جاء إيقاع النداء الجديد من داخل قيادة السلطة الفلسطينية والداعي للقيام بخطوة سياسية نوعية جديدة عنوانها (الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية) فوق كامل الأرض المحتلة عام 1967 والسعي لتكريس الاعتراف الأممي بها وبحدودها عبر مجلس الأمن والمجموعات الدولية، بعد سلسلة من التحولات العميقة التي جرت خلال الفترات الماضية.
وهي تحولات أرخت بظلالها القاتمة على مسار التسوية بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، ودفعت باتجاه وصول الرئيس محمود عباس إلى حافة اليأس والتشاؤم من إمكانية تحقيق اختراق فعلي في العملية السياسية التفاوضية. بعد تراجع وعود الرئيس الأميركي باراك أوباما وتلاشيها، والتحاق الإدارة الديمقراطية الأميركية الجديدة بركب سياسة الإدارة السابقة بالنسبة للموضوع الفلسطيني، فسقط «شرط وقف الاستيطان» الذي وضعته واشنطن، وانتقلت للتنظير لمقولة جديدة عنوانها «كبح جماح الاستيطان» وهو ما أنعكس سلباً على مصداقية الدور الأميركي لدى الطرف الفلسطيني المفاوض، ولدى عموم الشارع الفلسطيني.
خيار اللجوء لمجلس الأمن
وفي معمعان هذه التعقيدات، وفي غضون ما تلخصه المرحلة السياسية من معان كبيرة في ظل انهيار عملية التسوية، تطرّق بعض الناطقين باسم السلطة الفلسطينية إلى إمكان طرح موضوع حل السلطة وإحالة ملف القضية الفلسطينية لمجلس الأمن مباشرة، ما يؤدي إلى خلط الأوراق والعودة إلى المربع الأول، باعتبار أن وجود سلطة ضعيفة مقيدة أمامها أفق مسدود، هو أسوأ خيار إذ يحملها مسؤوليات كبيرة أمام الشعب الفلسطيني وأمام المجتمع الدولي.
ولا يسمح بإحداث أي تقدم على الأرض لمصلحة تحقيق الحقوق الوطنية الفلسطينية، وبالتالي فإن حل السلطة يفترض أن يستتبع حال سريان مفعوله، إعادة مجمل القضية الفلسطينية إلى دائرتها الأولى في مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة ووضع المجموعة الدولية أمام مسؤولياتها وتسليمها إدارة شؤون هذا الشعب المحتل.
كما تطرق بعض الناطقين باسم السلطة للتلويح بطرح خيار حل الدولة الواحدة على كامل أرض فلسطين التاريخية، وهو حل ينسف «يهودية الدولة» من الوجهة الإسرائيلية الصهيونية.
لكن الاتجاه الرئيسي في الإطار القيادي الرسمي الفلسطيني طرح فكرة مغايرة لما سبق، تحت عنوان الدعوة لإعلان قيام الدولة الفلسطينية، والتوجه لمجلس الأمن لترسيم حدود الدولة الفلسطينية، أي لترسيم حدود الرابع من يونيو، وهي حدود معروفة لا تحتاج إلى ترسيم، لأنها هي خطوط الهدنة التي رسمتها حرب العام 194.
ولكن المهم الآن، أن الخيار الأخير الذي سيطر في الأسابيع الماضية على أجواء الحالة الرسمية الفلسطينية، والمتمثل بـ (انقداح واشتعال) فكرة الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية، يستبطن في داخله شكلاً من أشكال التحدي للعنجهية الإسرائيلية الصهيونية، من خلال «التوجه إلى مجلس الأمن لاستصدار قرار بالاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية .
وعلى حدود الرابع من يونيو 1967»، انطلاقاً من أن (فلسطين ـ الدولة) التي غيّبت عن الخارطة الدولية بفعل قسري نتيجة عملية الاقتلاع والتبديد القومي للشعب الفلسطيني، أصبحت الآن حاضرة بقوة، بانتظار التجسيد المادي على الأرض العربية الفلسطينية.
حيث أصبح أمر قيام الدولة الفلسطينية المستقلة قضية إجماع عالمي لا يمكن تجاهله، وتحظى بحضور يومي على أجندة المجتمع الدولي.
حيث تعاظم هذا الحضور مع انطلاقة الانتفاضة الكبرى الأولى بين أعوام 1987 ـ 1993، وتكرست حقيقة لابد منها على طريق السلام الحقيقي في ظل الانتفاضة الكبرى الثانية، حتى باتت غالبية ملحوظة من الإسرائيليين تقر بشكل أو بأخر بأن هذا الخيار أمر لابد منه في نهاية المطاف، لكن المسألة بالنسبة لها متى، وكيف، وضمن أي حدود، وبأي صلاحيات وسلطات.
وارتباك الموقف الأوروبي
وانطلاقاً من المعطيات إياها، فإن أصحاب وأنصار خيار إعلان قيام الدولة الفلسطينية والتوجه لمجلس الأمن، يرون أن من وظيفة الإعلان «الحفاظ على خيار حل الدولتين على اعتبار أن خيار حل الدولتين على حدود الرابع من يونيو عام 1967 هو خيار أممي وخيار منظمة التحرير الفلسطينية» على حد قول صائب عريقات عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، الذي دعا الأوروبيين إلى «أن يعترفوا بالدولة المستقلة على غرار موقفهم من استقلال كوسوفو».
حيث تقدمت السلطة الفلسطينية بطلب رسمي لدول الاتحاد الأوروبي لدعم توجهها باستصدار قرار من مجلس الأمن الدولي للاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة، وهو ما أيده وأكده دبلوماسي عربي في الأمم المتحدة، وهو المندوب الدائم للجامعة العربية يحيي المحمصاني، مفصحاً بأن تقديم طلب الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى مجلس الأمن سيتم «في الوقت المناسب» ويبقى مرتبطاً في الوقت الحاضر باجتماع لوزراء الخارجية العرب، وموضحاً بأن قرار إحالة هذا الملف إلى مجلس الأمن اتخذ خلال الاجتماع الأخير في القاهرة للجنة متابعة مبادرة السلام العربية.
بينما يقدر البعض بأن هذه الخطوة الفلسطينية، إن تمت، لن تكون لها أي فرصة بالنجاح لأنها ستصطدم بفيتو أميركي شبه أكيد، وهو ما أشار إليه الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية أيان كيلي بقوله «إن إعلان أحادي الجانب لقيام دولة فلسطينية مرفوض بالنسبة للولايات المتحدة» وأن «تلك الدولة يجب أن تنشأ من خلال التفاوض بين إسرائيل والفلسطينيين»، لذلك فإن واشنطن واجهت الصوت الفلسطيني الداعي للتوجه لمجلس المن باستصدار قرار بقيام الدولة الفلسطينية بعدم الارتياح وبالتلويح باستخدام حق النقض.
بينما مازالت الحيرة والارتباك يطبعان موقف مجموعة دول الاتحاد الأوروبي التي تعيش حالة فقدان الوزن، وفقدان الاستقلالية السياسية بالنسبة للقضايا الكونية، والمترددة بين الموافقة على الطلب الفلسطيني المقترح تقديمه عبر المجموعة العربية إلى مجلس الأمن، أسوة بموقفها من مسألة الاعتراف بدولة كوسوفو (حين أعلن عن قيامها عبر قرار أممي، وتكرست كحقيقة على أرض الواقع) وبين الإحجام عن تأييد المطلب العربي والفلسطيني.
وتفضيل الانتظار تحت سقف الموقف الأميركي الذي يربط الموضوع بالعملية التفاوضية التي تعيش في موت سريري منذ سنوات خلت، لذلك فإن دول الاتحاد الأوروبي اعتبرت في رد فعلها عن ما قيل بهذا الشأن، أن الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة مسألة سابقة لأوانها، وفق ما جاء على لسان منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خافيير سولانا، الذي قال «من المبكر جداً مناقشة الدولة الفلسطينية».
مشيراً إلى أنه «يجب أن يأخذ الأمر وقته وأن يتم بهدوء وفي اللحظة المناسبة»، بالرغم من وثيقة التي قيل بأن دول الاتحاد ستطلق من خلالها تأييدها الاعتراف بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.
المنظور الإسرائيلي
وفي هذا السياق، وفي مسار الخيار الفلسطيني المطروح أعلاه، نقرأ ونفسر الاقتراحين التاليين المقدمين من الطرف الإسرائيلي في الفترة ذاتها، في سياقات الاستباق والرد الإسرائيلي على ما قيل عنها بأنها نوايا فلسطينية لإعلان قيام الدولة الفلسطينية على كامل الأرض المحتلة عام 1967، كبالوني اختبار على هيئة مادة تفاوضية للمرحلة القادمة.
حيث تطرح إسرائيل في مضمن الاقتراحين المقدمين «اتفاق مرحلي طويل الأجل» تحت مسميات ومداخل مختلفة، منها مدخل السلام الاقتصادي الذي يقدمه نتانياهو، ومنها الدولة المؤقتة التي يتحدث عنها أكثر من طرف.
والاقتراح الأول المقدم من شيمون بيريز والجنرال أيهود باراك يقول بحل على مرحلتين، حيث يتم الإعلان عن «قيام دولة فلسطينية في نصف الأراضي التي احتلت العام 1967، وتكون حدودها مؤقتة لفترة زمنية يتفق عليها وليست طويلة»، في الوقت الذي «تلتزم به الحكومة الإسرائيلية من خلال وثيقة يتم التوقيع عليها أمام الولايات الأميركية المتحدة والدول العربية وكذلك الأوروبية تفيد باستكمال الانسحاب من باقي الأراضي وإعلان الدولة الفلسطينية بحدود نهائية، ومقابل ذلك تتلقى إسرائيل أيضاً اعترافاً صريحاً بيهودية الدولة على باقي الأراضي».
والاقتراح الثاني المنسجم مع الاقتراح الأول وقد قدمه الجنرال شاؤول موفاز (وهو من عتاة المتطرفين من حزب كاديما) تحت عنوان حل على مرحلتين لبناء «دولة فلسطينية، على مساحات من الضفة الغربية على أن يتم توسيعها تدريجياً مع قيام السلطة بواجباتها وتوطيدها لدعائم الديمقراطية في المناطق» على حد قول الجنرال موفاز.
وهذه الدولة التي يتحدث عنها كلا المشروعين الإسرائيليين، تقوم على مواصفات رؤية طيف أحزاب العمل وكاديما وحتى الليكود : دولة فلسطينية على مساحات من قطاع غزة والضفة الغربية، مع اقتطاع أجزاء منها وتفكيك بعض المستوطنات الصغيرة، مع ضم شريط بعرض عشرين كيلومتراً على طول خط غور الأردن، بحيث لا تتجاوز مساحتها بأحسن الأحوال (80%) من مساحة الضفة الغربية بعد شطب مساحة القدس الكبرى التي تتجاوز مساحتها ربع مساحة الأرض المحتلة عام 1967 في الضفة الغربية.
فالدولة الفلسطينية التي يتحدث عنها شيمون بيريز وباراك وموفاز وباقي الخريطة السياسية اليهودية الصهيونية، يتداخل فيها كل شيء: أراضي الكيان الفلسطيني مع بقايا المستوطنات ومناطق الضم، مع الطرق الالتفافية، مع أجزاء من القدس الكبرى، وتتداخل فيها حدود السيادة والصلاحيات.
وذات حدود أطول من حدود الدولة العبرية مع كل من مصر والأردن وسوريا ولبنان، وأينما ذهبت تجد لها حدوداً مع دولة الاحتلال لغرض رئيسي يتمثل في تطويقها بالكامل وإبقاء السيطرة العسكرية والأمنية وحتى الاقتصادية والتجارية.
خيار العمل المقاوم
وبكل الحالات، إن خيار إعلان قيام الدولة الفلسطينية، يمكن له، بل ومن المؤكد أن يحصد اعترافات دولية واسعة تفوق الاعترافات القائمة بالدولة العبرية الصهيونية. لكن بالمقابل من المتوقع أن يواجه هذا الخيار مصاعب سياسية جمة، على ضوء الموقف الأميركي المعروف، وإمكانية استخدام الولايات المتحدة لحق النقض، وعلى ضوء غياب الرؤية العربية المستندة لاستراتيجية موحدة، إضافة للمصاعب الميدانية على الأرض في ظل سطوة الاحتلال.
ومن هنا، فإن فشل هذا الخيار قد يفتح الطريق مرة ثانية أمام توالد دوامة العنف في المنطقة، مع استمرار الاحتلال واستمرار حصار قطاع غزة وعموم الضفة الغربية والقدس، واستمرار عمليات الاستيطان التهويدي الجائر في مناطق القدس وداخل أحياءها العربية، وهو ما يهيء التربة والمناخ العام لبروز شرارات انتفاضة فلسطينية ثالثة تحرق الأخضر واليابس، وتعيد طرح الموضوع الفلسطيني برمته من جديد، وبخيارات مختلفة، وتدفع الشعب الفلسطيني للجوء إلى المقاومة كأقصر الطرق لتحقيق الحرية والعودة.
بالرغم من حالة الإنهاك الشديدة التي أثقلت كاهل الفلسطينيين في الداخل خصوصاً في قطاع غزة مع الحصار المتواصل منذ سنوات، ليصبح خيار المقاومة بأشكالها المختلفة، خياراً لابد منه لتحقيق خطوات ملموسة على طريق استعادة الحق الفلسطيني، وهو ما يتطلب الاتجاه الجدي والحقيقي لإعادة بناء الوحدة الوطنية الفلسطينية على أساس الخيارات والثوابت الوطنية الفلسطينية.
وعلى كل حال، فإن تزاحم الخيارات المطروحة، ومحاولة الطرف الفلسطيني الرسمي البحث عن سبل سياسية جديدة لتجاوز حالة الانحدار التفاوضي، يلخص استنتاجاً واضحاً يقول بوصول عملية التسوية الجارية منذ عقدين من الزمن إلى الجدار المسدود.
وهو ما يتوجب الوقوف وقفة صريحة ونقدية أمام مسيرة العقدين الماضيين، والسير باتجاه إعادة بناء الخيارات الوطنية الفلسطينية المتعددة، ومغادرة موقع الخيار الصفري اليتيم تحت سقف معادلة التسوية الأميركية الإسرائيلية.
إضاءة
هدد أبو عدي المتحدث باسم كتائب شهداء الأقصى الجناح المسلح لحركة فتح في العشرين من نوفمبر 2009 (لوكالة قدس نت للأنباء) بالعودة إلى المقاومة المسلحة.
وتبع ذلك دعوة عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وأمين سرها في الضفة الغربية النائب الأسير مروان البرغوثي الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى تغيير برنامجه القائم على المفاوضات وحدها لأنها وصلت إلى طريق مسدود، داعياً إلى (المزاوجة الخلاقة) بين المفاوضات والمقاومة المشروعة، مطالباً في الوقت نفسه بعقد لقاء فوري بين اللجنة المركزية لفتح بقيادة الرئيس محمود عباس والمكتب السياسي لحركة حماس بقيادة خالد مشعل لإنهاء الانقسام.
وبالتأكيد فإن توالد خيار الانتفاضة ونجاح هذا الخيار في تعبيد الطريق أمام تحقيق انجازات فلسطينية، يتطلب إستراتيجية عمل وطني فلسطينية مشتركة بين جميع القوى، وهذا ما يبدو بعيد الحصول حسب المؤشرات القائمة في المرحلة الحالية مع استمرار الانقسام الفلسطيني الحاد.
علي بدوان

