الصورة العربية الراهنة لا تعكس طموحات العرب بقدر ما تعكس تشكك حول قدرتهم على مستوى العمل الوطني والقومي، خاصة في ظل سقوط الإرادة العربية رهينة خلافاتها، أو تحت ضغوط القوى الدولية، مما بات معه من الضروري تحرير الوعي العربي من عقدة الخوف والهزيمة والاستسلام إلى محاصرة القوى الكبرى، وإطلاق القدرات العربية نحو المستقبل.

هنا يكمن دور المجتمعات لا الدول؛ حيث إن كل دولة لديها حساباتها الخاصة التي تفرض الحفاظ على مصالحها في ظل توازنات حساسة باتت تحكم الكثير من معطيات الوضع السياسي في المنطقة العربية. إن القدرة العربية الواهنة سقطت نتيجة لتصاعد الروح الوطنية الضعيفة على حساب المشروع القومي العربي، في وقت لم تنجح فيه الحركات القومية في بلورة وجودها في الشارع عبر خمسين عاما، منذ تصاعد الفكر القومي مع ساطع الحصري، وصعوده مع تبني الرئيس جمال عبد الناصر له. إن تنوع تيارات هذا الفكر وتركيزها على السلطة أسقط وجودها في الشارع الذي لم يعد قوة دافعة لوجوده، ولم يستغل هؤلاء اللحظة التاريخية المناسبة في الخمسينات والستينات لتأسيس علاقة مع الجمهور العربي العريض بشكل مؤسسي يصعب معه تدمير هذه التجربة ومعها الفكرة التي نشأت في وقت كانت فيه الطموحات العربية كبيرة والوطن العربي يتحرر من قيود الاستعمار.

لذا فإن جيلي ولد وعنده رؤية حالمة للمستقبل نفتقدها اليوم؛ فالآن تراجعت القومية العربية وأصبح العرب منقسمين ومهمشين، وهو ما ساعد على تشدد البعض إما لعصبية دينية أو قطرية، وغابت وحدة الكلمة والصف وجمدت حركة جامعة الدول العربية. إلا أن اتفاقهم إذا توافرت لهم الإرادة ليس أمرا صعبا؛ إذ ان المشترك بينهم أكثر بكثير من غيرهم، على عكس الواقع الأوروبي الذي يحمل عبر تاريخ طويل وإلى الآن نقاط افتراق شاسعة. لكن الأوروبيين الذين بدأوا مسيرتهم نحو التنسيق والتفاهم والوحدة بعد العرب بثلاثة عشر عاما؛ فاتفاقية روما كانت عام 1958 بينما تم تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، كانوا واقعيين، إذ بدأوا من حيث الممكن تحقيقه في إقامة علاقات استراتيجية تقوم على المشاركة والمصالح المتبادلة بينهم، فانتقلوا من السوق المشتركة إلى عبور الحدود إلى التكافل الاجتماعي إلى العملة الموحدة، ثم شرعوا في الحديث عن دستور أوروبي. في حين بدأنا نحن بأحلام عظيمة وخطى في بعض الأحيان أسرع من اللازم فانهارت انهيار سرعة قيامها.

الآن الاتحاد الأوروبي أقرب ما يكون إلى الوحدة منا نحن العرب. علينا إذا إعادة النظر في كثير من المسائل المطروحة والملحة، خاصة في ضوء المعطيات الراهنة التي جعلت من الوضع العربي على الساحة الدولية ضعيفا. ان كل دولة يمكن أن تبحث عن مصالحها منفردة، كمن يبحث عن ذئب سيأكل القطيع واحدا تلو الآخر، خاصة إذا كان القطيع لديه ثروات طائلة تفتح شهيته للسيطرة عليها.

من أين نبدأ؟

إن العمل بصورة منفردة بعيدا عن روح التضامن العربي، يستدعي من الذاكرة التاريخية ما حدث لمصر حين بدأت مشروعا نهضويا في عهد محمد علي صار نموذجا للرغبة في النهوض وملاحقة التطورات المتسارعة دوليا سواء في مجالات العلم والتكنولوجيا أو تصنيع السلاح أو النمو الاقتصادي، وهو ما حدا بالقوى البارزة آنذاك: فرنسا وبريطانيا، إلى الحد من طموح مصر وتحجيمه.

هذا ما يثبت أن نجاح دولة ما في الوطن العربي في تحقيق نمو اقتصادي أو علمي أو سياسي سيحقق لها إرادة وطنية تفرض سياسات تتوافق مع مصالحها؛ إذ ان التكتل العربي هنا هو الذي سيكون بمثابة نقطة فارقة في فرض المصالح العربية على القوى الدولية.

من أين نبدأ كي يكون لنا موطيء قدم على الساحة الدولية؟

لعل هذا التساؤل يمكن أن يطرح بصورة أخرى وهي: هل نحن راغبون في أن يكون لنا وجود حقيقي من خلال إعادة توظيف قدراتنا؟ هل لدى العرب رغبة في الخروج من قمقم المحاولات الفاشلة والانزواء والخوف؟

أسئلة كثيرة كلها تدور حول شيء وحيد؛ نكون أو لا نكون. ولكي «نكون» أعود بالقارئ إلى وثيقة الإسكندرية للإصلاح العربي، التي حملت بين سطورها معالجة شاملة للوضع العربي الراهن؛ إذ لم يقتصر الأمر على الجانب السياسي الذي طالما ركزنا عليه لسنوات طويلة، بل تعدى الأمر ذلك إلى أربعة محاور هي:

المحور السياسي

كانت الديمقراطية الحقيقية هي جوهر هذا المحور، والتي قد تختلف في أشكالها ومظاهرها من بلد إلى آخر وفقا للتغيرات الثقافية والحضارية، ولكن جوهرها يظل واحدا؛ فهي تعني ذلك النظام الذي تكون الحرية فيه هي القيمة العظمى والأساسية بما يحقق احترام كافة الحقوق في الفكر والتنظيم والتعبير عن الرأي للجميع، مع وجود مؤسسات سياسية فعالة، على رأسها المؤسسات التشريعية المنتخبة، والقضاء المستقل، والحكومة الخاضعة للمساءلة، والأحزاب السياسية بمختلف تنوعاتها الفكرية والأيدلوجية.

إن الرهان ظل لسنوات قائما على أن الإصلاح سيتم طرحه من خلال سياسات يتم تبنيها بصورة فوقية، إن المشكلة أننا على مستوى الأشخاص لا نمارس كل ما سبق ذكره، فالعديد من الأشخاص يتمسكون بممارسة سلطات واسعة حتى على مستوى الأسرة؛ حيث السلطة الذكورية المتوارثة عبر أجيال طويلة، والجمعيات الأهلية حيث سلطة لا تتيح حتى سماع الرأي الآخر، وعلى مستوى الأحزاب بكافة أشكالها.

إن البناء الحقيقي للحرية يبدأ من إطلاق حرية تشكيل مؤسسات المجتمع المدني، حتى ضبط مشكلات التمويل الأجنبي، إلى تعديل الأطر القانونية المنظمة للمجتمع المدني، وكل ذلك يأتي في مقدمة القضايا المرتبطة بالتطور الديمقراطي للمجتمع وسبل المشاركة في مظاهر الحياة السياسية والتخلص من الإحساس بالاغتراب والتهميش الذي وصل إليه المواطن العربي لافتقاده فرص المشاركة الفعالة المؤثرة على حياته ومستقبله.

لن يكون هناك مستقبل للإصلاح السياسي العربي دون مشاركة المجتمع المدني في مواجهة المشكلات العربية خاصة تلك التي تتطلب روح العمل الجماعي وأشكال الجهد التطوعي، لأنه يمثل الأساس الذي سيبنى عليه الإصلاح السياسي العربي.

المحور الاقتصادي

هناك مؤشرات دالة على الواقع الاقتصادي العربي هي:

انخفاض معدلات النمو في الدخل القومي وتدهور نصيب الفرد مقارنة بالمؤشرات الدولية.

تراجع نصيب الدول العربية في التجارة الدولية، وتركز الصادرات في منتجات أولية مع هامشية نصيب المنتجات ذات القيمة المضافة العالية في الصادرات العربية.

تراجع نصيب المنطقة من تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية بما في ذلك الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة.

الإخفاق في توليد فرص عمل كافية للداخلين الجدد في سوق العمل وارتفاع حدة البطالة بمعدلات أعلى من متوسطات الدول النامية، مع تركز البطالة بين فئات الشباب والإناث.

تزايد حدة الفقر في عدد من الدول العربية؛ حيث يمس المتعطلين عن العمل ونسبة ملموسة من العاملين كذلك.

ركزت مجموعة من السياسات المقترحة التي يتم اتباعها في المنطقة بالأساس على تحقيق الاستقرار الكلي، وخفض معدلات التضخم من خلال ثالوث برامج التثبيت والخصخصة والتحرير الاقتصادي. لكن هذا المنهج لم يهتم اهتماما كافيا بموضوعات لا تقل أهمية كالبطالة وتوفير الخدمات الاجتماعية الأساسية.

عمالة الشباب

في عالم عربي شاب وناهض، لابد أن تكون عمالة الشباب وجودة التعليم والخدمات الاجتماعية والبرامج المساندة للمشروعات الصغيرة من العناصر الأساسية في مفهوم الإصلاح وبرامجه مع تحديد الأولويات، وتأكيد أهمية الإطار المؤسسي اللازم لتحقيق الإصلاح الشامل بجانبيه الاقتصادي والاجتماعي.

إن هناك حاجة ماسة إلى أن تعلن الدول العربية عن خطط واضحة وبرامج زمنية محددة للإصلاح المؤسسي والهيكلي، مع تحديد دقيق لدور الدولة بجعلها محفزة للنشاط الاقتصادي، وموفرة للبيئة الملائمة للقطاعين الخاص والعام في المجالات التي يتمتع بمزايا ومؤهلات لعمله فيها، مع الالتزام بخطط واضحة لإحداث تغيير جذري في الجهاز الإداري الحكومي وتقليص البيروقراطية ورفع كفاءة العمل في الجهات الحكومية التي تتعامل مع المستثمرين والمستوردين والمصدرين؛ مثل: الضرائب والجمارك وجهات إصدار التراخيص.

تشجيع برامج الخصخصة بما في ذلك القطاع المصرفي وفقا للضوابط القانونية التي تحقق المصلحة العامة، وتقليص الاستثمارات الحكومية، ماعدا المجالات الاستراتيجية والسلع ذات النفع العام، وإلغاء الحقوق الاحتكارية الحكومية غير المبررة اقتصاديا لتشجيع القطاع الخاص وجذب المزيد من الاستثمارات، تعظيما لمساهمة القطاع الخاص في إيجاد فرص للتشغيل. وضع معايير وقواعد للارتقاء بنوعية المنتجات الوطنية وتأسيس مجالس قومية لدعم القدرة التنافسية مع القيام بإجراء تقييم مستمر يتم نشره. إرساء قواعد الحكم الجيد للنشاط الاقتصادي مع تأكيد الشفافية والمحاسبة وتنفيذ أحكام القضاء.

المحور الاجتماعي

يمتلك المجتمع العربي موارد اجتماعية وثقافية هائلة، وقد حان الوقت للاستفادة من إمكاناته بكفاءة لتأسيس مجتمع عربي قوي ومتماسك، قادر على حل مشاكله ومن ثم الانطلاق بقوة وفاعلية لتحقيق التقدم والمشاركة في صنع مستقبله ومستقبل العالم كله. ويقتضي ذلك العمل على تحقيق الأهداف التالية:

تطوير نمط العلاقات الأسرية بما يخدم بناء الفرد المتميز المستقل القادر على ممارسة حرياته وخياراته بمسؤولية. ويتطلب ذلك إعادة النظر في بعض القيم التي لا تزال تؤثر بالسلب في الحياة العربية، كقيم الخضوع والطاعة على سبيل المثال، وإحلال قيم الاستقلالية والحوار والتفاعل الإيجابي محلها.

أن يقوم الإعلام بدور أساسي في بناء الثقافة العامة للمواطن، الأمر الذي يستلزم تأكيد دوره في إعادة بناء القيم المساندة للتطوير والتحديث، كقيم المساواة والتسامح والقبول بالآخر وحتى الاختلاف، جنبا إلى جنب مع قيم الدقة والإتقان والالتزام وغيرها من القيم الإيجابية التي تساعد المجتمع العربي على التحول إلى مجتمع جديد فعال.

توجيه المجتمعات العربية نحو اكتساب ونشر وإنتاج المعرفة. وفي هذا الإطار، لابد من التركيز على خمسة توجهات تتكامل وتترابط فيما بينها لتحقيق مجتمع المعرفة؛ وهي:

1- تأكيد التنمية الإنسانية وأولوية تطوير التعليم.

2- تحقيق التطوير التكنولوجي وتوفير بنيته الأساسية.

3- تطوير استراتيجيات البحث العلمي.

4- دعم العمل الحر والمبادرة الخلاقة في مجالات الابتكار والإبداع.

5- توفير المناخ المساند لمجتمع المعرفة سياسيا وثقافيا واقتصاديا.

الإصلاح الثقافي

وهو يتطلب التالي على المستوى العربي

العمل على ترسيخ أسس التفكير العقلاني والعلمي بتشجيع مؤسسات البحث العلمي وتوفير التمويل اللازم لها، وإطلاق حريات المجتمع المدني في تنميتها. وفي ذات الوقت، القضاء على منابع التطرف الديني التي لا تزال رواسبها موجودة في المناهج الدراسية وخطب المساجد ووسائل الإعلام الرسمي وغير الرسمي.

تشجيع الاستمرار في تجديد الخطاب الديني سعيا إلى تجسيد الطابع الحضاري والتنويري للدين بما يقتضيه ذلك من إطلاق الحريات الفكرية وفتح أبواب الاجتهاد على مصراعيها في قضايا المجتمع للعلماء والباحثين، تحقيقا لخير الفرد والمجتمع، ومواجهة لكل صور التشدد والحرفية الجامدة في فهم النصوص الدينية والابتعاد بها عن مقاصدها ومبادئها الكلية. ويستلزم ذلك أن يمضي إصلاح الخطاب الديني في اتجاه يتسق وروح العلم وحكم العقل والمتطلبات العصرية، وهو الاتجاه الذي يزيل التناقض الضار بين حرية الفكر والإبداع والوصاية التي يفرضها البعض باسم الدين الذي يدعو إلى المجادلة بالتي هي أحسن ولا يفرض إرهابا فكريا على المختلفين.

المضي قدما في تحرير ثقافة المرأة وتطويرها بما يحقق مساواتها العادلة بالرجل في العلم والعمل، تأكيدا لفاعلية المشاركة الاجتماعية بمعانيها الكاملة.

تهيئة المناخ لتحقيق التطوير الديمقراطي وتداول السلطة سلميا، وذلك بالعمل على مواجهة الرواسب والعادات الجامدة والآثار المتراكمة لأوضاع وأساليب سياسية فاسدة من شأنها أن تحول دون فاعلية المشاركة السياسية. ومن شأن هذه المواجهة تغيير النظرة السياسية والاجتماعية إلى المرأة وتأكيد إسهامها الثقافي وإنجازها العلمي ودورها اللازم في عملية التنمية، انطلاقا من أن التنمية الثقافية هي أساس أي تنمية، كما أن الخطوة الأولى لأي إصلاح جذري لا يمكن نجاحها إلا بإشاعة ثقافة الديمقراطية في مناهج التعليم والإعلام.

إن ما سبق وأن ذكرته هو رؤيتي للوطن العربي وأوضاعه الراهنة، وكيفية انعتاقه من حالة الجمود الراهنة. كل هذا لن يتحقق إلا على يد جيل جديد من الشباب يؤمن بأهمية التكامل والتنوع الثقافي والاجتماعي.

د. إسماعيل سراج الدين