النقاش طويل منذ سنوات في أوروبا حول المفهوم الدفاعي. الولايات المتحدة، وكما جاء على لسان العديد من مسؤوليها وسياسييها، ترى في استقلال أوروبا دفاعيا تهديدا للهيمنة الأميركية في العالم.

لكن بالمقابل تقدّم أميركا جهودا استثنائية على الصعيد الدفاعي بحيث أن نفقاتها العسكرية تعادل نصف النفقات العالمية وتزيد عن ضعف الإنفاق العسكري لبلدان الاتحاد الأوروبي الـ 27.

ومن هنا ترتفع الأصوات في أوروبا الداعية لـ «الإنفاق أكثر»، ولكن أيضاً «الإنفاق أفضل» عبر التنسيق و«الإنفاق من قبل الدول الأوروبية معاً»، من أجل الاقتصاد والفعالية.

وفي إطار معطيات الوضع القائم بعد نهاية الحرب الباردة أصبح الحلف الأطلسي يشكل «ذراع» الولايات المتحدة وليس في أوروبا فقط ولكن في مختلف مناطق العالم.

والأميركيون هم الذين يسيطرون تماما على الحلف وهم الذين يقررون مسارح العمليات التي يشارك فيه. لكن هذا لا ينفي واقع أنه غارق في الورطة الأفغانية عبر حرب دائرة منذ سبع سنوات.

ويبقى أحد الأهداف الأساسية للحلف الأطلسي بالنسبة لأميركا هو محاصرة روسيا و«تحجيمها».

«أوروبا الدفاعية هي خنجر موجه لقلب الحلف الأطلسي»، هذا ما قاله ذات يوم «جون بولتون» المستشار المقرّب للرئيس جورج دبليو بوش أثناء رئاسته.

وشرح زبيجنيو برزنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، وجهة نظر الولايات المتحدة، للمفهوم الدفاعي الأوروبي بالقول: «إن أوروبا صاعدة في الميدان العسكري ستكون منافسا كبيرا لأميركا. وسوف تشكّل بالقطع، تحديا للهيمنة الأميركية. وأوروبا قوية سياسيا، وغير تابعة عسكريا للولايات المتحدة، ستشكك، بالضرورة، بالسيطرة الأميركية وستحدّ من تفوّق الولايات المتحدة في منطقة المحيط الهادئ، الباسفيكي».

ماذا عن الدفاع الأوروبي؟

لا يقال كثيرا أن ال500 مليون أوروبي ينفقون بمجموعهم ما يعادل 180 مليار يورو أي أقلّ بمرتين مما ينفقه 300 مليون أميركي، أي 515 مليار دولار. والأوروبيون لا ينفقون أقل من الأميركيين فحسب، ولكنهم ينفقون بصورة سيئة.

كما يقول المؤلف، فنفقاتهم العسكرية موزّعة بين 25 ميزانية وطنية وقوّاتهم المسلّحة لا تزال تتبنّى مفهوما دفاعيا موروثا عن فترة الحرب الباردة في الوقت الذي تحتاج فيه أوروبا اليوم إلى قوات مسلّحة «متحرّكة» يمكن نقلها بسرعة إلى أي مكان خلال مدة قصيرة. ونتيجة هذا الوضع هي أن القدرة الأوروبية لنشر القوات في مسارح عمليات خارجية هي أقل بعشر مرات مما هي لدى الولايات المتحدة.

إن بعض الأرقام التي يقدمها المؤلف تبيّن الفارق بين أوروبا والولايات المتحدة على الصعيد الدفاعي. في عام 2007 بلغت الميزانيات الأوروبية مجتمعة للبحث والتكنولوجيا «حوالي 10 مليارات يورو، أي خمس الميزانيات الأميركية البالغة 53 مليار يورو. وميزانية وكالة أميركية واحدة للدفاع هي وكالة «داربا» تبلغ 3 مليارات يورو في السنة، أي تتجاوز جميع النفقات الأوروبية المتعلقة بالدفاع.

انفاق أكثر

المطلوب في مواجهة هذا الوضع يحدده المؤلف نقلا عن «خافيير سولانا» ممثل الدبلوماسية الأوروبية، بالقول: «إن مواجهة التهديدات الحالية تستدعي الإنفاق أكثر والإنفاق أفضل وخاصة الإنفاق معاً».

وتتم الإشارة هنا إلى أن بلدين أوروبيين فقط يخصصان ميزانية للدفاع تستحق هذه التسمية. وهما بريطانيا التي تكرّس 1,2 بالمئة من إجمالي إنتاجها الداخلي للدفاع وفرنسا 85,1 %منه للدفاع. وتمثل نفقاتهما الدفاعية معاً 40 بالمئة من الميزانيات المكرّسة للبحث والتطور التكنولوجي. ولا تنفق ألمانيا «المسالمة» سوى 30,1 بالمئة من دخلها القومي للدفاع ومقابل هذا كله تكرّس الولايات المتحدة 4,3 بالمائة من دخلها القومي للدفاع، أي ما يمثل نصف الإنفاق العالمي للتسلّح.

وكانت قد أنشئت ببروكسل عام 2005 وكالة أوروبية للدفاع داخل إطار الاتحاد الأوروبي ومرتبطة مباشرة بأمانة مجلس وزراء الدفاع وليس بالمفوضية الأوروبية. مهمة هذه الوكالة هي تحديد احتياج الدول الأعضاء من التجهيزات وتجنّب الإنفاق المزدوج لنفس الغرض. وباختصار إيجاد سياسة أوروبية حقيقية للدفاع. ولا يتردد المؤلف في القول أن هذه الوكالة كانت ضحية «حصان طراودة» البريطاني.

ذلك أن بريطانيا عملت كل ما في وسعها من أجل عدم قيام صناديق أوروبية مشتركة للدفاع، هذا في الوقت الذي تستورد فيه أوروبا 30 بالمائة من تجهيزاتها العسكرية من الولايات المتحدة مقابل 1 بالمائة فقط في الاتجاه المعاكس.

وفي عام 1999 حاولت البلدان الأوروبية ال15 آنذاك في قمة هلسنكي إنشاء «قوة تدخل أوروبي سريع». كان الهدف هو التوصل إلى إمكانية نشر 60000 جندي خلال 60 يوماً والقدرة على إبقائها حتى بعد 400 كيلومتر من الحدود خلال عامين.

ذلك في منظور تنفيذ مهمات إدارة أزمة ما أو لعب دور قوة لحفظ السلام حيث لا تريد الولايات المتحدة المشاركة. لكن في الواقع لا تزال الولايات المتحدة هي التي تقوم بالمهمات الكبرى وتنفذها على هواها.

جيوش لحفظ السلام

وينقل المؤلف عن رئيس أركان الجيش الأميركي السابق «شلتون»، قوله عن الأوروبيين أنهم «يساعدون العجائز على تجاوز الطريق في بريستينا». وإن حلم الولايات المتحدة هو أن لا تمتلك أوروبا سوى «جيوش هدنة» و«جيوش شرطة»، على صورة «جمهوريات الموز»، أي بلا هدف وبلا أية قدرة دفاعية حقيقية عن القارة. باختصار ترى الولايات المتحدة أن قوة التدخل الأوروبي السريع مفيدة لحفظ السلام ولكن ليس لخوض الحرب.

وقامت كذلك محاولات أوروبية أخرى في أفق تعزيز القدرة على نشر القوات خارج الحدود في مدة قصيرة، مثل «المجموعات الأوروبية للمعركة السريعة» البالغة 13 مجموعة.

ورغم أن بريطانيا كانت مع فرنسا في أصل صياغة مفهومها، فإن واشنطن لا تنظر بعين الرضى لهذه المجموعات على اعتبارها خطوة نحو دفاع أوروبي مستقل. وكانت باريس وبرلين وبروكسل ولوكسمبورغ قد طالبت في ربيع عام 2003 بضرورة «تعزيز القدرات العسكرية لأوروبا». اقتراح «عصابة الأربعة» أثار أيضاً غضباً شديداً في واشنطن.

ذراع أميركا

ينقل المؤلف عن زبيجنيو برزنسكي، مستشار الأمن القومي الأميركي السابق، قوله أن نقطتي الاستناد الرئيسيتين للولايات المتحدة هما «المحميتان في أوروبا واليابان»، وبدونهما لن تكون هناك قوة أميركية عالمية. وكان مفهوم النظام الدولي الجديد قد ساد إثر نهاية الحرب الباردة والسيطرة الأميركية بلا منازع التي أعقبت ذلك.

ويهدف الحلف الأطلسي «الناتو» في السياق الحالي إلى امتلاك قدرة القيام في كل لحظة بثماني مهمات عسكرية في العالم. ويمكن أن يعني ذلك القيام بعمليتين عسكريتين كبيرتين يشترك في كل منهما 60000 جندي وست مهمات أصغر بواقع اشتراك ما بين 20000 إلى 30000 جندي في كل منهما. هذا يعني التوصل إجمالا إلى إمكانية نشر 300000 جندي.

والحلف الأطلسي خاضع تماما للسيطرة الأميركية ذلك أن قيادة «العمليات» تعود إلى قائد القوات الأميركية في أوروبا. ويشير المؤلف أن الحلف يعني واقعيا أن الاتحاد الأوروبي لا يطمح إلى تأمين الدفاع عنه جماعيا، بينما أن أوروبا تكرّس جهودها لإدارة الأزمات إذا حصلت.

والحلف ليس سوى الوسيلة لتقديم الجنود للولايات المتحدة التي أصبحت تمانع أكثر فأكثر إرسال جنودها إلى الخارج. ويقوم الحلف اليوم بعمليات عسكرية في أفغانستان وإنسانية في باكستان وبحوار سياسي في الشرق الأوسط. وتدخلاته خارج حدوده الجغرافية لا تلقى الترحيب لدى بعض الأوروبيين.

وقد تجاوز الحلف الأطلسي «تطلّعه الأوروبي» كي تشارك قواته على مسارح عمليات أخرى. ومن الواضح أنه يتطلع تحو المحيط الهادئ حيث يمكن لليابان أن تكون بعد سنوات عضوا في «نسخة موسّعة للحلف الأطلسي». والولايات المتحدة وبريطانيا تريان في التعاون مع اليابان تعزيزا لدور هذه المنظمة التي وسّعت مناطق تدخلها كي تطال مختلف أصقاع العالم منذ تفجيرات 11 سبتمبر 2001.

لكن بعد 17 سنة من انهيار جدار برلين يلعب الحلف الأطلسي مصداقيته ومستقبله في أفغانستان التي قهرت الجيش البريطاني في القرن التاسع عشر ثم قهرت السوفييت في القرن العشرين.

هكذا وبعد فشل الجيش الأميركي وحده في تحقيق أهدافه في أفغانستان دخلت «القوة الدولية للمساعدة على الأمن» العاملة بموافقة الأمم المتحدة وتحت قيادة الحلف الأطلسي في «حرب السنوات السبع» حتى الآن. والغربيون الذين كان عددهم 17000 جنديا عام 2003 أصبح عددهم 70000 عام 2008.

وهنا يردد المؤلف مثلا شعبيا أفغانيا يقول ما مفاده: «من السهل الدخول إلى أفغانستان، لكن ليس من السهل الخروج منها». ثم إن أفغانستان، في ظل الحلف الأطلسي، تصدّر كميات أكبر من المخدرات مما كانت تصدره في ظل طالبان، كما يقول المؤلف.

«ناتو» وروسيا

من المعروف أن الكاتب الروسي الكبير الكسندر سولجنستين كان من أكبر خصوم الشيوعية والاتحاد السوفييتي. لكنه هو نفسه الذي ينقل عنه المؤلف قوله في صحيفة «نوفوستي» الموسكوفية: «لا شك أنه يتم تحضير الحصار الشامل لروسيا، وبالتالي، لفقدان سيادتها. هذا وفي الوقت الذي يبدو فيه بوضوح أن روسيا لا تشكل أي تهديد، يقوم الحلف الأطلسي بتطوير جهازه العسكري نحو أوروبا الشرقية ويقوم بحصار روسيا برا من ناحية خاصرتها الجنوبية».

مقابل هذا التوجه الواضح، يشير المؤلف أن القوة العسكرية الروسية تمثل الجيش الذي يحتل المرتبة الرابعة في العالم بوجود 5,1 مليون جندي في الخدمة (مقابل 5,3 مليون في زمن الجيش الأحمر) وقوات تدخل سريع يمكن نشرها في العالم يتراوح عدد أفرادها بين 150000 و 200000 جندي. وبلغت الميزانية الدفاعية 45 مليار دولار عام 2008، أي ما بين 2 بالمائة إلى 3 بالمائة من إجمالي الإنتاج الداخلي الروسي.

بالمقابل تصل النفقات العسكرية الأميركية في أعلى مستوياتها إلى 15 ضعفا مما تنفقه روسيا. ولا شك أنه، رغم الجهود التي قامت فيها روسيا خلال سنوات 2001 ـ 2007، لا بد من عدة سنوات لترميم الانحطاط الذي عرفته القوات العسكرية التقليدية الروسية إثر سقوط الاتحاد السوفييتي.

وبعد شهر عسل قصير بين الحلف الأطلسي وروسيا، حاول الحلف الأطلسي «متابعة مسيرته» نحو الشرق. وتكاثرت المشاريع الأميركية لإقامة قواعد عسكرية في أوروبا الشرقية، بالإضافة إلى مشاريع نصب شبكات رادار وشبكات مضادرة للصواريخ في شرق أوروبا أيضاً.

وكان الرد الروسي الرسمي هو التأكيد أن هناك خطوطا حمراء من غير المسموح بتجاوزها. كما أعلنت روسيا في شهر يوليو 2007 انسحابها من المعاهدة الخاصة بالقوات التقليدية في أوروبا. وشاعت من جديد أجواء حرب باردة «متعاظمة» بين واشنطن وموسكو.

وفي المحصلة تبدو أمام روسيا ثلاثة خيارات: التقارب مع أوروبا ضد الولايات المتحدة أو التقارب مع الصين ضد الغرب، أو الابتعاد عن الصين وأوروبا وعقد صلات وثيقة مع الولايات المتحدة.

الخيار الذي يرجحه المؤلف هو قيام محور باريس ـ برلين ـ موسكو.

المؤلف في سطور

يحمل مارك روسيه، مؤلف هذا الكتاب، شهادة الدكتوراه بالعلوم الاقتصادية. وكان قد أنجز دراساته في جامعتي كولومبيا وهارفارد.

عمل لمدة عشرين عاما مديرا في عدة مجموعات اقتصادية كبرى مثل «افينتيس» و«كارفور».

سبق له وقدّم العديد من الكتب. في عدادها «من أجل تجديد المؤسسات» الذي كتب مقدمته رئيس وزراء فرنسا الأسبق ريمون بار، و«أوروبا الجديدة في عهد شارلمان» الذي نال جائزة أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية. وإلى جانب اهتماماته الاقتصادية برز مارك روسيه كأحد الباحثين الإستراتيجيين الأوروبيين الكبار.