تواجه أوروبا في مسيرتها التوحيدية وفي مشروع استقلاليتها والانتهاء من تبعيتها للولايات المتحدة العديد من التحديات. وبعد أن يشير المؤلف إلى بلدين يكبحان هذا المسار هما بريطانيا وبولندة اللتين يتم وصفهما بـ «حصاني طراودة» لأميركا، يؤكّد على تحديين كبيرين بل وحاسمين.

التحدي الأول بنظره هو تركيا التي يصفها أنها «ليست أوروبية» جغرافيا ولا تاريخيا ولا ثقافيا، بل لها خصوصياتها العقائدية كبلد مسلم والثقافية. ولا يتردد في القول أن بريطانيا والولايات المتحدة يدفعان باتجاه اندماج تركيا في الاتحاد الأوروبي من أجل خدمة مصالحهما الخاصة وبحيث تغدو بلدان الحلف الأطلسي هي أيضا بلدان في الاتحاد الأوروبي. هذا فضلا عن المجال التجاري الواسع الذي يوفره انضمام تركيا لأوروبا.والتحدي الثاني الحاسم هو التحدي اللغوي المتمثل في محاولة فرض اللغة الانجليزية-الأميركية على العالم. وبالتالي على أوروبا مقاومة ذلك كون أنّه يعني فقدانها لخصوصياتها وتفرّدها من زاوية ما تتمتع فيه من تعددية ثقافية هي مصدر ثرائها واستقلاليتها.

إذا كانت بولندة من البلاد الأوروبية «الأكثر أطلسية» وهي «العدو التاريخي» لروسيا و«مصدر الحذر الكبير» حيال ألمانيا و«أفضل صديق في أوروبا» لجورج دبليو بوش، حسب تعبيره، هي أحد «عقبات» قيام محور باريس.. برلين.. موسكو، إلى جانب بريطانيا، فإن نقطة الاستفهام الكبرى تتعلّق بمستقبل علاقتها مع الاتحاد الأوروبي ومع روسيا التي هي «عدوّة وراثية» لها باستمرار.

إن المشكلة الكبرى ليست بولندة، ولكن تركيا .وينقل المؤلف عن موريس دروون، عضو الأكاديمية الفرنسية قوله: «إن أوروبا الجغرافية والسياسية تمتد من الأطلسي إلى الأورال وليس من الأطلسي إلى الفرات». مثل هذا الرأي «الجغرافي» يجد صداه في الكثير من التحليلات والمواقف المعلنة. لكن الرأي السياسي المعارض لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي يجده المؤلف في جملة قالها الرئيس الفرنسي السابق «فاليري جيسكار ديستان»، وجاء فيها: «تركيا ليست بلدا أوروبيا، ودمج تركيا يعني نهاية الاتحاد الأوروبي. وليس هناك من يقترح على المكسيك الدخول في إطار الولايات المتحدة».

ويرى مؤلف هذا الكتاب أن القيم الأوروبية نابعة من التاريخ الأوروبي ومن حضارة لها خصوصياتها العقائدية والثقافية والفلسفية المشتركة بين مختلف مجتمعاتها. وبالتالي يرى أنه من العبث القول بانتماء تركيا إلى أوروبا. ويضيف أن مثل هذا الزعم يتناظر في العمق مع إرادة القول بالتطابق بين محيط الحلف الأطلسي، وتركيا عضو فيه، وبين الاتحاد الأوروبي من أجل تبرير ترشيح تركيا للانضمام إليه. وهذا ما سيعني «قيام أوروبا حسب النمط الأميركي»، كما يقول المؤلف.

الرؤية الاميركية البريطانية

إن الانغلوسكسون، الواعين تماما لمصالحهم، يظهرون بوضوح أنهم الأكثر حماسا لتوسيع إطار الاتحاد الأوروبي. فالأميركيون لا يريدون في الواقع قيام أوروبا ذات مؤسسات متماسكة بحيث يمكنها أن تعترض ذات يوم على زعامتهم العالمية. والانجليز الذين رغبوا دائما في قيام منطقة تبادل تجاري حر واسعة تؤمّن بنفس الوقت المحافظة على سيادتهم وعلى دورهم كمحور أساسي وشبه وحيد للعلاقات الأطلسية. الجنرال شارل ديجول، كما يشير المؤلف، فهم ذلك جيدا.

بهذا المعنى يرى المؤلف أن الولايات المتحدة وبريطانيا تدافع عن مصالحها، وهي «غير مصالح أوروبا»، من أجل إدخال تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وجعل أوروبا غير واضحة الحدود. وفي مثل هذه الحالة لماذا لا يتم أيضا ضم لبنان وبلاد القوقاز وإسرائيل وفلسطين؟ كما يتساءل المؤلف. ويضيف أنه إذا كانت هناك إرادة بجعل الاتحاد الأوروبي على شاكلة «اتفاقية التجارة الحرة في منطقة شمال أميركا»، فإنه سيكون لتركيا مكان فيه إذن ولكن إذا كان المشروع الأوروبي هو الذي حدده الآباء المؤسسون فلا مكان لها.

تناقضات عديدة

من جهة أخرى يرى المؤلف أنه سيكون من المعقد التوفيق بين عدة «متناقضات» وتجمعها تركيا وبين الاتحاد الأوروبي. هذا فضلا عن أن ضم 70 مليون تركي و200 مليون ناطق باللغة التركية يعني أنه سيكون لتركيا وزنا راجحا في المؤسسات الأوروبية المشتركة.

وفي مثل هذا النهج من التفكير لا يتردد المؤلف في القول أن تركيا لا تنتمي بتاريخها ولا بجغرافيتها ولا بثقافتها إلى أوروبا. ثم إنها ستضيف للاتحاد الأوروبي وزنا اقتصاديا ولكن أيضا ملفات إستراتيجية ساخنة في قبرص والبلقان وكردستان وآسيا الوسطى. هذا كله فضلا عن أنها بلد إسلامي بينما أوروبا هي ذات جذور مسيحية. ويصل المؤلف إلى القول أن تركيا تنتمي إلى الشرق ويبدو أن المرحلة «المعترضة» للانفتاح الذي قام فيه كمال اتاتورك تنغلق شيئا فشيئا.

ويرى المؤلف أن العسكريين الأتراك هم في واقع الأمر «حرّاس علمانية» شكلية أكثر مما هي حقيقية. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى عدم اعترافها بـ «المذبحة التي تعرّض لها الأرمن» عام 1915 وعدم اعتراضها أيضا بـ «الجمهورية القبرصية»، هذا فضلا عن «احتلالها للجزء الشمالي من الجزيرة». ويسوق المؤلف بين براهينه على «عدم أوروبية» تركيا واقع أن الأكراد، الذين يشكّلون حوالي خمس السكان، ليسوا أوروبيين بالقطع.

يضاف إلى هذا كله تأكيده أن تركيا «عدو وراثي» لروسيا وانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي يشكل بالتالي عقبة أساسية «إستراتيجية» أمام التقارب بين أوروبا وروسيا. وفي المحصلة لا ينبغي دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

وبعد إشارة أخيرة إلى أن تركيا قد تشكل «حصان طراودة» أميركي آخر، بالإضافة إلى بريطانيا وبولندة، يرى المؤلف أن قيام محور باريس.. برلين.. موسكو لا يستبعد إمكانية قيام شراكة بين الاتحاد الأوروبي وبين بلدان جنوب البحر الأبيض المتوسط. وذلك تماشيا مع ذهنية مشروع «الاتحاد من أجل المتوسط»، بمشاركة تركيا وبلدان المغرب العربي.

التحدي اللغوي

تحت عنوان «المعركة من أجل التعددية الثقافية في القارة الأوروبية»، يشير المؤلف بداية إلى جملة قالها الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك وجاء فيها: «إن منظمة التجارة العالمية تريد التعامل مع المنتجات الثقافية مثل بقية السلع العادية». ثم يشير إلى أن الأميركيين يرون في الثقافة منتجا تجاريا مثل غيره، وبالتالي ينبغي أن تُطبق عليها نفس المعايير الاستهلاكية.

لكن المؤلف يشرح الآليات التي تجعل من التعددية الثقافية جانبا أساسيا من الرأسمال الثقافي للشعوب. وبالتالي تستحق الثقافة مكانة أرفع من مجرد سلعة تجارية. ومن الخصوصيات التي يتم التأكيد عليها في الثقافة الأوروبية هو تعدد الخصوصيات التي يتم التأكيد عليها في الثقافة الأوروبية هو تعدد الخصوصيات الوطنية والإقليمية، بينما أن الثقافة «الهوليودية» تقوم على مفهوم النمط الواحد.

إن إستراتيجية التعددية اللغوية تبدو، برأي المؤلف، هي الرد الضروري، «لكن غير الكافي» في مواجهة الهيمنة اللغوية الإنكليزية-الأميركية. ذلك على قاعدة قناعة مفادها أن هيمنة لغة واحدة أو ثقافة واحدة تطغى على جميع اللغات وأشكال التعددية الثقافية في أوروبا يعني أنها «ستفقد روحها»، أي أنها «ستفقد ثروتها وتفرّدها.

بالتالي يتم التأكيد على ضرورة أن يعارض الأوروبيون أي فرض للغة الجانب الآخر للمحيط الأطلسي عليهم، وعدم قبول المنطق الذي قال فيه سناتور أميركي، ينقل عنه المؤلف ما مفاده: «يوجد في العالم 6000 لغة محليّة، هناك 5999 لغة منها زائدة، فاللغة الانكليزية تكفي». ولا يتردد الملف في القول أن الخطر الأكبر الذي تواجهه أوروبا هو أن تفقد لغاتها الوطنية بعد أجل حيث تزداد الحاجة لاستخدام لغة عالمية واحدة على الصعيدين التفني والتجاري في القرن الحادي والعشرين وبإطار العولمة. واللغة الانجليزية-الأميركية هي التي في طريقها كي تسود اليوم.

اللغة الاميركية

وعلى أرض الواقع، إذا كانت اللغة الفرنسية هي «لغة العمل» في المفوضية الأوروبية ببروكسل، فإن اللغة الرسمية في الواقع التي تتم ممارستها داخل الاتحاد الأوروبي هي لغة الولايات المتحدة الأميركية. هذا وكانت اللغة الانجليزية قد أصبحت «لغة العمل» الثانية بعد انضمام بريطانيا للمجموعة الأوروبية المشتركة عام 1973. لكن الانجليزية غدت اليوم هي لغة التواصل السائدة في مختلف الاجتماعات الداخلية للمؤسسات الأوروبية ولمجموعات العمل التابعة للمجلس الأوروبي. هذا على حساب اللغة الفرنسية التي كانت تسود خلال العقدين الأولين من مسيرة التكامل الأوروبي.

خلاصة

وفي الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب، يعود المؤلف إلى تأكيد مقولات «ختامية» في مقدمتها أن أوروبا تتعثر من أجل إيجاد تعريف محدد لمشروعها المستقبلي، ذلك أنها تضم عددا كبيرا من البلدان ذات المصالح المتناقضة أحيانا. هذا فضلا عن أن القارة غدت إلى حد بعيد «ملحقة بأميركا». ومثل هذا الوضع منع أوروبا حتى الآن من صياغة إستراتيجية دفاعية وسياسة خارجية مشتركة.

أما السبيل لسد مثل هذا العجز فيتم تحديده على مدى تحليلات هذا الكتاب بأن تضع أوروبا في منظورها القريب هدف أن تكون قوة قادرة على أن تشكل وزنا مقابلا للتفوق الاقتصادي والجيوسياسي والعسكري للولايات المتحدة. ويصف المؤلف «الإمبراطورية الأميركية» أنها «ليست عامل تفريق لأوروبا، ولكنها سمّ زعاف حقيقي يتم بثّه في الروح الأوروبية، وهي عامل بلبلة في الاتحاد السوفييتي السابق، ومصدر خطر بالنسبة للعالم كله».

والسبيل العملي لتحقيق نهوض أوروبا يراه المؤلف في إنجاز محور باريس-برلين-موسكو، الأمر الذي يجده ممكنا، خاصة أن ألمانيا لم تعد «هتلرية» النوازع وروسيا لم تعد «قيصرية» ولا «سوفييتية». ليس المهم هو المعاهدات والاتفاقيات، كما تقول إحدى الجمل الأخيرة من الكتاب، ولكن أن يدرك الجميع أنهم «على نفس السفينة الأوروبية» الجامعة، بما في ذلك روسيا. فهذه هي مصلحة أوروبا... ومصلحة العالم.

الكتاب: أوروبا الجديدة

تأليف: مارك روسيه

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: غودفروا دو بويون ـ باريس ـ 2009