تفيد المعلومات التي وجدت طريقها الى وسائل الإعلام في الأيام الأولى من ديسمبر الجاري بأن الورقة، بمعنى الدراسة السياسية المكثفة التي ألمحنا إليها نشأت عن دوائر بحثية في الاستخبارات الأميركية، ثم جرى طرحها على عدد من الشخصيات السياسية المستقلة في عدد من عواصم الشرق الأوسط بانتظار آرائها واستجاباتها فيما يتعلق بالاقتراح المطروح الذي يعد محورا لورقة كونفدرالية الأراضي المقدسة.

وهو يهدف ـ كما تقول سطورها ـ الى التماس حل جذري ونهائي للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي من خلال تصور مشروع إقليمي جديد يقضي في عمومه بما يلي: إقامة شكل أو صيغة اتحادية بين ثلاثة كيانات في المنطقة هي: فلسطين67 والأردن و(إسرائيل) ، بحيث تكون عاصمة هذا الاتحاد الكونفدرالي هي مدينة القدس، فيما تحتفظ أطرافه الثلاثة بعواصم لها في كل من عمّان ورام الله و(تل أبيب)..

وبهذا تظل القدس ـ في رأي الورقة الكونفدرالية المطروحة - تجسيدا لحقيقة الأديان السماوية الثلاثة ومقصدا مقدسا لدى كل سكان العالم.. وبمعنى أن تحتفظ بطابعها التاريخي العريق وكما تحافظ على معالمها وآثارها ومقدساتها التي يجلّها كل من المسلمين والمسيحيين واليهود..

بل تلقى القدس كل الدعم المالي واللوجستي والمعنوي من جانب دول الغرب وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وأيضا من جانب منظومة الأمم المتحدة العاملة في ميدان الثقافة والتعليم والتراث القومي والديني (وفي مقدمتها منظمة اليونسكو بطبيعة الحال).

قلة التفاصيل

يلاحظ مراقبو الشأن الشرق ـ أوسطي أن الورقة السياسية المذكورة أعلاه لم تحو كثيرا من التفاصيل ـ فيما نلاحظ من جانبنا أن مثل هذه الأمور متعمدة، حيث المطلوب أولا هو جس النبض ورصد ردود الفعل واختبار الاستجابات من جانب الأطراف المختلفة، وذلك في ضوء خطورة المسألة من جانب وحساسية هذا الطرح الماسّ بالعقائد والأديان من جانب ثان. فضلا عن حالة التشكك وسجل الثارات ـ الدموية في معظمها التي مازالت ماثلة وحاضرة بين الطرفين العربي والإسرائيلي ـ الصهيوني من جانب ثالث.

في كل حال، فقد استرعى اهتمامنا أن مثل هذه الطروحات ـ الطموحة في جوهرها إنما تحمل طابعا مستقبليا من جهة في حين أنها تعكس تصورات فيها قدر من الخيال السياسي من جهة أخرى.

لهذا فنحن نعمد الى الربط بين هذا الطرح المستقبلي، بطابعه التصوري أو التخيّلي وبين مضمون الفصل الثالث من كتاب أصدرناه عام 2008 الماضي، وعرضنا فيه الى ثلاثة سيناريوهات قَصد بها واضعوها الى مقاربة قضية الشرق الأوسط.. والتماس حلول مبتكرة لها.

وقد نضيف أيضا أن فكرة ومصطلح «السيناريو» بدأت تشق طريقها في الأدبيات السياسية والاقتصادية منذ السبعينات على استحياء في البداية ثم بالتدريج بعد ذلك، الى أن استقرت مع التسعينات كمصطلح متبلور يدل على التصورات المختلفة التي يضع معالمها العلماء الباحثون والاختصاصيون بوصفها تنبؤات أو إسقاطات أو رؤى استشرافية لتطور الأحوال التي تعيشها الأمم والدول والشعوب على اختلاف ما تضمه من أنشطة وقطاعات وما ترنو الى إنجازه من مشاريع والى تحقيقه من تطلعات.

جمعية مستقبل العالم

ولم يكن صدفة أن تصدر هذه السيناريوهات عن مؤسسة معنية أميركا بهذا الجانب الاستشرافي وهي «الجمعية العالمية لمستقبل العالم» في ماريلاند ـ واشنطن التي تضم في عضويتها كذلك عددا من الأعضاء غير الأميركيين، المهتمين بقضايا مستقبل العالم (ومنهم كاتب هذه السطور).

في عام 2008 أصدرت «جمعية مستقبل العالم» كتابا مهما يحمل العنوان التالي: الاستشراف والابتكار والاستراتيجية: نحو مستقبل أكثر حكمة ورشدا.

ويتألف الكتاب من 8 أبواب وهي تتناول مختلف الجوانب المادية والروحية من مستقبل عالمنا عبر السنوات الخمس عشرة المقبلة.

لكن يعنينا في هذا السياق الفصل الخاص بنا كعرب وبقضية شعبنا العربي الفلسطيني وهي قضية القضايا في منطقتنا.. وهذا الفصل الذي عرضنا له في كتابنا سالف الذكر يحمل بدوره العنوان التالي: السيناريوهات الثلاثة للسلام في الشرق الأوسط.

وهي دراسة استشرافية من وضع اثنين من كبار الباحثين الاختصاصيين في علم المستقبليات وهما:

«جيروم جلين»: مدير مشروع الألفية التابع للمجلس الأميركي للأمم المتحدة.

«ثيودور غوردن»: مؤسس جماعة المستقبل، ويعمل زميلا باحثا أقدم في مشروع الألفية المذكور أعلاه.

وكان المنطلق الرئيسي للأستاذين الباحثين، على نحو ما أثبتاه في مستهل دراستهما، هو ما لخصاه في العبارة الاستهلالية التالي: نحن بحاجة الى استعراض حديث للشرق الأوسط (بمعنى الحاجة الى أسلوب مبتكر لمقاربة القضايا الرئيسية والخطيرة التي تحول دون استتباب السلام في ربوع المنطقة، وخاصة في قلبها شرقي البحر الأبيض المتوسط).

ثلاثة سيناريوهات

في هذا السياق طرح الباحثان ثلاثة سيناريوهات: أولها يتمثل في التماس الحل من خلال الجمع بين أطراف الصراع حول معاهدات وخطط استراتيجية وإجراءات تكتيكية تدور حول زيادة الموارد المائية في مناطق الصراع.. ما بين الموارد الجوفية في تحلية مياه البحر باستخدام أحدث أساليب ومكتشفات التكنولوجيا الى تطويرات ـ ثورية طبعا لتقنيات الإنتاج الزراعي.

كان هذا هو محور السيناريو الأول ـ سيناريو المياه كما وصفناه في كتابنا ـ في حين جاء السيناريو الثالث والأخير ليحمل كما وصفناه اسم «الحمائم».

ولأن السيناريو ـ بحكم التعريف ـ هو شطحة خيال في التحليل الأخير فهو يلتمس الحل من قطاعات الحمائم في السياسة الداخلية الإسرائيلية.. وقوامها.. رافضو العنف الدموي في إسرائيل ودعاة التفكيك لطابع عسكرة المجتمع الصهيوني.. ومنهم عناصر رفضت المشاركة في شّن الهجمات على قطاعات المدنيين من أبناء الشعب الفلسطيني.. وكانوا بهذا رأس الحربة أو المنطلق لحركة ظلت تتسع من حيث نطاقها وأهميتها بعد أن انضم إليها أكاديميون وباحثون وفنانون يدعون في مجموعهم الى إيجاد حلول سلمية لقضية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وأخيرا: السيناريو الديني

الدين مفتاح الحل

بيد أن الذي يعنينا في هذا السياق هو السيناريو الثاني الذي وضعه الأستاذان جلين وغوردن: وقد وصفناه منذ عامين بأنه «السيناريو الديني» بمعنى الحل الذي تخيله واضعوه باستخدام العقيدة الدينية مفتاحا للاقتراب من المشكلة.

وقد نتصور أن مثل هذه النوعية من سيناريوهات الحل.. هي التي صدرت عنها تلك المقترحات الجديدة التي احتوتها ورقة «كونفدرالية الأراضي المقدسة» وهي التي تتكلم بداهة عن المنطلقات الدينية فيما تحاول أن تلتمس تصورا يكرس وضعية القدس كمدينة يجلها المؤمنون بالرسالات السماوية الثلاث.

وربما كان بديهيا أن يترك السيناريو العنان لتخيلاته حين يبدأ بمناشدات يوجهها كاردنيالات الكاثوليك الى بابا روما كي يستخدم نفوذه الروحي للمشاركة في حل قضية فلسطين.

ويصور السيناريو كيف استجاب البابا لهذه المناشدات فإذا به يوجه دعوته الى ممثلي المسيحية والإسلام واليهودية كي يجتمعوا لبحث القضية.. وهو ما شددت عليه ميديا الإعلام الدولي التي رددت وأكدت كما يواصل السيناريو المتخيَّل دعوة الفاتيكان ثم سلطت عليها أضواء وحشدت لمناقشتها أهم البرامج والندوات الحوارية التي يقدمها نجوم التلفاز في أميركا والغرب الأوروبي بشكل عام.

وتم اللقاء الثلاثي المرتقب في مزرعة نائية في .. نيوزيلندا.

هكذا شاءت خيالات السيناريو أن تضعه في ذلك الموقع القصي من جنوب المحيط الهادئ ـ جنوب الكرة الأرضية أيضا. وقد ساد الجلسة الأولى ـ كما تخيل السيناريو كذلك ـ جوا من البرود والصمت المرتقب الذي قطعه نداء بابا روما موجها الحديث الى أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وعيسى وموسى عليهما السلام، قائلا: أيها الأخوة لقد بارككم الله جميعا.. وهو الذي مَنَحنا العقل ووهبنا المنطق.. وهو ما أدعوكم الى تحكيمه فيما نحن مقبلون عليه في هذا اللقاء.

ولقد توالت تفاصيل هذه الفعاليات ـ لا نقول الوقائع ـ التي تفتق عنها الخيال الذي رسم السيناريو الديني المذكور أعلاه.

ولم ينس السيناريو أن يعرض لردود أفعال من جانب قوى وصفها بأنها المحافظون أو المتطرفون من كل الجوانب.. ومع ذلك ـ يضيف السيناريو ـ فقد خرجت الفكرة أو الدعوة من نيوزيلندا لتشرع في اتخاذ طريقها الى حيث تصبح جزءا واقعا من الحقيقة السياسية.

خطوات إيجابية

في نفس السياق يتصور السيناريو أنها أدت الى وقف هدم منازل الفلسطينيين بواسطة الجرافات الإسرائيلية.. والى انطلاقة مشاريع التنمية لصالح أبناء الشعب الفلسطيني.. والى إزالة السور الصهيوني العازل (الذي أدانته محكمة العدل الدولية) والى بدء تنفيذ ما يوصف بأنه «برنامج قرطبة» الذي يمهد الطريق ـ كما يلمح السيناريو ـ أمام روح جديدة من التعايش في المنطقة وهو ما مهد السبيل أيضا الى تشكيل كيانات مشتركة تتولى بحث قضية اللاجئين الفلسطينيين تمهيدا لحل مشكلاتهم.

وفي نفس الإطار ـ يؤكد السيناريو الأميركي ـ أقيمت الدولة الفلسطينية المستقلة وانسحبت إسرائيل من جميع المناطق التي احتلتها في حرب عام 1967 وتم إغلاق المستوطنات الصهيونية والتنازل عن أراضيها لصالح الدولة الفلسطينية الجديدة.. الى آخر ما ذهبت إليه تصورات هذا السيناريو.

وإذا كان السيناريو ـ كما نحب أن نؤكد باستمرار ـ وليد الخيال.. رغم أنه خيال مسيّس بمعنى أنه مؤسس على تصورات مستمدة من واقع السياسة ومقتضياتها.. حقائقها وضروراتها ـ إلا أننا لم نجد سبيلا لتجاهل أن مثل هذه الأفكار والطروحات، أو حتى السيناريوهات مازالت تَلقيْ احتراما وتفهما من دوائر السياسة الأميركية والعالمية، خاصة إذا كان واضعوها من العلماء الثقات والاختصاصيين المشهود لهم بالتمعّن والموضوعية في مقاربة المشكلات.

وربما نضيف أن البيت الأبيض تعوّد أن يستدعي من هوليوود.. عناصر من أهم كاتبي السيناريو مع تكليف هذا الفنان أو ذاك بطرح تصوراته بالنسبة لتطور الأحداث في المستقبل.. بعد تزويده بالطبع بأهم الحقائق الثابتة على الأرض.. وله أن يُعْمِل خياله من بعد في ما يصير إليه مآل الأوضاع وتطور الأحداث وردود فعل الأطراف الأخرى في هذا الصراع أو تلك المشكلة أو القضية.

عن الورقة الجديدة

من هنا جاء اهتمامنا بما تردد مؤخرا بشأن «الورقة المهمة» كما وصفتها أوساط الميديا العربية التي طرحتها الدوائر الأميركية بشأن كونفدرالية الأراضي المقدسة..

حيث لم يسعنا سوى أن نربط بين سيناريو الحل الديني الذي تحدثنا عنه في كتاب صادر في العام الماضي، وبين المقترحات التي ترددت ـ كما ألمحنا ـ مع أيام ديسمبر الحالي واحتوتها ورقة وصفوها أيضا بأنها مكتوبة باللغة الإنجليزية، وتقع في 3 صفحات مطبوعة بما يشبه الاستعجال، وتفتقر الى أناقة الشكل ولا تعلوها أي شعارات رسمية تُفصح عن أصلها أو مصدرها..

ومع ذلك فها هم القائمون على أمرها يحرصون على توزيعها على ما قيل بأنه «عينة منتقاة» من الشخصيات العربية المعنية بالموضوع لاستطلاع الآراء وإبداء التعليقات.

ولقد نضيف أن مثل هذه المقترحات الجديدة ربما تكون قد أحالت في جوانب منها الى دعوة الشرق الأوسط الجديد التي سبق الى طرحها منذ سنوات عديدة شيمون بيريز الذي يعدونه حاليا من مخضرمي السياسة الصهيونية أو من حكمائها.

والمعنى في كل حال هو أن الأطراف العربية عليها باستمرار أن تتابع ما يصدر بشأن قضية شعبنا في فلسطين من أفكار وتنظيرات وطروحات وسيناريوهات تحمل بالطبع تصورات لحل القضية.. وإذا كانت هذه المتابعة تشكل، في رأينا ـ أول واجبات النخبة المثقفة في مشرق الوطن ومغربه.. فإن نفس الواجبات تُرتب على هذه النخبة دراسة ما يتم طرحه وتفنيد أباطيله وتطوير وتعميق إيجابياته ومواجهة افتراءاته على الحق والمصلحة والتاريخ.

أما الدرس المستفاد الثاني.. فإن استلهام ما يوصف بأنه سيناريوهات إنما يعني في التحليل الأخير أن أي حلول سياسية ينبغي في هذه المرحلة من تاريخ منطقتنا والعالم لابد وأن تصدر عن فكر إبداعي وتصورات مبتكرة بحيث تستشرف آفاقا أرحب شريطة الالتزام المبدئي بالحقوق غير القابلة للتصرف أو التنازل للشعب الفلسطيني.

محمد الخولي