استوعبت مفاوضات السلام عامين ونصف العام بعد اعتماد البروتوكول الإطاري في ماشاكوس (20 يوليو 2002)، إذ لم يتم إبرام اتفاقية السلام الشامل إلا في 9 يناير 2005 في نيروبي، ولئن ظن ظان أن المفاوضات خلال هذين العامين ونصف العام كانت تدور حول المطالب المشروعة لأهل الجنوب فقد أخطأ.
أمر المطالب الجنوبية الرئيسة حُسم بصورة قاطعة في بروتوكول ماشاكوس: الحكم الذاتي لجنوب السودان، حق تقرير المصير، إقرار نظام الحكم العَلماني في الجنوب، التمثيل المناسب للجنوب في الحكومة القومية بما في ذلك الخدمة المدنية، حق غير المسلمين في تسنم كل الوظائف العامة القومية بما في ذلك رئاسة الجمهورية.
وإن بقيت نقاط مهمة للبت فيها بعد اتفاق ماشاكوس فهي أربع: موضوع العاصمة القومية، أوضاع الجيشين، مصير المناطق الثلاث: النيل الأزرق، جبال النوبة، ابيي، النظام المصرفي. باستثناء نقاط النزاع الأربع هذه تمركز الحوار في نيفاشا على مدى ثلاثين شهراً حول مسائل قومية الطابع، أو على الأقل مسائل لا تعني جنوب السودان على وجه الحصر، تندرج تحت قائمة هذه المسائل:
* لامركزية نظام الحكم في كل السودان
* التحول الديمقراطي كأجندة وطنية
* المصالحة الوطنية
* اقتسام الثروة ليس فقط بين الجنوب والشمال بل في كل السودان
* الانتخابات القومية
* إنشاء وحدات عسكرية مشتركة تكون نواة لجيش السودان في المستقبل
مشاركة الحركة الشعبية في حكم الولايات الشمالية.
الأمن القومي
اهتمام الحركة بهذه القضايا القومية، وَتمَكُثها في النقاش حولها، له دلالات مهمة. أولى هذه الدلالات هي حرص الحركة على أن تلعب دورها القومي الذي أعلنته وجاهرت به منذ منشئها، إلى جانب يقينها أن لا انفصام بين القضايا القومية المطروحة وتلك التي تمس الجنوب مساً مباشراً. الثاني رغبة الحركة في تحقيق الحد الأقصى الممكن من أجندة السودان الجديد عبر التفاوض.
الثالث رغبة الحركة في تهيئة الجو الذي يعينها على المشاركة الكاملة في الحكم القومي حتى تتمكن من ضبط مفاصل السلطة فيه وفقا للمناخ السياسي الجديد، وحسب قواعد اللعبة التي أرستها اتفاقية السلام الشامل.
زاد تلك الرغبة اشتداداً إيمان الحركة بأن تنفيذ الاتفاقية تنفيذاً كاملاً غير منقوص لا يتحقق دون ممارسة فعلية للسلطة في المركز لأن إنفاذ الاتفاقية، من الناحية العملية، لا يتم في جوبا وإنما في الخرطوم.
فالاتفاقية، إذن، هندسة دستورية لإعادة تصميم وتشكيل وبناء السودان حتى يصبح وطناً آمناً لجميع أهله من بعد ما مسهم من ضراء. لهذا ففي الالتزام بمثل تلك الاتفاقية منجاة من الهدر والتلف اللذين ظل السودان يعاني منهما نصف قرن من الزمان، كما في التهوين من أمرها، ناهيك عن النكوص عنها، عودة إلى مآزم أنهكت الوطن.
ولعله لو اصطحب القارئ عند دراسته للاتفاقية تفصيلات النقاش الذي اكتنف كل بند من بنودها، والتحليل الضافي للظروف التي قادت إلى تدهور الأوضاع في السودان في الماضي، لانتهى إلى أن الاتفاقية هي نقش hpatipe على ضريح ثقافة سياسية احتكرت المسرح السياسي قرابة نصف قرن. ليس أبلغ في التعبير عن ذلك الحكم مما أدلى به رئيسا الطرفين عند إعلان بروتوكولات نايفاشا في ديسمبر 2004. ففي خطابه في تلك المناسبة، وصف البشير ذلك الإعلان بأنه «الإعلان الثاني لاستقلال السودان»، أما قرنق فقد نعت المناسبة ب«مولد الجمهورية السودانية الثانية».
كيف تم الاتفاق
ثمة سؤالان يتبادران إلى الذهن: ما هي الظروف التي أعانت، والروح التي سادت بين، المتفاوضين حتى وصلوا إلى ذلك الاتفاق التاريخي* ثم ما هي المستحقات الرئيسة التي نجمت عن الاتفاق* لن نغالي إن قلنا أن الإبقاء على تلك الروح، والإيفاء الكامل بكل ما نص عليه الاتفاق، وعلى الوجه الذي تعاهد عليه الطرفان، هو وحده الذي يخرجنا مما انتهينا إليه من شدة وضيق بعد أربع سنوات من التوقيع على اتفاقية نعتناها بكل تلك النعوت الزاهية.
وما كان ذلك الضيق ليكون لولا أن أصحاب الحرث في نيفاشا قد تركا حرثهما لتنفش فيه غنم قوم آخرين لم يأبهوا بالاتفاق عند إقراره، ولا يحتفلون به عند إنفاذه. وعلنا نكرر هنا ما قلناه في الرأي العام (7 أبريل 2007م) حول هذا الموضوع.
في ذلك المقال قلنا إن عقارب ساعات الذين ينفشون في حَرث غيرهم ما زالت واقفة عند إبريل 1997 غداة توقيع الاتفاقية المؤودة التي أسميت اتفاقية السلام من الداخل دون تدبر للأسباب التي أدت إلى وأدها، أو إلى حمل صانعيها من الجنوبيين على العودة أدراجهم إلى من حيث أتوا: إلى رحاب الحركة الشعبية.
بل دون تفكر في الضمانات العضوية، وتلك الخارجية، التي استوفاها اتفاق السلام الشامل. قلنا أيضاً إن «هذا الوضع ما كان ليحدث لو بقيت مفاتيح تنفيذ الاتفاقية بيد العصبة التي شاركت في صوغها لأنهم أدرى بمغاليقها، وأكثر تشرباً بروحها».
وعلى كل فإن أرهاط المفاوضين التي تجمعت في نيفاشا ضمت جماعات شتى. من هؤلاء من انتقل من ساحات الحرب إلى ردهات الحوار وما زال في نفسه شيء من حتى. هؤلاء، بما كان يحمله بعض منهم من شحنات الغضب، أو ما ترسب في قلوب بعض آخر من عدم الثقة المطلقة بالآخر، أنبروا للحوار في عنافة ملحوظة.
ومن حَرَن منهم عند موقفه لم يتزحزح عنه إلا بالرجوع القهقري. تلك حالات يلتاث فيها الرأي بالهوى. جماعة أخرى أدركت أن لكل مقال مقاما فنأت بنفسها عن الإثارة والفضول، وتلبثت عند مقاصد الحاجة. وهكذا، لم يأخذ التفاوض مجراه الطبيعي إلا عندما أكتنه الطرفان حقيقة أمرهما.
هما طرفان نقيضان لا يجتمع أحدهما مع الآخر على حالة واحدة، أي لا يصلح أحدهما مع الآخر. وإن كان ذلك هو مفهوم النقائض في علم المنطق، فليس الحال كذلك في علم السياسة.
السياسة هي تدبير أمور الناس الذين خلقهم الله شعوباً وقبائل لتتعارف وتتآلف، لا لتتشاكس وتتنافر. هم الناس الذين لو شاء ربك لجعل منهم أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. هم الناس الذين في اختلاف ألسنتهم وألوانهم آية للعالمين. وهم، فوق ذلك، الناس الذين لولا دفع بعضهم ببعض «لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً».
ومما لا ريب فيه أن الذين لا يدركون بدهية التنوع والتدافع واختلاف الألسنة والألوان بين الناس، أو يتظنون أنهم دون غيرهم ـ يملكون مفتاح مغاليق الكون هم في، حقيقة الأمر، دوغماطيون، والدوغماطي وحده هو الذي يتوهم أن للحقيقة وجهاً واحداً.
فمُحاياة الناس بعضهم بعضاً على اختلاف منابتهم العرقية ومنابعهم الفكرية ثم الرضا عن طيب خاطر بحقيقة التدافع بينهم، هو الذي يحول دون الغلو، ويحقق التوازن بين الناس والمجتمعات.
قرار مفتاحي
ولعله من حسن حظ المفاوضات أن كان على رأس وفدي التفاوض في ماشاكوس أولاً، ثم في نيفاشا من بعد، رجلان أفلحا في إدراك ما ينبغي أن ينطلق منه التفاوض: الاعتراف بالهوة السحيقة التي تفصل بين الطرفين ثم السعي لتجسيرها، إن تعسر ردمها. ففي ماشاكوس لم يعد قائد الوفد الحكومي غازي صلاح الدين هو نفس الرجل الذي قال لوسطاء الإيقاد الذين دعوا للفصل بين الدين والسياسة كأساس للحوار بين الطرفين: «دون ذلك خرط القتاد».
رسالة الإنقاذ، كما قال غازي يومها، ليست هي بسط الإسلام في ربوع السودان فحسب، بل نشره في كل أفريقيا. ذلك الإعلان الزلزال في مارس 1994م لم يوقف التفاوض عبر الوسطاء الأفارقة غير المسلمين، بل أرعب أيضاً دول أولئك الوسطاء. ولهذا فإن تَحولَ الدكتور غازي من داعية ديني، كما لا ينبغي أن يكون في منتديات الحوار مع الآخرين، إلى محاور سياسي براغماطي كما يتوجب عليه أن يكون، تحولٌ محمود يثاب عليه.
لا نغالي إن قلنا أيضاً أن واحداً من القرارات المفتاحية التي تمت في ماشاكوس هو الاعتراف بحق غير المسلم في الولاية الكبرى. ظاهرة اشتراط الدين (الإسلام) لتطلع أي مواطن سوداني لرئاسة الدولة لم تكن معروفة في دستوري السودان الأول والثاني (1956 ـ 1965م).
بيد أن الذين صاغوا هذين الدستورين، أو بالحري نقلوهما عن دستور الحكم الذاتي الذي خلفه الإنجليز، هم أنفسهم الذين سعوا، من بعد، ليجعلوا من الدين عنصراً أساساً في ممارسة الحقوق الدستورية منذ منتصف ستينات القرن الماضي. هذه النصوص قد لا تعني شيئاً في بلد لا يُعاني من حِدة التقاطعات الاثنية والدينية، ولكنها تعني كل شيء لبلد يكابد من تلك التقاطعات بحيث لم تعد هناك من وسيلة للإبقاء على وحدته إلا بالاعتراف بالتنوع ومنه الديني، وجعل المواطنة وحدها أساساً للحقوق والواجبات المدنية.
حتى في البلاد التي لم تعرف حدة في الفوارق الدينية في مجال العمل العام مثل مصر، علينا أن نستعيد إلى الذاكرة الأزمة التي أثارها الرئيس الراحل أنور السادات عندما أعلن في واحدة من خطبه العامة، في معرض سعيه لاستئلاف التيارات الإسلامية:
«أنا رئيس مسلم لبلد مسلم». هذه الكلمات الخمس قادت إلى ثورة القبط على السادات رغم أن أهل مصر، وبخاصة قبطهم، لم يحركوا من قبل ساكناً لأن رئاسة مصر ظلت دوماً تؤول إلى مسلم رغم ان الدستور المصري لا يشترط أن يكون الرئيس مسلماً.
موقف السادات حمل واحداً من أكثر أبناء مصر التصاقاً بوطنه وبإخوته المسلمين: الدكتور ميلاد حنا ليقول في إحدى المظاهرات التي اندلعت عقب خطاب السادات: « حن نريد رئيساً مصرياً لدولة مصرية». فالمغالاة دوماً تقود لمغالاة أشد، والسماحة بين أبناء الوطن الواحد تجاه بعضهم البعض لا تقود إلا لمزيد من السماحة.
وشتان ما بين موقف الرئيس السادات الذي نسب موقعه الرئاسي والدولة التي يرأسها لدين معين، وموقفي سعد زغلول ومصطفى النحاس اللذين أعليا راية المواطنة على الانتماء المِلي. سياسة سعد والنحاس هي التي ارتقت بمكرم عبيد ليكون أميناً عاماً لأكبر حزب وطني في مصر غالبية أعضائه من المسلمين: حزب الوفد، كما هي التي جعلت مكرم يقول: «أنا مسلم وطناً وقبطي ديناً».
طه وسربال الحكمة
أما في نيفاشا فقد كانت للأستاذ علي عثمان محمد طه مازية قربته إلى قائد الحركة، تلك هي ما أبداه من إدراك لما هو ممكن، وما هو مستحيل التحقيق في ظل الواقع الماثل على الأرض. لهذا نمت بين علي عثمان وجون قرنق علاقة طيبة جعلت من هم أشحة على الخير ينكرون كسبه، ويغمطونه أشياءه، وما أنفكوا.
لم يتفكروا في الحكمة التي قاد بها سفين لمفاوضات في بحر متلاط الموج، على المرفأ مما استعصى على أراهيط من أهل السياسة منذ يناير 1956.
نسأل الله أن لا ينزع عن الرجل سربال الحكمة. وتقديراً من قرنق للروح التي ساد التفاوض في نيفاشا خطا، هو الآخر برد الله قبره بالرحمة، خطوة عملاقة من موقف إلى آخر نقيض. ففي طوال السنوات التي سبقت المفاوضات كان قائد الحركة يقول، خاصة بعد فشل محادثات أبوجا ورفض نظام الإنقاذ لإعلان المبادئ Declaration of Principles الذي حدد به وسطاء الإيقاد علامات الطريق إلى السلام، إن نظام الإنقاذ قد تجاوز حد الإصلاح (ooT
demrofer eb ot demrofed).
على المستوى العملياتي، حرص الرجلان (علي عثمان وجون قرنق) على قضاء وقت طويل للتعرف على أفكار بعضهما البعض ثم الإجابة على أسئلة محورية: ما الذي يريد الواحد منا من الآخر في ظل الأوضاع القائمة* ما هي إمكانية تحقيقه.
* ما هو الحد الأدنى الذي يقبل به هذا الطرف أو ذاك، وبعدم قبوله ينفض السامر* ذلك الحوار لم يكن حوار غالب ومغلوب لأن تلك حالة لا يتم فيها التفاوض بغية الوصول إلى محطة وسطى، وإنما ليوقع المغلوب وثيقة إذعان على الخط المرسوم له )on the dotted li. ولعل ذلك الحوار بدأ عندما وجه جون قرنق سؤالاً لعلي عثمان فحواه: «لقد أرهقت الحروب أهلنا في الشمال والجنوب، فما الذي نستطيع تحقيقه سوياً لإنقاذهم* » .
علنا نضيف هنا موقفاً للطرفين يؤكد ما نقول حول امتلاك الطرفين لزمام أمرهما. ففي مطلع عام 2004 وجه الرئيس بوش دعوة لطرفي الاتفاقية لم يرد منها إلا تجميل وجهه.
بعث الرئيس الأميركي بممثله الشخصي للسودان، السناتور دانفورث، ترافقه طائرة رئاسية خاصة لينقل بها الرئيس السوداني، عمر البشير ورئيسي وفدي التفاوض في نيفاشا إلى واشنطن للمشاركة في الاجتماع المشترك للكونغرس للاستماع إلى خطاب الرئيس حول وضع الاتحاد State of the Uniَُ. كان الرئيس بوش، آنذاك، يبحث عن أي انتصار في مجالات السلام يمحو به الصورة التي لاحقته كرئيس حرب، وظن مستشاروه الذين كانوا يتابعون مفاوضات السلام أن في النجاح المرتقب لمفاوضات نيفاشا ما يبدل تلك الصورة.
لذا استقر رأي أولئك المستشارين على نقل تلك الحمولة الثقيلة من صناع القرار إلى واشنطن وإحلالها موقعاً علياً في شرفة الكونغرس، بحيث يومئ إليها الرئيس عندما يَرِدُ الحديث سلام السودان باعتباره إنجازه الاكبر، بل إنجازه الوحيد في تحقيق السلام في أي مكان بالعالم. ولإغراء طرفي الاتفاق الذي لم يكتمل بعد بأداء دورهما في تلك المسرحية قيل لهما ان الرئيس سيطلب في تلك اللحظة من الكونغرس الموافقة على ميزانية خاصة لدعم السلام في السودان.
قال قرنق للدبلوماسي الأميركي الذي حمل الرسالة: «من العبث أن نخدع أنفسنا بان اتفاقاً قد تم طالما ظلت بعض القضايا الملتهبة قائمة». ذلك رأي شاركه فيه رفيقه في التفاوض، علي عثمان محمد طه.
وبديهي أن يعود دانفورث بطائرته الرئاسية وهو مغيظ مما حسبه جحوداً. وما أن ودع قرنق الرسول الأميركي حتى عاد إلى رفاقه لتقويم الموقف، ومن عوائد قائد الحركة الشعبية الراحل أن لا يدع فرصة للهزء أو السخرية إلا واهتبلها. قال لرفاقه: أنا في حيرة من أمري. تُرى أي عقاب يدخره لي أصدقائي الأميركيون، فعقاب أخوي علي (مشيراً إلى علي عثمان) معروف: ابتعاثه إلى غوانتانامو».
قراءة في أزمة وطن مزمنة
في السابع والعشرين من أكتوبر 2008 كُلفت، من بين آخرين، بالإسهام بورقة عن الاستفتاء حول تقرير مصير شعب جنوب السودان، الذي نصت عليه اتفاقية السلام الشامل (وقعت عليها الحركة الشعبية لتحرير السودان مع حكومة السودان في التاسع من يناير 2005). وكانت المحاضرة هي الثانية في برنامج المحاضرات الحولية التي ينظمها ويرعاها مكتب رئيس حكومة جنوب السودان حول القضايا العامة التي يهتم بها، بوجه خاص، أهل الجنوب.
ويُدعى للمشاركة فيها الوزراء والبرلمانيون وكبار الموظفين إلى جانب الدبلوماسيين المقيمين بجوبا وأجهزة الإعلام. موضوع المحاضرة كان هو ممارسة حق تقرير المصير حسب السوابق التاريخية، والتجارب المعاصرة للأمم. أما الموضوع المحدد الذي طُلب مني تناوله فهو «الاستفتاء: الخيارات المطروحة، التجارب الدولية، والتحديات المتوقعة».
لاستيفاء الموضوع حقه من البحث، وإلقاء إضاءات كاشفة على الجوانب الخافية أو المسكوت عنها، تناولت في المحاضرة موضوعات ثلاثة: الأول ممارسة حق تقرير المصير عبر الاستفتاء في تجارب الأمم. الثاني: جذور الدعوة لتقرير المصير في السياسة السودانية. والثالث: ممارسة ذلك الحق في إطار اتفاقية السلام الشامل (2005) والتداعيات المرتقبة لنتائجه، أياً كان خيار شعب الجنوب.
كما أصبح موضوع الاستفتاء حول تقرير مصير جنوب السودان طبقاً رئيساً في موائد التحليل عبر الصحافة ومن فوق المنابر. وبما أن التحليل، بما في ذلك تحليل الدم، صناعة مفهومية تهدف إلى إرجاع الشيء إلى عناصره الأولية للكشف عن خباياه، يصبح من الضروري البحث والتقصي في المصادر الأولية للبحث ثم التفطن فيها قبل الاندفاع إلى إصدار الأحكام.
راعينا فيما كتب مؤخراً حول استفتاء جنوب السودان، خاصة في الصحف السودانية، حجم الافتراضات التي لا ترتكز على قدم وساق، والأحكام التي لا يتبعها دليل يُركَن عليه، بل التلبيس في استعراض الوقائع من جانب كتبة ومخبرين لا يحترمون عقول قرائهم، ولا يملكون الحد الأدنى من الرحمة بهم.
لهذا استصوبنا أن نُجلي في هذه المقالات بعض الحقائق التي تعين القارئ على بناء حكمه في هذه القضية المصيرية: قضية استفتاء جنوب السودان حول خياري الوحدة أو الانفصال، على الحقائق المجردة بدلاً من الحدس والتخمين، أو إلقاء الكلام على عواهنه. فمن الخير للناس، كما قال الفيلسوف الألماني غوته «أن يفهموا القليل من أن يسيئوا فهم الكثير».
