تميّزت العلاقات بين بريطانيا «الجزيرة» وأوروبا «القارة» بحالة من التجاذب والتنافر على مدى عقود عديدة وحتى الفترة الراهنة. وتُبدي بريطانيا اليوم قلقها الكبير حيال فكرة قيام محور باريس- برلين- موسكو. ذلك أن مثل هذا المحور سوف يقلل من نفوذ الولايات المتحدة، سياسيا وإستراتيجيا، في أوروبا بينما لعبت بريطانيا دائما دور «حصان طروادة» الأميركي.

وبريطانيا لم تدخل في إطار مسيرة التوحيد الأوروبي حتى عام 1973 حيث كان الجنرال ديجول يعارض انضمامها قبل ذلك. ويرى مؤلف هذا الكتاب أنها دخلت في الإطار الأوروبي لأسباب اقتصادية ودبلوماسية تخدم مصالحها. لكنها حرصت باستمرار على أن لا يتعدّى الاتحاد الأوروبي مجرّد منطقة تبادل تجاري حر بعيدا عن أي مشروع إستراتيجي ودفاعي أوروبي مستقل عن الحلف الأطلسي. ولهذا مارست ما يسميه المؤلف بسياسة «فرّق تسد». لكن أوروبا لا تواجه «التحدّي البريطاني» فقط بل هناك تحديات نقص السكان وشيخوختهم ومواجهة التطرف ومشكلة الهجرة وتنافس القوى الكبرى، خاصة الأميركية والروسية والصينية، على موارد الطاقة وغيرها في المرحلة القادمة. لم تتردد مارغريت تاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا سابقا، من القول في عام 2000 في إطار محاضرة بجامعة ستانفورد في القول ما مفاده: «إن جميع المشاكل التي عرفتها في حياتي كان مصدرها القارة الأوروبية وكل الحلول جاءت من الأمم الناطقة باللغة الانجليزية. في القرن الحادي والعشرين، السلطة السائدة هي أميركا، واللغة العالمية هي الانجليزية والنموذج .. الموديل.. الاقتصادي هو الرأسمالية الانجلو-سكسونية. وتنبغي معارضة فرنسا باعتبارها مصدر جميع المحاولات الرامية إلى تقليص النفوذ الأميركي في أوروبا».

هذا المقطع الطويل من مداخلة لرئيسة وزراء بريطانيا السابقة، هو الذي يبرر العنوان الذي اختاره المؤلف للحديث عن موقف بريطانيا حيال فكرة قيام محور باريس برلين موسكو وجاء فيه انجلترا، حصان طروادة الأميركي. لم تستطع أية أمة أوروبية أن تفرض سيادتها على القارّة كلها في أية فترة من التاريخ. واليوم حيث تتردد فكرة إمكانية تحقيق وحدة أوروبا بطريقة سلمية تُبدي واشنطن ولندن معارضتهما الشرسة لذلك. ويرى المؤلف أن خيار بريطانيا الوحيد هو أن تبقى «حصان طروادة» الأميركي داخل الاتحاد الأوروبي أو أن تترك هذا الاتحاد كي تحتفظ بمقدار ما تريد بعلاقاتها الخاصة مع الولايات المتحدة. ذلك على خلفية أنها تعرّفت نفسها كجسر بين أميركا والقارة، الأمر الذي يعني كما يرى المؤلف، إقرارها أنها لا تشكل جزءا، بالتعريف، من القارة الأوروبية.

الهوية البريطانية... ويشرح المؤلف كيف أن انجلترا وكما يبيّن تاريخها وكما تشير جغرافيتها، تعارض القارة الأوروبية. والهوية البريطانية تجد مرجعياتها في أغلب الأحيان بعيدا عن القارة، بل تجدها، في أغلب الأحيان أيضا، في مواجهة القارة وشعوبها. وتعتبر انجلترا نفسها «جزيرة» منفصلة عن القارة، وبالتالي لا حدود حقيقية لها، مثل الكثير من الجزر. وكان إحساس بريطانيا في محادثات توحيد أوروبا خلال سنوات الخمسينات المنصرمة أن بلادهم لن تكون في عداد البلدان المعنية بتلك المسيرة. هكذا رفض البريطانيون الدخول في «المجموعة الأوروبية للفحم والحديد» عام 1950 وأظهروا عداءهم لمشروع الجيش الأوروبي الموحّد التابع للمجموعة الأوروبي للدفاع» عام 1951 وبقوا خارج المجموعة الاقتصادية الأوروبية عام 1957. بل قامت بناء على مبادرة بريطانية عام 1959 الجمعية الأوروبية للتبادل الحر ضمن إطار معاهدة ستوكهلم بغية جمع عدة بلدان أوروبية متفرقة يمكن أن تشكل وزنا مقابلا للاتحاد الأوروبي.

لكن اعتبارا من عقد الستينات بدأت لندن بمنعطف في اتجاه الاقتراب من أوروبا لأسباب اقتصادية ودبلوماسية، كما يشرح المؤلف. مع ذلك لم تنتسب بريطانيا للسوق الأوروبية المشتركة سوى في عام 1973 بسبب رفض الجنرال ديغول المستمر لانضمامها.

وقد كانت فرنسا آنذاك هي التي تقود واقعيا «القطار» الأوروبي. ورغم انضمام بريطانيا للمجموعة الاقتصادية الأوروبية بقيت أجواء من «الحذر» تسود في العلاقات بينها وبين فرنسا.

هكذا لم يتردد الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران من القول: «لقد صعد الانجليز في العربة الأخيرة من قطار أوروبا، ووصلوا في غضون سنوات إلى عربة القيادة.

فرّق... تسد

ما يؤكّده مؤلف هذا الكتاب هو أن مشروع انجلترا الوحيد يتمثل في إقامة «كومنولث» والبريطانيون ليس لهم مصلحة سوى بأوروبا لا هوية لها ولا تخضع بتسيير أمورها لسلطة حكومية واحدة.

وفي كل مرة جرت فيها محاولات لتوحيد أوروبا تحت هيمنة فرنسا في عهد نابليون أو تحت هيمنة ألمانيا في عهد غيّوم الثاني ثم ادولف هتلر، قامت بريطانيا بزرع العداء بين الفرنسيين والألمان.

وقد سادت بريطانيا في أوروبا حتى نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 حيث حلّت أميركا كقوّة مهيمنة. هكذا قبلت بريطانيا أن تصبح مستعمرة لمستعمرتها الأميركية السابقة.

ويشرح المؤلف أنه منذ انضمام بريطانيا إلى المجموعة الأوروبية عام 1973 طبّقت المقولة التي طرحها اللورد «بالميرستون»، أحد رؤساء وزراء بريطانيا في القرن التاسع عشر ،عندما قال: «المملكة المتحدة ..بريطانيا.. ليس لها حلفاء أبديّون ولا أعداء دائمون. لها فقط مصالح أبدية ودائمة».

ترجمة هذه المقولة في الحقبة الراهنة يجدها مؤلف الكتاب في أن بريطانيا حددت هدفها الوحيد من الشراكة الأوروبية في تحويل الاتحاد الأوروبي إلى منطقة للتبادل الحر والدفع من أجل ضمّ تركيا إلى «البيت الأوروبي المشترك» والعمل بطريقة لا تغدو فيها الـ 27 أو الـ 38 قوة كبيرة والسعي كي يكون صوت الولايات المتحدة مسموعا باستمرار في القارة الأوروبية وفرض اللغة الإنجليزية مكان اللغة الفرنسية كلغة عمل أولى في المفوضية الأوروبية ببروكسل.

وضمن مثل هذه الشروط يرى المؤلف أنه لا تنبغي الدهشة إذا كانت انجلترا تُبدي قلقها ولا توفر جهودها من أجل منع قيام محور فرنسي-ألماني يتعزز بانضمام روسيا إليه.

وتشير استطلاعات الرأي أن نصف الإنجليز يريدون خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي أو تقليص سلطاته وخمسهم فقط يوافقون على أن تحلّ العملة الأوروبية الموحّدة «اليورو» بدلا من أرباب العمل البريطانيين يرون أن الاتحاد الأوروبي قد فشل.

ولا يتردد المؤلف في القول أن بريطانيا سوف تبذل دائما جهودها كي لا يكون هناك دستور أوروبي حقيقي. تتم الإشارة في هذا السياق إلى الاستطلاع نصف السنوي ال52 لدى 16000 مواطن من مختلف بلدان الاتحاد لمعرفة مدى عمق الانتماء الأوروبي لديهم.

وكانت النتيجة هي أن 67 بالمائة من البريطانيين يعتبرون أنفسهم بريطانيين حصرا ولا شيء آخر و24 بالمائة يعتبرون أنفسهم بريطانيين أولا ثم أوروبيين ثانيا و3 بالمائة يعتبرون أنفسهم أوروبيين فقط.

من جهة أخرى ترى أغلبية البريطانيين أن بحر المانش، الذي يفصلهم عن القارة الأوروبية، أكثر عرضا من المحيط الأطلسي كله. وهم يؤكّدون بالتالي على تضامنهم الأطلسي أكثر من انتمائهم الأوروبي.

وقد كان توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا السابق، صريحا عندما قال بأشكال ومناسبات عديدة أنه لا يريد أن «تنتصب» أوروبا كمنافس لأميركا التي تقيم معها بلاده علاقات متميّزة وغير قابلة للمساومة.

ويذكّر المؤلف بالدعابة التي كان قد قالها ذات يوم الكاتب الساخر «برناردشو» وجاء فيها: «انجلترا وأميركا بلدان تفصل بينهما نفس اللغة». ولا يتردد المؤلف في القول أن انجلترا تحلم بانضمامها ذات يوم إلى «اتفاق التبادل الحر في شمال أميركا» الذي يضم الولايات المتحدة وكندا والمكسيك.

أما مصدر القلق الأكبر الذي تثيره بريطانيا بالنسبة لأوروبا فيتم تحديده بالقول ان «أوروبا الدفاعية» لن تقوم أبدا مع بريطانيا. ذلك على أساس أن البريطانيين يرون في قيام أية قوة عسكرية خاضعة حصريا للاتحاد الأوروبي تعني الشروع ببناء «جيش أوروبي» مآله هو أن يحل محل الحلف الأطلسي، وهذا ما لا يريده الانجليز أبدا.

وبعد شرح المؤلف لآليات توجه بريطانيا في الحقبة الراهنة والأكثر قربا اليوم للولايات المتحدة فما هو إلى القارة الأوروبية، يؤكد أنه على المدى «الطويل جدا»، وبمقدار ما تتعاظم الهجرة الآسيوية وهجرة الناطقين بالإسبانية (خاصة من المكسيك) إلى الولايات المتحدة سوف تعود انجلترا إلى الانتماء الأوروبي وستعترف يومها أن المحيط الأطلسي هو «أعرض» فعلا من بحر المانش.

التحدي الديمغرافي

ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول ان التحدي الديمغرافي هو أكبر التحديات التي تواجهها أوروبا في المرحلة المقبلة. وهذا ما اعتبره فلاديمير بوتين «كارثة» إذ «ليس هناك ثروة سوى البشر»، حسب جملة لـ «جان بودان» الفيلسوف الفرنسي الذي عاش في القرن السادس عشر. بداية الانحسار السكاني الحالي يحددها المؤلف بعام 1750 بالنسبة لفرنسا و1901 بالنسبة لألمانيا و1928 بالنسبة لروسيا.

وإلى جانب تناقص عدد السكان، وأحيانا بنسبة كبيرة كما في روسيا بأفق العقود القليلة المقبلة، هناك نقطة ضعف أخرى في هذا الميدان تتمثل في «شيخوخة» السكان. ففي أفق عام 2050 سيمثل عدد سكان بلدان الاتحاد الأوروبي ال27 نصف عدد سكان الولايات المتحدة التي تجدد سكانها وستتابع موجات الهجرة إليها. وتتم هنا ملاحظة أن فرنسا ستشهد «مقاومة» أكبر للانحسار السكاني من البلدان الأوروبية الأخرى ولكن دون إيجاد حلول جذرية للمشكلة.

الوجه الآخر لتحدي تناقص عدد السكان هو تحدي الهجرة الوافدة من خارج القارة الأوروبية إلى بلدانها الرئيسية. هذا في الوقت الذي يدرك فيه الاتحاد الأوروبي أكثر فأكثر أنه عاجز عن إيجاد حل لمشكلة الهجرة ذات الكلفة العالية». وهناك توجه أخير في أوروبا يتمثل في «تشجيع» الهجرة من بلدان أوروبا الشرقية إلى بلدان غربها.

العلاقة مع المسلمين

ومن التحديات التي تواجهها أوروبا، ويؤكد عليها المؤلف، هناك العلاقة مع العالم الإسلامي وذلك على خلفية المسار التاريخي الذي عرفته الحضارتان.

وكان من تفجيرات 11 سبتمبر 2001 أن زادت من أجواء الحذر والتي أعطت المصداقية لأطروحة صموئيل هنتنجتون الخاصة بـ «صدام الحضارات».

ويؤكد المؤلف على التداخل الكبير بين المسائل المتعلقة بالطاقة وبالخلافات العقائدية وبالتنافس بين أميركا وروسيا في منطقة القوقاز أولا وأساسا. وكذلك في منطقة آسيا الوسطى حيث تدخل الصين في المنافسة.

هذا إلى جانب الرهانات الإستراتيجية لكل من اوكرانيا وبيلوروسيا. والرهان السيبيري خاصة تطلعات الصين نحو هذه المنطقة الغنية بموارد الطاقة و«عندما تستيقظ الصين يرتجف العالم»، كما ينقل المؤلف عن نابليون بونابرت.

المؤلف في سطور

يحمل مارك روسيه، مؤلف هذا الكتاب، شهادة الدكتوراه بالعلوم الاقتصادية. وكان قد أنجز دراساته في جامعتي كولومبيا وهارفارد.

عمل لمدة عشرين عاما مديرا في عدة مجموعات اقتصادية كبرى مثل «افينتيس» و«كارفور». سبق له وقدّم العديد من الكتب . في عدادها «من أجل تجديد المؤسسات» الذي كتب مقدمته رئيس وزراء فرنسا الأسبق ريمون بار، و«أوروبا الجديدة في عهد شارلمان» الذي نال جائزة أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية. وإلى جانب اهتماماته الاقتصادية برز مارك روسيه كأحد الباحثين الإستراتيجيين الأوروبيين الكبار.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: غودفروا دو بويون ـ باريس ـ 2009