قبل نيّف وثلاثة أشهر، وقف الرئيس أوباما أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة ليعلن أنه ينوي التحرك باتجاه الخلاص النهائي من السلاح النووي. لكن قبل أن ينهي السنة الأولى من ولايته، بدأ يكتشف أن هذه المسألة ليست من السهولة بمكان.

تحقيق مثل هذا الهدف النبيل، حتى على المدى البعيد، يبدو الآن أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع. تعقيداته وملابساته، فضلاً عن خفاياه وأجواء الارتياب المحيطة به؛ تحول دون ذلك. بل هي تجعل من الصعب تحقيق ولو خطوات أولية، في بداية هذه الطريق الوعرة.

الصعوبات موزعة على جبهتي الخارج والداخل. في الأول، كبار أعضاء النادي النووي مثل روسيا، فضلاً عن الطامحين لعضوية هذا النادي، مثل إيران وكوريا الشمالية. وفي الثاني، تقف المؤسسات العسكرية والمدنية الأميركية، أيضاً في وجه هذا التوجه.

وبذلك يجد الرئيس الأميركي نفسه، مرة أخرى، أمام وضع يهدّد احدى أهم ركائز سياسته الخارجية. الطموح كبير. لكن تحدياته أكبر. الموضوع النووي، امتحان آخر لرئاسته.

الرئيس أوباما، أول رئيس أميركي يعلن عن عزمه على العمل لإزالة السلاح النووي كلياً. توجه نوعي غير مسبوق. لكن لولوج هذا الباب، لا بدّ من توفر عدة شروط. على رأسها تعاون روسيا. مفتاح أساسي، يملك ثاني أكبر ترسانة نووية.

البداية، لم تكن مشجعة. كان من المفترض أن تتوصل واشنطن وموسكو إلى تجديد «معاهدة الحدّ من الأسلحة الاستراتيجية»، في أوائل ديسمبر الفائت. مرّ الموعد، من غير تجديدها. المحادثات تستأنف هذا الشهر. لكن التقارب، غير متوفر. إدارة أوباما كانت قد ألغت نصب شبكة درع صاروخي في بولندا والتشيك؛ كانت إدارة بوش قد اعتمدتها.

ترحيب روسي

لكن موسكو، مع ترحيبها بالخطوة، أبدت شكوكها بالشبكة التي تنوي واشنطن بناءها ونشرها في أماكن، تقررها لاحقاً. كما رفضت إطلاع الروس على معلومات عن هذه الشبكة. في حين هي تطالب موسكو بإطلاعها على تجاربها الصاروخية. عند هذا الحدّ تراوح المحادثات المتعلقة بالأسلحة الاستراتيجية.

وفي القلب منها النووية وموازينها بين الطرفين. يضاف إلى هذه المراوحة، وجع الرأس النووي؛ الإيراني والكوري الشمالي. كلا الملفين مرشح للمزيد من التعقيد وبالتالي للمزيد من التهديد لاتفاقية الحد من انتشار هذا السلاح. الرئيس أوباما، تحدث عن مدّ اليد باتجاه البلدين؛ سعياً لحل دبلوماسي. التباين في مطبخ القرار الأميركي حول هذا التوجه، حال دون ترجمته.

كما أن لجوء طهران وبيونغ يانغ، إلى لعبة حافة الهاوية، ساهم هو الآخر في ترك الأمور معلّقة ومفتوحة على المزيد من التأزم. خاصة بعد أن ردّت طهران بتحديد مهلة شهر لقبول عرضها ـ شراء أو استبدال اليورانيوم ـ، وإلاّ انصرفت إلى التخصيب العالي.

تحفظات الكونغرس

ومتاعب أوباما النووية، لا تقتصر على تحديات ما وراء الحدود؛ بل أيضاً تشمل ساحته الداخلية.

التقارير الأخيرة، توقفت طويلاً عند ما سمّته بالجدل الدائر في واشنطن والذي يقف ضد رؤيته حول عالم خال من النووي، خاصة في البنتاغون وغيرها من المؤسسات الأمنية وبعض دوائر الكونغرس. كما يحرّض ضدها المحافظون، من خلال مراكز أبحاث ووسائل إعلام محسوبة على هذا الخندق. الاعتراض يدور حول نقطتين أساسيتين: تقليص حجم الترسانة ودورها.

المراجعة التي قام بها البنتاغون ـ الثالثة بعد الحرب الباردة ـ أوصت بضرورة الاحتفاظ بـ 9400 رأس نووي. إدارة أوباما تريد تقليص العدد. أما الدور، فهناك أكثر من نظرية. منها ما يرى فائدة في البقاء على موقف واشنطن الغامض؛ لجهة الظروف التي قد تستخدم فيها هذا السلاح. من شأن ذلك أن يبقي الخصم في حيرة من أمره.

الإدارة تقول بضرورة أن تتعهد أميركا علناً وصراحة، بعدم اللجوء إلى هذا السلاح؛ إلا في حال الرد على هجوم نووي. البنتاغون لا يرى فائدة من التطمين هذا. مدرستان: واحدة مع التقليص والتعهد بعدم الاستعمال إلا بالرد؛ وذلك تعزيزاً لسياسة الحد من الانتشار.

وأخرى مخالفة، من باب أن الغموض والقوة الكاسحة، من شأنهما تعزيز قدرة الردع. قبل لقاء نيويورك، الربيع المقبل، للبحث في معاهدة الحد من الأسلحة النووية؛ على إدارة أوباما أن تحسم أمرها. في نهاية المطاف، لن تستقيم أي دعوة أو اتفاقية للحد أو للخلاص من النووي؛ إلا إذا ارتضى الكبار بكسر هذا الاحتكار.

فيكتور شلهوب