالحديث عن عدد من المحطات الأساسية في حياة الرئيس الراحل ياسر عرفات، وبدون التقيّد بأي تسلسل زمني. إنها تعود بالقارئ إلى يوم 4 أغسطس- آب من عام 1929 وإلى ذلك المنزل الحجري الكبير في حي الفخرية بالقدس القديمة. إنه منزل عبد الرؤوف القدوة، وزوجته السيدة زهوة ابو السعود، والد ياسر عرفات ووالدته.

في ذلك اليوم وُلد محمد عبد الرؤوف القدوة الحسيني الذي اكتسب فيما بعد اسم «ياسر»، أي «الرجل الكريم»، كما اكتسب فيما بعد لقب «ابو عمار» تيمنا بـ «عمار بن ياسر»، رمز الوفاء المطلق لإيمانه ولقناعاته. كان المولود الجديد هو السادس بين أطفال الأسرة.

وتصادفت سنة ولادته ؟ 1929- مع حملة قمع شديدة كانت تقوم بها الشرطة البريطانية في فلسطين وحيث كانت تلجأ إلى اعتقال العرب دون أي سبب. كانت القوى الكبرى تنظر بكثير من النهم إلى منطقة الشرق الأوسط حيث كانت بوادر اكتشاف البترول تلوح في الأفق القريب.

كان عبد القادر عرفات القدوة يتنقّل آنذاك باستمرار بين القدس وغزّة والقاهرة حيث كان قد ورث في العاصمة المصرية ثروة كبيرة في حي العباسية بالموقع الذي تقوم فيه الآن جامعة عين شمس وحيث تتواجد عدة سفارات. وتشير مؤلفة هذا الكتاب إلى أن والد ياسر عرفات تعرّض للطرد من القاهرة على يد نظام الملك فاروق، وأنهى حياته في غزة.

أما مصير الابن ياسر فقد كان الطرد من فلسطين كلها كي يعيش في المنافي حيث لاقى التعذيب والاعتقال عشرات المرات وتعرّض لحملات كثيرة من التشهير. هكذا لم يعرف حياة البشر العاديين إذ تخلّى عن كل حياة خاصة وعن تكوين أسرة وأن يكون زوجا وأب. كل حياته، كما تصفها مؤلفة هذا الكتاب، كانت رهينة البحث عن استعادة أرض فلسطين من قبل أبناء فلسطين.

وتفتح المؤلفة قوسين لتشير إلى الظروف الصعبة التي عاشتها أسرة عبد القادر عرفات. وما تنقله المؤلفة عن الزعيم الفلسطيني نفسه هو أن والده غادر فلسطين إلى القاهرة وحده ثم استقدم بعد ذلك جميع أفراد الأسرة.

وتنقل عن صديقه ورفيقه صلاح خلف «ابو اياد» قوله أنه إذا كان ياسر عرفات قد أصبح رمزا فهذا يعود إلى أنه كان يعكس كل تناقضات وكل مشاعر أهله الفلسطينيين. ودوره كقائد والطريقة التي جسّد فيها القضية أخذت شرعيتها من أصوله ولكن أيضا من حساسيته حيال الألم الفلسطيني، الذي كان بالوقت ذاته هو ألمه الشخصي.

وتنقل المؤلفة عن ابو عمار قوله: «إنني لا أتذكّر سوى الشيء القليل عن أمي»، ويضيف: «لقد غادر أهلي القدس حيث أقمنا في حي السكاكيني بالقاهرة. ولقد عاش والديّ مأساة مزدوجة: المنفى ومرض أمي. كان عمري 4 سنوات عندما توفيت عام 1933 بمرض كلوي، وكانت فترة احتضارها طويلة ورهيبة.

وعدم قدرتي على تذكّر وجهها سبب لي باستمرار ألما كبيرا (...). بعد وفاة والدتي، ومن أجل تخفيف الأعباء عن والدي ذهبنا، أخي فتحي وأنا، للعيش عند خالي سليم ابو السعود. ثم عدنا بعد سنوات إلى القاهرة حيث كان والدي قد تزوّج من امرأة أخرى».

وتشير المؤلفة إلى أن ياسر عرفات قال هذا أثناء مقابلة أجرتها معه استمرت خمس ساعات ونصف في شهر مارس من عام 1991. وتؤكد أنه في كل مرة كان يُسأل فيها عن أمه كانت عيناه تغرورقان بالدموع. كما تتم الإشارة هنا إلى أن أخته الكبرى أنعام مثّلت شخصية أساسية أخرى في حياته. كان أبو عمار يطلق عليها تسمية «الجنرال» وهي تسمية رأت المؤلفة عندما تعرّفت عليها أنها تناسبها جيّدا بثيابها السوداء التي لم تفارقها معمّقة مظهرها الجدّي.

الإحساس بالخطر الدائم

وتقول المؤلفة إنها عندما سألتها ذات مرة عن طفولة أبو عمّار قالت بصيغة قاطعة: «إذا كنتِ تريدين معرفة شيء ما عن أخي، عليك أن تطلبي منه ذلك نفسه». وهذا ما تفسره المؤلفة بالقول إن الإحساس بالخطر الدائم على القريبين منا يجعلنا حذرين إلى درجة «العداء» أحيانا. لكن مع الثقة تغيّر الموقف وتنقل عن أنعام عرفات قولها لاحقا: «أراد أبو عمار أن يكون دائما هو القائد، وحتى عندما كان يلعب كان يعطي الأوامر.

وكان يقتسم مع الجميع كل شيء حتى قطعة الحلوى ؟ الشوكولا- الصغيرة. لم يكن يفكّر أبدا بنفسه وبعد ظهر ذات يوم كنت قد اشتريت له ولفتحي ثيابا جديدة. لقد أظهر ياسر غضبا شديدا ورفض أن يلبس ما اشتريته له طالما أن جميع أطفال الحي الفقراء لا يمتلكون هم أيضا ثيابا جديدة. والأمر نفسه بالنسبة للأحذية».

وتشير المؤلفة إلى أنها طلبت ذات يوم من ياسر عرفات إذا كان ذلك صحيحا، فأجاب: «ليس هناك ما هو غريب في الأمر، فالمسألة لم تتجاوز التضامن بين فقراء». وتعلّق المؤلفة على هذا بالقول ان ابا عمار لم يكن فقيرا، بل ميسورا. ولكن عندما كان يتحدث عن ذلك إنما يعني حق كل كائن بشري بوطن.

كانت طفولة ياسر عرفات، كما تصفها المؤلفة، هي طفولة «جريحة»، فبعد وفاة والدته كانت زوجة والده الجديدة قاسية الطباع، ولم تكن تريد الاهتمام بأطفاله من زواجه الأول، كما روى أبو عمار للمؤلفة. هكذا انتقل ياسر في الرابعة من عمره وأخوه فتحي، في الثانية من العمر، للعيش عند خالهما سليم ابو السعود الذي أصبح بمثابة «مرشده الروحي». وهو الذي زرع لديه أفكار معاداة الاستعمار والقومية العربية.

عاد ياسر عرفات من القدس إلى القاهرة عام 1937، وتنقل المؤلفة عن أخته أنه كان يمارس دور القائد العسكري مع أطفال الحي الذين كانوا يطيعونه. وكان «التدريب» يستمر إلى أن تأتي الأخت أنعام كي تقود «الضابط» عنوة إلى داخل المنزل كي ينال عقابه، خاصة أنه كان يأخذ باستمرار «طناجر» المنزل كي يستخدمها «جنوده» مثل «خوذات» عسكرية.

الكوفية..الرمز الفلسطيني

وتقول المؤلفة انه كان منذ تلك الفترة قد أدرك بحزن عميق أن عليه أن يخوض حروبه دون امتلاك السلاح. لكن الحجارة أخذت مكان الرصاص و«الكوفية» الفلسطينية غدت الرمز الذي يعرّف بالفلسطينيين في كل مناطق العالم. إنه العلامة الفارقة التي لبسها أبو عمار في كل مناسبة وحيثما حلّ، في قصور الملوك أو في مخيمات اللاجئين، وفي الأمم المتحدة أوفي الصين.

انتسب ياسر عرفات وأخوه فتحي إلى «معهد فاروق»، باسم ملك مصر آنذاك. وتنقل المؤلفة عن حارسة البناية العجوز التي كان يسكن فيها مع أسرته قوله: «كان ياسر طفلا لا يتوقف عن الحركة وفي غاية النشاط. ومن أجل الخروج بسرعة أكبر من المنزل كان يقفز من النافذة إلى الحديقة.

وكان يحب كثيرا الصعود حتى قمة شجرة المانجا لقطف ثمارها. لقد كان يمضي وقتا طويلا في ذروتها». وتشير المؤلفة أنه لو كان أوروبيا فربما كان من متسلقي جبال الألب، إذ كان أحد النادرين الذين يستطيعون تسلّق الجدران الملساء. وتضيف السيدة العجوز: «كان يتهرب أحيانا من المدرسة كي يتسكّع في الأحياء القديمة، مما كان يدعو أنعام لإنزال العقوبة بحقه».

وبعد طلاق والده من زوجته الثانية وزواجه بثالثة أحس ياسر أنه تلقى ضربة خنجر جديدة. وهذا ما عبّر عنه صديقه صلاح خلف بالقول: «كانت زيجات والده تجربة قاسية ومؤلمة بالنسبة إليه، وعنصرا لخلل توازنه العاطفي». ومع أن والده كان قاسيا إلى حد ما مع أطفاله، فإن أبو عمار تذكّره بالقول: «لقد تعلّمت الكثير منه.

كان إنسانا طيّبا وورعا جدا، وكان يعتقد أن مهمته على هذه الأرض هي أن يجعل منّا، من أطفاله، أناسا مخلصين ومستقيمين، ولم يكن يريد أن نخفي عنه أي شيء. وكان يريد أن ندرس الطب، الأمر الذي رفضه أخي فتحي منذ البداية».

وتشير المؤلفة إلى أن ابو عمار، في مقابلتها الثالثة معه في تونس عام 1991، بعد عدة أشهر من نهاية حرب الخليج الأولى، قال لها انه شارك عندما كان عمره 12 سنة، في القتال إلى جانب عبد القادر الحسيني. نقرأ: «كان عبد القادر الحسيني هو الرجل الذي يقود نضالنا من أجل الاستقلال.

وقد أعطاني فرصة أن أصبح أصغر ضابط عنده. وقد اغتيل بطلنا بعد عدة سنوات بالقرب من القدس بتاريخ 8 أبريل 1948. كان هدفي أثناء طيلة تلك الحرب هو إيجاد السلاح للدفاع ضد طردنا. إن نفي شعبي لا سابق له في التاريخ إذ جرى عقب مذابح متكررة ارتكبتها مجموعة ارغون السرية التي كان يقودها مناحيم بيجن».

المؤلفة في سطور

ايزابيل بيزانو، مؤلفة هذا الكتاب،من مواليد أوروغواي وهي إسبانية بالتبنّي عملت مراسلة حربية لعدة سنوات في فلسطين ولبنان وتشاد والعراق والبوسنة والصومال. وأجرت مقابلات مع العديد من الكبار وأصحاب القرار في العالم.

كما أنجزت العديد من التحقيقات الصحافية لقنوات تلفزيونية مثل ال«راي» والقناة الخامسة الإيطاليتين ولصحف في مقدمتها «لوموندو» الصادرة في مدريد. نالت ايزابيل بيزانو في عام 2002 جائزة «أفضل صحفية للعام» من قبل جمعية الصحافيين المحترفين الأسبان. لها عدة مؤلفات.

الناشر: تيميلي دومي لون جنيف ـ باريس ـ 2009

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف