يشكل الثنائي الفرنسي الألماني المحرّك الأساسي لمسيرة التوحيد الأوروبي.
لكن قوة أوروبا تحتاج إلى قيام محور باريس.. برلين.. موسكو، كما تقول الأطروحة الأساسية في هذا الكتاب.
إن مثل هذا المحور يثير خشية الولايات المتحدة جديا، هذا ما تقوله تصريحات الكثير من سياسيي أميركا ومفكريها. لكن هذا لا يمنع ضرورة قيام مثل هذا المحور لأسباب اقتصادية وديموغرافية وسياسية وإستراتيجية. اقتصاديا يمكن أن يؤدي قيام محور باريس.. برلين.. موسكو إلى التكامل بين ثروات روسيا على صعيد الطاقة مع القوة الاقتصادية الفرنسية والألمانية وقوة الاستثمارات فيهما. ويمكن للتعاون العسكري أن يمثل التحالف العسكري وسيلة كي تصبح أوروبا قوة فاعلة في العالم وتعزز من التوازن فيه وتخفف من التوترات. هذا خاصة أن روسيا لم تعد مصدر تهديد إستراتيجي لأوروبا بل، بالعكس، عنصر حماية. ولم تعد روسيا وألمانيا اللتان تعانيان من انحسار عدد سكانهما تشكلان تهديدا بالتوسع، بل تخشيان توسع قوى أخرى على حسابهما. وبالنتيجة، يمثل قيام محور باريس.. برلين.. موسكو السبيل الأمثل لقيام أوروبا قوية. «إذا كانت المصالحة التاريخية بين فرنسا وألمانيا قد شكّلت أحد الشروط الأساسية من أجل التكامل في أوروبا الغربية، فإن الشراكة بين روسيا وألمانيا وفرنسا تمثل اليوم العامل الإيجابي الأكبر للحياة الدولية وللحوار الأوروبي». هذه هي الجملة التي ينقلها المؤلف عن الرئيس الروسي السابق ورئيس حكومة روسيا الحالي فلاديمير بوتين. هذا كمدخل للحديث عن محور «باريس، برلين، موسكو» باعتباره «سبيل المستقبل الوحيد» بالنسبة لأوروبا.
وتدل أقوال أخرى منقولة عن بوتين على تأكيد انتماء روسيا إلى القارة الأوروبية و«إلى العائلة الأوروبية الكبرى»، وأنه من مصلحة الجميع «وخاصة بالنسبة للشعب الروسي»، وبقية الشعوب الأوروبية أن يجتمع «شمل القارة» من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ، الباسفيكي، أي إلى أبعد مما طالب فيه الجنرال شارل ديغول بتوحيد أوروبا من المحيط الأطلسي إلى جبال الأورال. ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن محور باريس، برلين، موسكو يمثل خطرا حقيقيا بنظر الولايات المتحدة. ويعتمد في هذا الرأي على العديد من أقول الأميركيين أنفسهم، وهكذا ينقل عن الكاتب الأميركي المحافظ «جون هولسمان» ما مفاده: «إن مجمل العوامل تدل على أن فرنسا وألمانيا وروسيا تمتلك ضمنا جميع مقوّمات قوة كبرى قادرة على الصعيد العالمي أن تشكّل وزنا مقابلا للولايات المتحدة ففرنسا تساهم بصياغة التوجهات السياسية والإيديولوجية وألمانيا بالقوة الاقتصادية وروسيا بالقدرات العسكرية».
وكان ريشارد بيرل، أحد «صقور» إدارة جورج دبليو بوش، قد شجب بعنف في شهر نوفمبرمن عام 2003، «الميل القوي الذي تبديه فرنسا وألمانيا للتعبير عن تضامنهما بأبسط المناسبات». كان ذلك في سياق معأرضتهما قبل أشهر للحرب ضد العراق.
وكتب المفكر الأميركي توماس فريدمان قبل ذلك بفترة في النيويورك تايمز ما مفاده: «لقد حان الوقت الذي ينبغي فيه على الأميركيين فهم أن فرنسا ليست حليفنا المزعج فحسب، ولكنها أصحبت عدوّنا».
واعتبر مايكل ليدن، المقرّب من الرئيس السابق بوش، أن فرنسا وألمانيا أصبحتا «عدوّين إستراتيجيين» للولايات المتحدة.
قوة المحور
يتساءل المؤلف. ويجيب أن الأميركيين الذين يطلبون من حلفائهم التصرّف كتابعين لهم ولا يقبلون فكرة وجود عالم متعدد الأقطاب يخشون أكثر من أي شيء آخر بروز قوة أوروبية حقيقية. ولذلك هم يشجبون اليوم أفق قيام أوروبا موحّدة ويبذلون خاصة أقصى الجهود الممكنة لمنع قيام مصدر خشيتهم الأعظم المتمثل في تحقيق محور باريس.. برلين..موسكو.
باريس.. برلين..موسكو، لماذا؟
الأسباب الأساسية التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب هي من طبيعة اقتصادية وعسكرية وديموغرافية وسياسية وإستراتيجية.
وفي طليعة الأسباب الاقتصادية التأكيد أنه لا يمكن لأوروبا أن «تنبذ» روسيا التي تؤمّن لها 30 بالمئة من استهلاك الغاز الطبيعي و25 بالمئة من البترول.
وهناك اليوم ثلاثة بلدان قادرة على تأمين الغاز لأوروبا على المدى الطويل، هي روسيا وقطر وإيران. وبالتالي تشكل روسيا الاختيار الأكثر سهولة.
كذلك من المناسب تطوير الشراكة الإستراتيجية الفرنسية الروسية الألمانية القائمة على ركيزتين أساسيتين، هما الثروات في موارد الطاقة وقدرة الاستثمار الكبرى. ثم إن المجموع الذي يشكله هذا المحور فيه عدد هام من السكان وصناعاته متقدّمة ويمتلك ثروات كبيرة بالمواد الأولية.
وعلى الصعيد العسكري يرى المؤلف أن التعاون العسكري في هذا القرن الحادي والعشرين بين أوروبا وروسيا لا يمثل وزنا مقابلا للقوة الأميركية وللحلف الأطلسي فحسب، ولكنه يمثل أيضا تحالفا إضافيا لأوروبا في مواجهة أخطار جيوسياسية ممكنة قد يكون مصدرها الإرهاب والخطر النووي والأزمة الاقتصادية والقوة الصينية.
هذا خاصة أنه ليس من المؤكّد أن الولايات المتحدة ستتدخل دائما نظرا لمصالحها الخاصة ولتطوّر موازين القوى أو للمخاطر القائمة.
بالمقابل يرى المؤلف أنه يمكن لأوروبا أن تتعاون في مشاريع صناعية دفاعية، تبعا لمصالحها، مع كل من موسكو وواشنطن.
ويرى في مثل هذا السياق أنه من المطلوب إنشاء قيادة أوروبية مشتركة. ذلك أن الأوروبيين في الحالة التي هم عليها الآن محكومون بالعجز الذي ينهي الأمل بإمكانية أن يكونوا وزنا مقابلا للقوة الأميركية الهائلة.
إمكانية البقاء على الحياد
ويرى المؤلف أن التعاون الأوروبي مع كل من واشنطن وموسكو يوفر لأوروبا إمكانية البقاء على الحياد في حالة نشوب نزاع بينهما، أو ربما أن تميل لأحدهما تبعا لمصالحها، ودون أن تكون تابعة بشكل إلى الحليف الأميركي الكبير مثلما هو الأمر الواقع حاليا في إطار منظومة التحالف الأطلسي.
ويمكن لأوروبا عبر «عدم التبعية» لأحد أن تجد وسيلة ذكية لتصبح قوة فاعلة «وسط العالم» بحيث تساهم في تخفيف التوترات الممكنة دائما بين روسيا والولايات المتحدة.
وتؤكد التحليلات المقدّمة أن أوروبا تدرك بالتدريج أن روسيا لم تعد مصدر تهديد إستراتيجي فحسب، ولكنها أصبحت عاملا مساعدا في تعزيز أمنها العسكري.
وينقل المؤلف عن المفكر الفرنسي ايمانويل تود، صاحب كتاب «ما بعد الإمبراطورية»، ويقصد «الإمبراطورية الأميركية» قوله:
«إذا كانت علاقات أميركا مع العالم قد انعكست وانتقلت من الحماية إلى العدائية المحتملة فإن علاقات روسيا مع العالم قد انعكست أيضا وانتقلت من العدائية المحتملة إلى الحماية».
ويجد محور باريس.. برلين.. موسكو تبريره أيضا في الأسباب الديموغرافية.
وتدل مؤشرات الإحصائيات المتوفرة على أن ألمانيا سوف تفقد في أفق عام 2035 حوالي 7,7 مليون عامل قادر على الإنتاج مقابل 7,1 مليون بالنسبة لفرنسا.
وستكون الخسارة أكبر في روسيا حيث سيتناقص عدد السكان كثيرا.
كذا لن تبحث ألمانيا وروسيا، اللتان تعانيان من انحسار ديمغرافي، عن التوسع، بل على العكس سوف تبحثان عن تحالفات دفاعية وعن توازن جيوسياسي.
ولا يمكن لأوروبا التي تقلّصت مساحتها بعد الحرب العالمية الثانية وتضاءل عدد سكانها أن تكون القوة الكبرى في قلب أوروبا.
ولم يعد الأوروبيون، لنفس الأسباب، في موقع الخشية من روسيا التي تخشى بالأحرى اجتياحها من أفواج المهاجرين من القوقاز وآسيا الوسطى ومن الصين.
الرمز الكبير لأهمية قيام محور باريس.. برلين.. موسكو يجده المؤلف في الموقف من التدخل الأميركي في العراق. فهذا التدخل قوبل ب ـ »لا» من ألمانيا بعد عقود من الانصياع الكامل، وعزز الثنائي الفرنسي ـ الألماني وتقاربه مع روسيا. وما يؤكده المؤلف في هذا السياق هو أن قيام أوروبا قوية لا يمكن تحقيقه سوى بالتحالف بين باريس وبرلين وموسكو وليس ضمن إطار الاتحاد الأوروبي.
القدامى والجددكيف تنظر كل من باريس وبرلين وموسكو إلى فكرة إقامة محور إستراتيجي للقوى الثلاث؟
يحدد المؤلف القول أن الجنرال شارل ديجول كان قد تمنّى قيام «أوروبا كبرى» تمتد من الحلف الأطلسي حتى جبال الأورال والخروج من الحلف الأطلسي وإنشاء قوة تدخل سريع والنضال ضد الدولار.
وتبقى فرنسا هي «الحلقة الضعيفة» في الحلف الأطلسي اليوم وتجد ما يدعم مواقفها لدى ألمانيا ولدى روسيا التي ينتابها الحنين لفترة المجد السوفييتية. ويرى المؤلف أنه ينبغي على الدبلوماسية الفرنسية أن تلعب دور المحرّك في التعاون الأوروبي ـ الروسي في منظور مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.
وبالنسبة لألمانيا سيكون عليها الاختيار في أجل قريب بين الانحياز إلى واشنطن أو التطلّع إلى دور عالمي على أساس تعدد الأقطاب في العالم والاعتماد على الحليف الروسي.
وتمثل الشراكة الاقتصادية صميم التقارب الأوروبي الروسي، والاعتماد على فرنسا من قبل ألمانيا يجعل هذه الشراكة أكثر توازنا. كما أن ألمانيا تشكل الجسر الذي لا يمكن الاستغناء عنه بين باريس وموسكو.
وكان بسمارك قد رأى في تحالف «الأباطرة الثلاثة» أي إمبراطور ألمانيا وإمبراطور روسيا وإمبراطور النمسا.. هنجاريا، الصيغة السحرية التي يمكنها أن تكون حجر الزاوية لأي تنظيم للقارة الأوروبية ولموازنة العلاقات بين «أوروبا القديمة» ذات التصنيع المتسارع وبين العالم الانكلوسكسوني «السائد» في البحار والذي تقوم قوته على أساس التقارب الوثيق والدائم بين ضفتي المحيط الأطلسي.
البيت المشترك
ومن وجهة النظر الروسية تدرك موسكو أنها، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وفقدان دورها كقوة عظمى، لن تستطيع استعادة موقعها إلا مع أوروبا ذات الحضور الأكبر على المسرح الدولي. مشروع محور باريس.. برلين.. موسكو يمكن أن يقدّم لروسيا فرصة النهوض بعد نهاية الاتحاد السوفييتي.
بالتالي من المطلوب، حسب رؤية موسكو، استئناف البحث عن تحقيق فكرة «البيت الأوروبي المشترك» وإقصاء البلدان الأوروبية إلى أبعد ما يمكن عن الولايات المتحدة.
القوة الصناعية والتكنولوجية والمالية الأوروبية يمكن أن تضاف للقوة العسكرية والنووية وللثروة بمواد الطاقة الروسية. ويمكن بالاعتماد على فرنسا وألمانيا، القوتين الكبيرتين ل ـ »أوروبا القديمة» في الغرب، إيجاد وزن مقابل لأميركا. وبالاعتماد على روسيا الشاسعة، إيجاد قوة صدّ في مواجهة آسيا الوسطى وأيضا في مواجهة الصين بسيبيريا.
وفي المحصلة يرى المؤلف أنه عبر محور باريس..برلين.. موسكو يمكن الإجابة على سؤال طرحه ذات يوم هنري كسنجر «متهكّما» على أوروبا عندما قال:
»أوروبا، ما هو رقم هاتفها»؟ للإشارة على تبعثرها.
الإجابة المقترحة هي أن هناك ثلاثة أرقام ويمكن الاتصال بأي منها، حسب المشكلة، وهي باريس أو برلين أو موسكو.
وينقل المؤلف عن الكاتب فلاديمير فولكوف، أنه سأل ذات يوم دبلوماسي أميركي:
«أنا لا أفهم هل تريدون أن تقوم أوروبا أو لا تقوم»؟
فأجاب الدبلوماسي: «نريدها أن تقوم، ولكنها أن تقوم بشكل سيئ».
محور باريس.. برلين.. موسكو يشكل وسيلة كي تقوم... وبشكل جيد، يكتب المؤلف.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: غودفروا دو بويون ـ باريس ـ 2009


