لم يكن العام المنصرم سهلًا على إسرائيل، رغم اعتبارها إياه من أهدأ الأعوام التي شهدتها مؤخرا، بالقياس لسنوات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين؛ التي شهدت اندلاع الانتفاضة الثانية.
وكانت إسرائيل دشنت ذلك العام بحربها على قطاع غزة، التي استمرت 22 يوما، ارتكبت خلالها فظائع جمّة، ضمنها مصرع حوالي 1500 وإصابة حوالي خمسة آلاف بجروح، من الفلسطينيين، عدا عن تدمير مساكن عشرات الألوف منهم، وتخريب البنى التحتية للقطاع؛ مقابل مقتل 13 إسرائيليا (بينهم 4 بنيران «صديقة»).
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها ذهبت إسرائيل نحو انتخابات الكنيست الثامنة عشرة (10/2/2009)، التي تمخّضت عن توزّع أحزابها على الكنيست (120 مقعدا) على النحو التالي: كاديما 28، ليكود 27، إسرائيل بيتنا 15، العمل 13، شاس 11، يهوديت هاتواره 5، الاتحاد الوطني 4، المفدال/البيت اليهودي 3، ميريتس 3، الأحزاب العربية 11 (الجبهة 4 القائمة العربية 4 التجمع 3).
وقد حددت هذه النتيجة تراجع حزبي العمل وميريتس، وتنامي نفوذ اليمين، ما أدى إلى تكليف نتانياهو (زعيم ليكود) بتشكيل الحكومة؛ رغم أن حزبه جاء في المركز الثاني في حصة المقاعد في الكنيست (بعد «كاديما»).
وقد نتج عن حرب غزة، وتشكيل حكومة من أحزاب اليمين القومي والديني، توقف المفاوضات مع الفلسطينيين، الذين رأوا بأن التفاوض مع حكومة نتانياهو مضيعة وقت، على اعتبار أن هذه الحكومة لاتؤمن بعملية السلام من الأصل.
وكانت حكومة نتانياهو رفضت تطبيق قسطها من خطة «خريطة الطريق»، والمتضمن وقف أنشطتها الاستيطانية، رغم أن الفلسطينيين التزموا بقسطهم في هذه الخطة، والمتمثل بالتزام التهدئة ووقف عمليات المقاومة، وهو ما اعترفت به إسرائيل ذاتها. فبحسب تقرير لجهاز الأمن العام «الشاباك» فإن «العام 2009، هو الأهدأ منذ بدء الانتفاضة الثانية..
فقد قتل في هذا العام 15 إسرائيليا على يد المقاومة الفلسطينية، تسعة منهم في حملة «رصاص مصبوب» في قطاع غزة..بعد الحملة قتل جندي على حدود القطاع..خمسة إسرائيليين آخرون قتلوا في عمليات مصدرها الضفة الغربية..في 2008، لغرض المقارنة، قتل 36 إسرائيليا كنتيجة لأعمال الإرهاب.» (عاموس هارئيل، «هآرتس»، 31/12)
وقد أسهم انفضاح الجرائم الإسرائيلية في حرب غزة، وتشكيل حكومة يمينية، من أبرز رموزها نتانياهو وبني بيغن وموشيه يعلون (ليكود) وافيغدور ليبرمان (إسرائيل بيتنا) وايلي يشاي (حزب شاس)، والجمود الحاصل في المفاوضات مع الفلسطينيين، إلى خلق متاعب، بل ومشكلات، كثيرة لإسرائيل، على صعيد علاقاتها الإقليمية والدولية، وبالنسبة لصورتها لدى الرأي العام الدولي؛ إلى حد أن إسرائيل باتت تتحدث عن تضعضع مكانتها وعن تقوض شرعيتها على الصعيد الدولي.
هكذا شهد عام 2009 تجاذبات بين إسرائيل وعديد من دول العالم، مثلا، بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية على خلفية طلب الرئيس الأميركي وقف الاستيطان، ودعمه حل الدولتين. ولعل التطور الأبرز في هذا المجال يتميز بفتور علاقة حكومة إسرائيل مع الإدارة الأميركية الجديدة، التي لاتخفي امتعاضها من سياسات إسرائيل.
وثمة مؤشر آخر على ذلك يتمثل بنشوء منظمة جديدة للوبي اليهودي في الولايات المتحدة (منظمة «جي ستريت»)، التي ثمة اعتقاد بأنها مدعومة من إدارة أوباما، وهي منظمة تأخذ موقفا نقديا إزاء سياسات حكومة نتانياهو، على خلاف منظمة اللوبي الأخرى («ايباك»)، التي تدعم السياسات الإسرائيلية المتطرفة.
أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فقد أبدى تبرما واضحا من السياسات الإسرائيلية، وتجلى ذلك في دعوته لتجميد الاستيطان والتزام حل الدولتين، كما تجلى ذلك بتحول الرأي العام الأوروبي نحو مناهضة العدوانية والعنصرية الإسرائيلية، حيث نشر صحافي سويدي تقريرا يتهم إسرائيل بالمتاجرة بأعضاء الشهداء الفلسطينيين، وقامت بعض الجامعات الأوروبية بمقاطعة الجامعات الإسرائيلية.
كما وضعت علامات في محلات البيع في بعض الدول الأوروبية على البضائع المنتجة في المستوطنات. وتم تتويج كل هذه التحولات بالبيان الذي أصدره الاتحاد الأوروبي مؤخرا، والذي يدعم فيه قيام دولة فلسطينية في حدود العام 1967 وينص على أن القدس عاصمة لدولتين (إسرائيل وفلسطين).
وكانت إسرائيل، فوق كل ما تقدم، واجهت وضعا صعبا بإصدار لجنة تقصي الحقائق (لجنة غولدستون)، المنبثقة عن اللجنة الدولية لحقوق الإنسان، تقريرا تضمن اتهامات لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.
أيضا، فقد خسرت إسرائيل، في العام المنصرم، حليفا إقليميا قويا، هو تركيا، التي اعتبرت السياسات الإسرائيلية مضرة للأمن والسلام في الشرق الأوسط، والتي اتهمتها بانتهاج جرائم حرب إبان حربها على قطاع غزة، كما اتهمتها بتخريب عملية المفاوضات مع سورية، بشنها الحرب المذكورة، في حين أنها تتفاوض مع سورية، عبر القناة التركية.
وأخيرا يبقى القول ان إيران مازالت الهاجس الأمني الأول لإسرائيل، التي لم تستطع إزاءها شيئا، في العام الماضي.
إضاءة
من كل العرض السابق يمكن الاستنتاج بأن إسرائيل تواجه في العام المقبل عددا من التحديات والأسئلة ضمنها:
ترميم مكانتها وتحسين صورتها على الصعيد الدولي، لاسيما إزاء الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.
تحديد موقفها إزاء عملية التسوية، مع الفلسطينيين، سلبا أو إيجابا، وكذا كيفية تعاملها بشأن حفاظها على أن كونها دولة يهودية، ومواجهة ما تسميه الخطر الديمغرافي.
كيفية مواجهتها للتهديد الذي تمثله إيران لها، سواء على صعيد تنامي نفوذها في الشرق الأوسط، أو على صعيد سعيها لتملك طاقة نووية.
ماجد كيالي
