يدخل العام الجديد، حاملاً إرثاً غير مسبوق، بأزماته وتحدياته النوعية. وكلها من العيار المفتوح على مخاطر هائلة. ومنها مصيرية. وكلها تفجّرت أو بدأت تتبلور ملامحها، مع دخول هذا القرن أو خلال عقده الأول. تركة السنوات التسع الماضية، انتقلت إلى هذا العام؛ بكل ما تحمله من تأزم وانسدادات.

تراكمات تميّزت بمحطات رعب وبأحداث وانهيارات مزلزلة. كما تميّزت ببدايات تغيير في موازين ومراكز القوى الدولية المؤثرة والراجحة كفّتها. وزاد الطين بلّة، أن العالم نكب، طوال السنوات الثماني الأولى من هذا العقد، بحكم بوش؛ الذي جاء إلى الرئاسة في غفلة من الزمن.

اجتمعت رعونة سياساته، مع ظروف غير اعتيادية؛ باحتقاناتها وسخونتها وتعقيداتها. الحصيلة كانت خلطة من الكوارث والتداعيات المتناسلة عن بعضها؛ في أكثر من حقل وعلى أكثر من صعيد. في الداخل كما في الخارج. عهده أسس لانهيارات، أو سرّع وتيرة تفجّرها. من الأزمة المالية، التي كادت أن تطيح بالنظام المالي العالمي؛ إلى مغامراته العسكرية وعلاقاته الفوقية والموتورة مع العالم.

وحتى مع حلفائه، ما عدا إسرائيل؛ التي ترك لها الحبل على غاربه، كما لم يحصل من قبل. الانفلات، كان عنوان رئاسته. استرجاع الهيبة لإدامة الهيمنة، كان الهمّ الأساسي الذي طغى على فترة ما بعد 11/9. وبالتحديد بعد ورطة الحرب على العراق والتعثر في أفغانستان. في هذا الإطار طرحت واشنطن موضوع الدرع الصاروخية الواقية، في شرق أوروبا.

كان من الواضح أنه محاولة أو خطوة أخرى، إلى جانب توسيع الناتو؛ لعزل روسيا وشد خناق الحصار عليها. على الأقل هكذا تعاملت معه موسكو. الأمر الذي زاد من درجة التوتر في العلاقات الروسية الأميركية. بل زاد من منسوب الشكوك بالنوايا الأميركية. خاصة من قبل بلدان صاعدة ووازنة، مثل الصين وغيرها.

تسممت الأجواء، لينعكس ذلك بصورة سلبية على مستوى التعاون الدولي المطلوب، لمواجهة قضايا وتحديات عاتية؛ تحتاج بطبيعتها وشموليتها الكونية، إلى حشد وتنسيق بين كافة بلدان العالم. وبالذات قضية الاحتباس الحراري. فضلاً عن قضايا الفقر والمجاعة، التي ضربت ولأول مرة أكثر من مليار إنسان. القصور الدولي، صارت علاماته بادية على أكثر من صعيد.

ثمة حالة من الانكفاء، تسود الساحة الدولية؛ في لحظة يحتاج فيها العالم إلى المزيد من التكاتف. أوروبا تمر في لحظة انتقالية، بين تقدم الاتحاد ومؤسساته وبين تراجع أو التباس القرار السيادي. روسيا مشغولة بالعمل على استرداد ما أمكن من وهج ووزن زعامتها السابقة.

تريد مقعداً متقدماً في قمرة القيادة الدولية. الصين تدخل الشوط الأخير من السباق إلى احتلال الموقع الثاني في الاقتصاد العالمي وبالتالي النفوذ الدولي. وكذلك دول أخرى على سلّم الصعود من الهند إلى البرازيل وغيرها.

بلدان العالم الثالث، مشغولة بأوضاعها البائسة والتي زادت الأزمة المالية من صعوباتها. البلدان الصناعية الغنية، تعطي الأولوية المطلقة لمصالحها الذاتية. تبدّى ذلك بصورة جليّة أثناء مؤتمر كوبنهاغن.

لا مأخذ على ذلك لولا خطورة ومصيرية التحدي القائم الذي يهدّد الجميع. كل بلد تشبث بمصالحه أولاً، بقطع النظر عن خطورة الموضوع وأهمية بل ضرورة تقديم التنازلات من أجله.

رزمة الأزمات التي تمّ ترحيلها إلى العام الأخير من هذا العقد، مخيفة؛ كمّاً ونوعاً. من الأزمة المالية إلى سخونة المناخ إلى هموم الفقر والجوع والانفجار السكاني الزاحف؛ فضلاً عن تحدّيات الأوبئة المتزايدة مع تردّي أحوال البيئة، ناهيك بسباق التسلح والحروب والنزاعات المدمرة التي تزرع أرض الشرق الأوسط، بشكل خاص. قائمة طويلة من المعضلات المتراكمة، التي ازداد تأزمها مع مرور الزمن من غير معالجة؛ بحيث تركت للترحيل من سنة لأخرى.

مجيء الرئيس أوباما ساعد على وقف التدهور. لكن المشكلات بقيت دون التصدّي المطلوب. التأجيل سيّد الساحة. بيد أن لهذا التدبير حدوده. في وقت ما، الاستحقاقات تفرض نفسها. خاصة وأن العديد من هذه الملفات، سريع الالتهاب. أو أنه بطبيعته لا يقبل الانتظار المديد.

لذلك يبدو عبور 2010، أشبه بالعبور على حبل مشدود. مجرد تأمين التوازن ولو من غير تقدّم، انجاز. العالم يقف على أكثر من حافة هاوية. أقصى الطموح، وفق ما يؤشر إليه المشهد الدولي، هو تحاشي السقوط.

فيكتور شلهوب