يبقى الدمار الواسع والخراب الممتد سيد الموقف في غزة، حيث تواجه ألوف العائلات الفلسطينية حالة التشرد مع معاناتها من برد الشتاء القارس. ولا يزال كثير منها يعيش في خيام وسط أنقاض المنازل. ويتطلب الواجب الإنساني من الحكومة البريطانية والاتحاد الأوروبي الارتقاء بمسؤوليتهما الدولية لمساعدة أكثر من 5,1 مليون فلسطيني محاصرين هناك بصورة محكمة.
وعلى النقيض من الوضع المأساوي في غزة، نرى البلدات والمستوطنات الإسرائيلية في الجنوب آخذة في الازدهار والنمو السكاني، عقب وقف إطلاق النار قبل عام، ويزداد فيها بناء المجمعات السكنية ومراكز التسوق على نطاق واسع.
ولا يعود سبب عدم إعادة الإعمار في غزة إلى أي افتقار للتعهدات الدولية بالمساعدة، لكن السبب هو سياسة الإغلاق الإسرائيلية الصارمة. وقد فرضت إسرائيل حصارها الشامل على القطاع منذ منتصف عام 2007، مما حال دون إعادة بناء ألوف المنازل والمدارس والمستشفيات وجعل ذلك مهمة مستحيلة.
ويوضح تقرير أصدرته الوكالات الإنسانية ووكالات حقوق الإنسان، مؤخراً، العواقب الوخيمة لهذه السياسة الإسرائيلية الظالمة. ويشير التقرير إلى أنه لم يدخل غزة منذ نهاية الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي عرف بالاسم الرمزي «الرصاص المسكوب»، سوى 41 شاحنة محملة بمواد البناء.
ومع الدمار الواسع في البنية التحتية المدنية في القطاع، تشير تلك الوكالات إلى الحقيقة المجردة والواضحة للعيان، وهي أن مهمة إعادة الإعمار وترميم آلاف المنازل بمفردها تتطلب الألوف من حمولات الشاحنات من مواد البناء.
ولا يبدو هذا العمل الإسرائيلي غير ملائم فحسب، فالافتقار لإعادة البناء في غزة فاقم بشكل كبير سلسلة لا تنتهي من المشاكل الناجمة عن نقص المواد، مما أثر بشكل خطير على الحياة اليومية والصحة العامة للفلسطينيين هناك. ويعني الإغلاق الحرمان أو تأخير وصول الوقود والسلع التجارية والمساعدات الإنسانية.
لو أخذنا على سبيل المثال الكهرباء في غزة، فقد تعرضت أجزاء من الشبكة الكهربائية للقصف خلال الحرب الأخيرة وهي تتطلب إصلاحات عاجلة. يضاف إلى ذلك مواصلة إسرائيل قيودها في إدخال الوقود الصناعي إلى غزة. وهذا يعني أن 90% من سكانها يعانون من انقطاع منتظم للكهرباء لمدة تتراوح بين 4 و 8 ساعات يومياً. ولا يتحمل هذا العبء الكبير من الحصار سوى العائلات الفلسطينية العادية.
وعلى الرغم من تعهد المجتمع الدولي بتخصيص مبلغ 4 مليارات دولار لإعادة بناء ما دمرته الحرب في قطاع غزة، لم ينفق من هذا المبلغ سوى النزر اليسير، بسبب سياسة الحصار الإسرائيلية. ولا تسمح إسرائيل سوى بإدخال نحو 35 سلعة من خلال المعابر التي تسيطر عليها إلى القطاع بصورة منتظمة. ولها تعريفات محدودة جداً ومتغيرة على الدوام من المواد التي تعتبرها ضرورية.
وهذه القائمة تفتقر لألوف السلع والمواد التي يحتاج إليها الفلسطينيون في الظروف العادية، وهي مفتقدة بشدة عندما يكون الأمر متعلقا بإعادة الإعمار، لأن مواد البناء غائبة تماماً عن القائمة الإسرائيلية لما هو مقبول.
ويجب علينا ألا ننسى الحقيقة الجوهرية القائلة: إن الهجوم الإسرائيلي على غزة نفذته قوة محتلة على منطقة واقعة تحت الاحتلال، ولا يوجد مجال للنسبية الأخلاقية في مسائل تتعلق بالقانون الإنساني الدولي. وعلى هذا الأساس تتحمل إسرائيل مسؤولية ضمان توفير المواد والحاجات الأساسية للفلسطينيين الواقعين تحت احتلالها. وهذا ما تنص عليه معاهدة جنيف الرابعة بوضوح تام. ويترتب على الفشل في تحقيق ذلك انتهاك خطير للحقوق الأساسية للفلسطينيين.
وفي هذا الصدد، علينا أن نتذكر المانحين الدوليين، فجميعنا كدافعي ضرائب ندفع فاتورة عواقب الاحتلال والإغلاق. وقد ارتفعت الكلفة الواجبة على الاتحاد الأوروبي خلال عام واحد إلى نحو مليار جنيه إسترليني.
وتساعد الضرائب الأوروبية على بناء المدارس والعيادات وإعادة إعمارها وترميمها عندما تكون واقعة على الخطوط الأمامية، وقد ساعد الإغلاق على تزايد اعتماد غزة بصورة متسارعة على الإغاثة الدولية، حيث يصطف أكثر من 80% من السكان يوميا في طوابير طويلة للحصول على المعونة الغذائية.
ومع فشل الإدارة الأميركية والرئيس أوباما في ممارسة الضغط على إسرائيل نتيجة الانهماك في الحرب الأفغانية والسياسات المحلية، يؤمل أن يقوم الاتحاد الأوروبي بدور أكثر فعالية على المسرح الدولي، وأن يساهم في إعادة إعمار المساكن المدمرة ولم شتات العائلات الممزقة في غزة.
بقلم ـ كريس باتن - ترجمة: عمر حرز الله
