مع إطلالة السنة الجديدة، يتزايد قلق الولايات المتحدة من على أمن حدودها الجنوبية الطويلة مع المكسيك، التي تخوض حرباً دامية من سنوات عديدة على جبهتين، ضد كارتلات تهريب المخدرات وعصابات تهريب السلاح على طول الحدود مع أميركا، بعدما حصدت عمليات القتل خلال العام الماضي 7600 قتيل مقابل ستة آلاف قتيل خلال عام 2008.

والمكسيك تخوض هذه الحرب على امتداد أراضيها، من الولايات الجنوبية إلى المناطق الشمالية، وخصوصاً مدينة سيوداد خواريز وغيرها على الحدود الأميركية حيث تنشط عمليات تهريب المخدرات ويتحارب الجميع للحصول على الحصة الأكبر مما بات يسمى عائدات «صناعة الموت على الحدود مع الولايات المتحدة»، أي المخدرات التي تصل عائداتها إلى زهاء 40 مليار دولار سنوياً. وعلى الرغم من الدعم الذي قدمه الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى نظيره المكسيكي فيليبي كالديرون في الحرب التي تشنها المكسيك ضد تجار المخدرات، تزايدت عمليات القتل المأجور وعمليات الخطف التي تنفذها عصابات مكسيكية حتى داخل الأراضي الأميركية. وبدعم من الإدارة الأميركية، تواجه الحكومة المكسيكية سبعة كارتلات للمخدرات في البلاد، أبرزها: كارتل الخليج المتواجد في 13 من الولايات ال31 في المكسيك، وكارتل سينالوا الناشط في 17 ولاية، وكارتل خواريز النافذ في 21 ولاية، إلى كارتل تيخوانا العامل في ما لا يقل عن 15 ولاية. وفي السنوات الأخيرة، أقامت الكارتلات تحالفات مع بعضها البعض.

وشكل كارتل تيخوانا تحالفاً مع كارتل الخليج نتيجة لمفاوضات السجن بين زعيمهما. وكذلك تآلفت كارتلات عديدة تحالفاً يعرف باسم «الإتحاد»، الذي يقوده الآن ممثلو كارتلات سينالوا وخواريز وفالنسيا. وهذه الكارتلات تعمل سوية، ولكنها تظل منظمات مستقلة.

ويتصارع التحالفان الرئيسيان الآن للسيطرة على طرق التهريب الرئيسية، وخصوصاً عبر ريو غراندي من مدينة سيوداد خواريز بولاية تشيهواهوا في شمال المكسيك إلى مدينة ألباسو بولاية تكساس في جنوب الولايات المتحدة.

غير أن الأزمة أكبر بكثير من «قصة مدينتين» تتحدثان الإسبانية ويقيم فيهما مليونان ونصف مليون نسمة وتشكلان معاً الحاضرة الأوسع عالمياً عبر حدود بلدين، وكذلك الأسرع نمواً من أي من مكان آخر في العالم بأسره، ويعبر بينهما يومياً أكثر من 60 ألف شخص.

لا خيار غير الحرب

منذ انتخابه وتنصيبه في ديسمبر 2006، لم تترك كارتلات المخدرات أمام الرئيس المكسيكي فيليبي كالديرون خياراً غير اعلان حرب لا هوادة فيها ضد الجريمة المنظمة، بعدما صعدت الكارتلات أعمال القتل ضد ممثلي السلطات المدنية والعسكرية، التي كانت تحاول عبثاً منع تفاقم حرب التصفيات ومحاولات السيطرة بين الكارتلات.

ومع تسلمه السلطة، تحرك كالديرون بقوة ضد هذه الكارتلات في البلاد، فنشر ما يزيد على 50 ألف جندي عبر البلاد، محاولاً قبل أي شيء تطهير قوات الشرطة المحلية من الفساد ودافعاً باصلاحات للنظام القضائي عبر الكونغرس. بيد أن العنف استمر متصاعداً، فقتل ما لا يقل عن عشرة آلاف شخص في العنف المرتبط بالمخدرات منذ ديسمبر 2006.

وسعى كالديرون إلى الحصول على مساعدات أميركية لمعالجة المشكلة. وبالفعل قدمت الولايات المتحدة في إطار «مبادرة ميريدا» مساعدات خلال عام 2008 بلغت 400 مليون دولار وتضمنت معدات ونظم اتصالات، وأعدت خططاً لتقديم المزيد من التمويل خلال السنتين الجارية والمقبلة.

المكسيك أصبحت المورد الأجنبي الرئيسي للماريجوانا والمزود الرئيسي لمادة الميتامفيتامين إلى الولايات المتحدة. ورغم أنها لا تمثل سوى حصة صغيرة من انتاج الهيروين في العالم، فإنها المزود بالحصة الأكبر لمستهلكي الهيرويين في الولايات المتحدة. وبالإضافة إلى ذلك، فأن نحو 90 في المئة من الكوكايين الذي يدخل إلى الولايات المتحدة يأتي من المكسيك.

تحالفات وصراعات

وانطلقت أعمال العنف التي تمزق سيوداد خواريز حالياً من حرب عصابات بين حلفاء الأمس. من جهة، أسرة كاريو فوينتيس ورجلها في المدينة خوسيه لويس ليديزما، الملقب «جي أل»، ومن الجهة الأخرى المهربين في ولاية سينالوا، وعلى رأسهم خواكين غوزمان، المعروف بلقب «أل تشابو»، واسماعيل زامبادا، الملقب «أل مايو». لقد انهار التحالف الصعب بين هؤلاء منذ اغتيال رودولفو، أحد أشقاء فوينتيس، في سبتمبر 2004. ويعتقد على نطاق واسع أن غوزمان يقف وراء عملية القتل هذه.

ويعتقد البعض أن التوتر بلغ نقطة اللاعودة حين رفض زامبادا دفع ضريبة لكارتل خواريز لتهريب المخدرات عبر الأراضي التي يسيطر عليها. ومذذاك، بدأ غوزمان وزامبادا حرباً على كارتل خواريز، ورد ليديزما، أحد زعماء الجريمة المحلية بصورة عنيفة للغاية.

ويقول مسؤولون أميركيون إنه حتى في المعايير الغربية لتلك المناطق المحاذية للحدود الأميركية، حيث ينشط تجار المخدرات منذ فترة طويلة بتهريب البضائع عبر ريو غراندي، يوصف ما يحصل هناك منذ أشهر بأنه حمام دماء.

ويصف مسؤولون أميركيون ومكسيكيون كارتلات المخدرات بأنها تمرد تهريب يتسع نطاقاً. وتشهد ولايات المخدرات الأربع الرئيسية ما معدله 12 عملية قتل في اليوم الواحد، عبر كمائن ومعارك مسلحة وإعدامات وتقطيع جثث ورميها على جوانب الطرقات. وباتت الحياة اليومية في القرى والمدن، حيث يستحكم المهربون، تتميز بوجود الدوريات العسكرية على مدار الساعة وبعميات دهم قبل طلوع الفجر وبحواجز يقيمها جنود ملثمون.

تدخل الجيش

وفي تغيير تاريخي، نشر كالديرون قرابة 50 ألف جندي لمحاربة الكارتلات، بعدما كانت السلطات السابقة تعتمد على قوات الشرطة الضعيفة تقليدياً لمكافحة المهربين، الذين يمررون نحو 90 في المئة من الكوكايين الذي يدخل إلى الولايات المتحدة.

وتلقت الحكومتان الأميركية والمكسيكية معلومات تفيد أن أموال المخدرات وجدت طريقها إلى الإنتخابات البلدية والنيابية عام 2006. ويرى كالديرون ومستشاروه أن تأثير أموال كهذه يشكل خطراً جسيماً على الديموقراطية في البلاد، التي حكمت عقوداً من حزب سياسي واحد، هو الحزب الثوري المؤسسي، إلى أن انتخب سلف كالديرون، الرئيس فيتشينتي فوكس، عام 2000.

وهذه الولاية هي المنتج الأكبر لنبات الخشخاش، الذي يزدهر في المناطق الجبلية الوعرة، والمنتج الثاني للماريجوانا. ويشكل شاطئها الممتد على طول 320 كيلومتراً نقطة عبور للكوكايين الكولومبي الذي يدخل إلى المكسيك في طريقه إلى الولايات المتحدة.

ويتألف الخط الساحلي السريع من ممرين بين منتجعي أكابولكو وزيهواتانيو ليخترق قرى الصيد السمك وعبر أشجار المانغروف والشواطيء الخلابة. وهي أيضاً واحدة من الممرات الأكثر ازدحاماً في البلاد لتهريب المخدرات.

تقطيع رؤوس واعتقالات

وبحلول خريف 2008، أدت عواقب العنف إلى انتشار سياسة العسكرة في الولاية. وبدأت تظهر لافتات تهديد على طول الطرق السريعة. وفي واحد من المشاهد المروعة، خطف تسعة جنود وقطعوا إرباً في عاصمة الولاية.

وفي حادث آخر، اشتعلت النيران بأربعة من رجال الشرطة في وضح النهار إثر هجوم بقنبلة قرب منتجع ساحلي، وأطلقت النيران على رئيس بلدية سابق أمام ألف شخص تجمهروا في ساحة مكتظة لتتويج ملكة جمال المدينة.

وفي أحد الصباحات، ترك النقيب خوان هامبيرتو تابيا (38 سنة) منزله في تشيلبانسينغو إلى مقر المنطقة العسكرية الـ 35 للإلتحاق بعمله كاختصاصي في تكنولوجيا المعلومات، لكنه لم يعد قط إلى منزله في ذلك اليوم. وفي اليوم التالي، استفاقت تشيلبانسينغو للإحتفال بمهرجان الميلاد.

وقبل ساعات من ذلك، وجدت جثة تابيا في كيس بلاستيك أخضر عند قارعة طريق على مدخل المدينة. وعثر بجانب جثته المقطوعة الرأس جثث ستة جنود آخرين من المنطقة العسكرية ال35، لضابط سابق في الشرطة ومجنديه.

وعثر على رؤوسهم المقطوعة على مسافة أكثر من كيلومتر، في موقف سيارات تابع لنادي «سام».

ووجدت رسالة بجوار جثته تحذر من أن عشرة جنود سيقتلون مقابل مقتل كل مهرب على يد الجيش.

وفي أحد الأيام، دهمت قوات الجيش أحياء تحيط بالمدينة والشواطيء الرملية البيضاء والفنادق الفاخرة، واعتقلت تسعة رجال من أعضاء كارتل ليفا بيلتران. وفي صباح اليوم التالي، عبر جيب أمام مركز شرطة زيهواتينيو، ورمى أحدهم قنبلة يدوية في موقف للسيارات. وأدى الانفجار إلى إصابة خمسة عابرين والى تطاير الشظايا على واجهة المبنى.

وبعد أربعة أيام، هاجم مسلحون في وضح النهار أربعة من رجال شرطة زيهواتينيو بالقنابل اليدوية بينما كانوا في دورية على مشارف المدينة. وقضى الضباط الأربعة احتراقاً. وبعد أسبوع، قضى شرطي آخر رمياً بالرصاص أمام منزله. وترك المهاجمون لافتة كتبوا فيها: «أنا ذاهب إلى قتل كل شرطي، العين بالعين والسن بالسن».

وفي حادث آخر، اقتحمت عصابة مدججة بالسلاح على صلة واضحة بميليشيا المخدرات المعروفة بإسم «فاميليا»، مرقص «صن أند شايد» (الشمس والظل) في أوروابان، وهي منطقة مفضلة للمروجين في ميتشواكان، مسقط كالديرون. وألقى رجال العصابة خمسة رؤوس مقطوعة على حلبة الرقص، تاركين وراءهم رسالة جاء فيها أنه «على الجميع أن يعرفوا أن هذه هي العدالة الإلهية».

في مؤشر إلى توق السلطات لوضع حد للجريمة المنظمة في ألباسو، وضعت السلطات ملصقات تجنيد للشرطة عند أسفل نصب لتكريم القتلى من ضباط الشرطة. غير أنها وجدت في اليوم التالي شعارات عدة كتبت عند أسفل النصب.

حصيلة

منذ عام 2006، قتل أكثر من 15 ألف شخص في النزاع، بينهم مئات من رجال الشرطة والجنود والمدعين العامين والزعماء السياسيين، وفقاً لمؤسسة «ميلنيو» الإعلامية المكسيكية.

واعتقلت السلطات رمزاً آخر للكارتلات، هو هيكتور هويرتا ريوس في مدينة مونتيري الشمالية. ويتهم ريوس بأنه الناشط الرئيسي في شمال المكسيك لدى كارتل بيلتران ليفا الذي يتخذ من ساحل المحيط الهاديء قاعدة له.

وكذلك امتدت الحرب لتشمل مقتل إبن زعيم كارتل سينالوا، خواكين «أل تشابو» غوزمان لويرا الذي قتل خارج مركز تجاري في كولياكان، عاصمة ولاية سينالوا. كما قتل ابن المسؤول الأول عن غسل أموال كارتل سينالوا بلانكا مارغريتا كازاريس سالازار في هجوم نفذه 40 مسلحاً.

وعلى رغم ذلك، لا يزال العنف يتصاعد على طول الحدود الأميركية ـ المكسيكية، ووقعت هجمات في مكسيكو سيتي استهدفت مسؤولين أمنيين كباراً، عقب استهداف السلطات الزعماء الكبار لكارتل سينالوا. بكلام آخر، فإن عمليات القتل التي بدأت على مستوى منخفض للعملاء ارتفعت إلى ذوي الرتب العالية.

الحدود الأميركية ـ المكسيكية ـ علي بردى