يرى البعض في توسيع حدود الاتحاد الأوروبي كي يضم 27 دولة أوروبية إنجازاً كبيراً في مسيرة توحيد صوت القارّة. لكن يرى فيه آخرون، ومن بينهم مؤلف هذا الكتاب، مجرد أداة في خدمة العولمة ومجال «غير محدود» مما يجعل من الصعب حكمه.

وما يتم تأكيده في هذا السياق هو أن الاتحاد الأوروبي لا يمتلك دستورا حقيقيا، ولم يتم احترام شروط العضوية عند انضمام بعض الدول مثل بلغاريا ورومانيا. وفي الوقت نفسه ينظر له الأميركيون على أنه رديف ملحق بالحلف الأطلسي «الناتو».

وإلى جانب التأكيد على «نقاط الضعف» في بناء الاتحاد الأوروبي يتم التركيز على ضرورة بناء أوروبا موحّدة انطلاقا من بناء أوروبا سياسية وعسكرية «ذات مصداقية» وأيضا تقيم تعاونا وثيقا في العديد من الميادين مع روسيا.

هذا بعد أن عادت ألمانيا إلى انتمائها الأوروبي القوي مبتعدة بنفس الوقت عن الولايات المتحدة مع ترسيخها للشراكة مع روسيا التي كان قد بدأها المستشار الألماني ويلي برانت منذ سنوات السبعينات المنصرمة.

تقول جملة شائعة إن أوروبا عملاق اقتصادي، وقزم سياسي وشبح عسكري. وهذه هي الجملة التي اختارها مؤلف الكتاب في بداية حديثه عن الاتحاد الأوروبي الذي يجسد بدوله ال27 اليوم مسيرة توحيدية بدأت في روما عام 1957 مع «معاهدة روما» التي وقعت عليها ست دول أوروبية.

ويرى المؤلف أن أوروبا الموسّعة إلى 27 غدت مستعصية على الحكم وأغلبية الدول الأعضاء الدول الأعضاء هي ذات هوى أطلسي مما يجعلها «أوروبا أميركية».

والاتحاد الأوروبي هو قبل أي شيء اليوم مجالا تجاريا واسعا يخضع تماما للمنطق المالي. ويتم الذهاب أكثر في نفس النهج وصولا إلى القول إن بلدان الاتحاد الأوروبي قد تخلّت عن سيادتها لصالح مؤسسة «المفوضية الأوروبية» التي لا وزن لها حيال الخارج ولا يُعرف شكلها النهائي ولا أهدافها.

باختصار يتمثل التوصيف المقدّم للاتحاد الأوروبي أنه يتجه كي يكون منطقة تبادل حرّ واسعة خاضعة للحماية الأميركية في ظل غياب مشروع أوروبي واضح المعالم. ويتم التأكيد في هذا السياق أنه لم يتم احترام معايير الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

والمثال الصارخ على هذا قبول رومانيا وبلغاريا كعضوين جديدين اعتبارا من بداية عام 2007 مع الاعتراف أنهما لا تستوفيان الشروط المطلوبة بميادين الأمن الغذائي وشفافية آليات عمل الدولة.

كذلك يتم تقديم الاتحاد الأوروبي ك«أداة» في خدمة العولمة وليس كوسيلة من أجل التأقلم معها والنتيجة هي زيادة غنى الأغنياء وزيادة هشاشة الفقراء. ثم إن المنافسة الحرة ليست مطبّقة واقعيا من قبل الصين والولايات المتحدة واليابان.

الهوية

ويسأل المؤلف: هل أوروبا هي معطى جغرافي أم هي مجرد فكرة؟

ويجيب بجملة مأخوذة من وثيقة للمجلس الأوروبي تعود إلى عام 2001 وجاء فيها: «إن الحدود الوحيدة التي يرسمها الاتحاد الأوروبي لمداه هي حدود الديمقراطية وحقوق الإنسان».

تتم الإشارة هنا إلى «غموض» مختلف التعريفات الخاصة بحدود الاتحاد الأوروبي وحيث ان الإدارات الأميركية المتعاقبة هي وحدها التي قدّمت تعريفا واضحا ويتمثل في القول ان يضم الاتحاد الأوروبي في النهاية جميع بلدان مجلس أوروبا ال46 باستثناء بلد واحد هو روسيا. هذا المنظور الأميركي يرى في الاتحاد الأوروبي مكوّنا مدنيا وماليا للحلف الأطلسي ووسيلة ل«محاصرة» روسيا.

يتم التأكيد في هذا السياق أنه ليس هناك حتى الآن أي دستور حقيقي للاتحاد الأوروبي. وهذا الغياب المترافق مع وجود عدد كبير من الدول الأعضاء ذات التوجهات المتباينة والمتناقضة أحيانا يمكن أن يؤدي إلى «بلقنة أوروبا».

هذا في الوقت الذي تتمثل فيه «قدرة أوروبا على التأثير بقضايا العالم ستتعلق بمدى تلاحمه السياسي»، كما ينقل المؤلف عن تقرير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية ـ سي.آي.ايه ـ لعام 2005، حول الاتحاد الأوروبي.

ومقابل التركيز في التحليلات المقدّمة على نقاط الضعف العديدة التي يعاني منها الاتحاد الأوروبي في بنيته الحالية، يتم التأكيد في المحصلة على ضرورة بناء أوروبا الموحّدة حول أوروبا سياسية وعسكرية ذات مصداقية، وأوروبا متحالفة وذات تعاون وثيق في العديد من الميادين مع روسيا.

ألمانيا أوروبية

ألمانيا التاريخية «الأبدية»، كما يقول المؤلف، هي أوروبية وتنتمي إلى القارة وليست أطلسية. ومدينة برلين الواقعة في مركز أوروبا ارمز جيدا إلى ذلك.

ولم تكن برلين لمدة طويلة سوى مدينة ثقافية بالدرجة الأولى، لكنها استعادت «السلطة السياسية» إذ غدت العاصمة بدلا من برلين ونازعت فرانكفورت «السلطة الاقتصادية». وهي مؤهلة، برأي المؤلف، كي تكون غدا ربما بمثابة «نيويورك» في القارّة الأوروبية.

وتتم الأشارة هنا إلى أن رفض ألمانيا التدخل في العراق أعلن نهاية الانصياع للولايات المتحدة والذي قبلت فيه لفترة طويلة كاعتراف بالجميل على المساعدة الاقتصادية الأميركية منذ عام 1948 وللحماية ضد التهديد السوفييتي.

وللمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تعلن فيها ألمانيا أنها لم تعد «الابنة الكبرى للحلف الأطلسي». وهذا ما عبّرت عنه مجلة «دير شبيغل» الألمانية في شهر فبراير من عام 2003 عندما اختارت على صدر غلافها الرئيسي عنوانا يقول: «التمرّد ضد أميركا».

ومنذ ذلك الوقت لم تعد ألمانيا «محميّة أميركية»، حسب تعبير ينقله المؤلف عن الكاتب الألماني الشهير «غونترغراس».

وهذا ما عبّر عنه أيضا وزير خارجية أميركا الأسبق هنري كيسنجر عندما كتب أن «هناك نزعة ما معادية لأميركا يبدو أنها بصدد أن تصبح معطى مستداما في السياسة الألمانية».

وما يتم تأكيده أيضا هو أن نزعة بغض أميركا امتدّت في ألمانيا لتطال الأوساط المعتدلة، وقد دلّ استطلاع للرأي مؤخرا أن نسبة 25 بالمئة من الألمان لا يزالون «يحبّون الولايات المتحدة». وينقل المؤلف عن وزير العدل الألماني «السابق» أنه قام أثناء إحدى النقاشات العامة بتشبيه طرق عمل الرئيس جورج دبليو بوش وطرق ادولف هتلر.

ويصل مؤلف هذا الكتاب إلى القول أن الولايات المتحدة قامت بالحرب ضد ألمانيا بغية التخلّص من منافس مهدد وليس من أجل الدفاع عن الحريات في أوروبا. وأضاف أن «الساذجين» فقط هم الذين يعتقدون، وما تردده الصحافة باستمرار، أن الأميركيين قاموا بإنزال جنودهم في أوروبا عام 1944 من أجل تحرير الأوروبيين.

وينقل المؤلف في نفس هذا السياق عن «لودج» الأستاذ في جامعة هارفارد، قوله ان مشروع مارشال الأميركي لإعادة إعمار أوروبا بعد أن دمّرتها الحرب، لم يكن مجرّد مساعدة سخية، ولكن بالأحرى من أجل تجنّب أن تصبح بلدان القارّة شيوعية وتابعة للاتحاد السوفييتي.

قتال من أجل أميركا

كذلك ينقل المؤلف عن الاميرال فيليب ديغول، ابن الجنرال شارل ديغول، قوله في كتابه الذي يحمل عنوان: «ديغول، أبي» ما نصّه نقلا عن مذكّرة كان الجيش الأميركي قد وزّعها على جنوده عند نهاية الحرب في أوروبا: «إننا لم نأت إلى أوروبا من أجل إنقاذ الفرنسيين. لقد قدمنا لكون أننا كنا، نحن الأميركيين، مهددين من قوة معادية وعدوانية وخطيرة».

ويضيف الأميرال فيليب ديغول أن والده كان يردد باستمرار أن الأميركيين الذين قُتلوا أثناء تحرير فرنسا إنما قدموا حياتهم من أجل الولايات المتحدة الأميركية وليس من أجل أحد غيرها.

كما كان الجنرال يضيف أن الفرنسيين الذين قُتلوا في المعركة من أجل «استقلال الولايات المتحدة قد فعلوا ذلك من أجل فرنسا وملكها ورغبته في الحد من قوة البريطانيين.

وتتم الإشارة في هذا السياق إلى ما يسميه المؤلف ب«الذكريات السيئة لعمليات قصف الحلفاء عام 1945». هذا ما أظهرته سلسلة من الكتب. تلك الذكريات السيئة المدفونة في اللاوعي الجماعي الألماني لا تحتاج سوى إلى «فرصة صغيرة» كي تبرز إلى السطح من جديد. ومن الكتب التي يذكرها المؤلف كتاب «جورج فريديريك» الذي يحمل عنوان «الحريق، ألمانيا وحرب القنابل 1940 ـ 1945».

وتتم الإشارة إلى أن 135 مليون طن من القنابل، الانجليزية والأميركية خاصة، أُلقيت على ألمانيا وبلغ عدد ضحاياها 000 600 ضحية، كان نصفهم خلال الشهور التسعة الأخيرة من الحرب.

ويعتبر المؤلف أن الحدث الأكثر أهمية في الفترة الراهنة هو استعادة ألمانيا لدورها المستقل وعودتها إلى المسرح الدولي. وباختصار هي ألمانيا تعيد اكتشاف قيمها في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية والتي لم يعد الحلف الأطلسي بالنسبة لها «بقرة مقدّسة». ذلك بعد أن كانت لعقود طويلة وبنفس الوقت «عملاقا اقتصاديا» و«قزما سياسيا» لا يلعب أكثر من دور «الكومبارس».

ألمانيا وروسيا

كانت العلاقات وثيقة غالبا بين بروسيا (ألمانيا الحالية تقريبا) وروسيا، وكاترين الكبرى كانت ألمانية. أما في الفترة الحالية، فكان التقارب الأول بين ألمانيا وروسيا قد جرى في سنوات السبعينات عندما تبنّى المستشار الألماني الأسبق ويلي برانت سياسة تطبيع العلاقات مع الشرق. وعندما استعادت ألمانيا وحدتها لم يعد لديها سبب للخشية من روسيا.

وفي عام 2008، ورغم نزعة المستشارة الألمانية الحالية انجيلا ميركل نحو الأطلسي، فإنها عارضت انضمام أوكرانيا وجيورجيا للحلف الأطلسي. التفسير الذي قدّمه المراقبون لذلك الموقف هو المحافظة على العلاقات الاقتصادية والسياسية الألمانية ـ الروسية الوثيقة.

ولم يتردد وزير الدفاع الألماني السابق «فولكر رايه» من القول أثناء مؤتمر نظمته مؤسسة اديناور في واشنطن ما مفاده: «بسبب الماضي، والتدمير الذي ألحقته الحرب العالمية والثانية علينا أن تقيم مع روسيا علاقات تتجاوز التحالف العملي للوصول إلى تحالف مصائر». وكان فلاديمير بوتين قد اقترح على السيدة ميركل أن تكون ألمانيا هي الموزع الرئيسي للغاز الروسي في أوروبا.

وألمانيا هي الشريك الأوروبي الأول لروسيا على الصعيد التجاري وبنسبة 14 بالمائة من الصادرات و8,7 بالمائة من الواردات. وهي المستثمر الأجنبي الأول في روسيا بمبلغ يزيد عن 10 مليار دولار، وكانت لفترة قريبة هي الدائن الأول لروسيا بحوالي 20 مليار دولار.

كذلك كانت شركة «سيمنس» الألمانية قد انسحبت قبل فترة وجيزة ـ في شهر مارس ـ آذار 2009 ـ من مجموعة «اريفا» الفرنسية المختصة بالصناعة النووية المجنية كي تتطوّر مشاريعها مع مجموعة «روسياتوم» العاملة في نفس الميدان.

وهنا يفتح المؤلف قوسين كي يتساءل: إلى متى ينبغي الانتظار لبروز ساسة فرنسيين وألمان يمتلكون الشجاعة والرؤية التي امتلكها الجنرال شارل ديغول ويقومون بالتالي بالتجديد والذهاب مع روسيا إلى أبعد من مجرد التعاون الصناعي ويفرضون بنفس الوقت على الانجلوسكسون رؤية جديدة لأوروبا؟

الكتاب: أوروبا الجديدة

تأليف: مارك روسيه

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: غودفروا دو بويون ـ باريس ـ 2009