شهدت إسرائيل في الأيام الماضية تصعيدا في المساجلات بين التيارات الدينية والتيارات العلمانية، في تعبير عن استمرار التوتر بين الدين والسياسة فيها.
مثلا، فقد عاد الحديث عن الاحتكام للشريعة الدينية، بدلا من الاحتكام للقوانين الوضعية (الحكومية). وقد أطلق هذه الدعوة الحاخام عوفاديا يوسف (الزعيم الروحي لحزب شاس)، في مؤتمر للحاخامات، مخصّص للبحث في هذا الموضوع، حيث اعتبر «كل من يتقاضى أمام الأجهزة القضائية ويترك القضاء اليهودي إنما يتحدى توراة موسى. ويغدو مجرما، محظورا ضمه إلى عداد المصلين».
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ أخذت الحماسة بوزير العدل الإسرائيلي يعقوب نئمان (محسوب على ليكود)، الذي كان حاضرا في المؤتمر، فدعا إلى فرض قوانين الشريعة اليهودية في إسرائيل بالتدريج. طبعا لم يمر الأمر بسهولة حيث تعرض الوزير لحملة مشددة، من أوساط سياسية وقضائية وصحفية، رغم محاولاته التخفيف من مغزى ماقاله، وصلت إلى حد المطالبة بإقالته من منصبه.
وبحسب تسيبي ليفني (زعيمة المعارضة وحزب كاديما)، فإن «أقوال وزير العدل يجب أن تقلق كل مواطن تهمه الدولة والقيم الديمقراطية». وحذرت من أن هذه الأقوال «ستزيد الشرخ بين المتدينين والعلمانيين..في النهاية سنجد أنفسنا نعيش في مجتمعين متقابلين لا قاسم مشتركا بينهما. لكل جماعة قضاؤها وقوانيها. وفي نهاية المطاف يتفكك المجتمع الإسرائيلي في الداخل».
ودفعت تصريحات نئمان هذه بأمنون روبنشتاين (وزير عدل اسبق)، لمهاجمة قانون الأحوال الشخصية المعتمد على الشريعة اليهودية باعتباره «الزاوية الأشد إظلاما في قضائنا»، ومعلوم أن القضاء في إسرائيل مدني ورسمي، باستثناء ما يتعلق بالأحوال الشخصية حيث يعتمد على الشريعة الدينية، كما ثمة نوع من محاكم دينية/توراتية خاصة بالطائفة الحريدية (المتدينة).
ولخّص عكيفا الدار الوضع بقوله: «الحاخامات أعلنوا نضالاً ضد صاحب السيادة؛ ألا وهي قوانين الدولة والكنيست والحكومة والمحاكم وسلطات فرض القانون.. أصبحت إسرائيل جنة عدن لمنظمات أصولية». («هآرتس» 14/12)
أما جدعون ليفي، فعقّب على دعوة الوزير نئمان بالشكل التالي: «إسرائيل في الأصل أصبحت نصف دولة شريعة.. الإسرائيليين الذين إخافتهم أقوال الوزير، والذين يحبون أن يروا دولتهم ليبرالية وغربية وعلمانية، ينسون أن حياتنا هنا هي حياة دينية وتقليدية وشرعية أكثر مما نحن مستعدون للاعتراف به..إسرائيل أكثر قربا إلى طهران من ستوكهولم في 2009.
من الولادة إلى الوفاة، ومن الختان إلى الجنازة، ومن إقامة الدولة إلى إقامة آخر بؤرة استيطانية في الضفة، ندبر شؤوننا في ظل الأوامر الدينية. («هآرتس»، 1210)
المظهر الثاني لهذا التوتر تجلّى في رفض الحاخام ملماد (رئيس مدرسة دينية)، المشاركة في اللقاء الذي جرى بين رؤساء المدارس الدينية ووزير الدفاع (ايهود باراك). وكان هذا الحاخام (كما غيره) يلعب دورا كبيرا بالتحريض الخطي والشفهي لتلامذته على التمرد ومخالفة قوانين الدولة والجيش، والتي وصلت حد توجيه اهانات للضباط والجنود الإسرائيليين، ورفض أوامر الإخلاء (من بعض البؤر الاستيطانية ـ وسابقا من مستوطنات غزة).
وثمة في إسرائيل من يرى في هذه التصرفات من قبل حاخامات المستوطنين «تمردا على الدولة، وإحلال سلطة الحاخامات بدل سلطة القانون. («يديعوت أحرونوت»، 1216)
المظهر الثالث، تمثل بقيام مجموعة من اليهود المتطرفين بإحراق مسجد في قرية ياسوف (قرب نابلس)، حيث رأى فيه عديد من المحللين حدثا خطيرا، يؤشر على خطر الأصولية اليهودية المتطرفة، على إسرائيل، وعلى مستقبل العلاقات مع الفلسطينيين.
وبرأي يهوشع سوبول فإن «التطرف هو صورة من الجنون الخطر جداً لأنه يحمل سمة الوباء. وهو معدٍ أيضا.. أعطوهم نارا ثم نارا ثم نارا. لن يهدأوا إلى أن تشتعل البلاد كلها والمنطقة كلها ولماذا لا يشتعل العالم كله؟ هذا ما نراه على بعد منا عند الجماعة التي تقود إيران.. وما نراه بيننا على تلال «السامرة»..
فهنا وهناك يضطرب جنون ديني في رؤوس ملئت بالدم، ولن يستريحوا ولن يهدأوا إلى أن ينجحوا في أن يشعلوا النار من جديد..إلى أن يسبب.. سفك الدماء في شوارع مدننا ومدن الفلسطينيين«. («إسرائيل اليوم» 16/12)
وقد اعتبر دان كسبيت بأن «حرق المسجد في قرية ياسوف ومظاهر رفض الأوامر العسكرية في المدارس الدينية وتمرد الحاخامات ضد سياسة تجميد الاستيطان كلها أمور تضاف إلى تصريح وزير العدل.. جميعها تخلق صورة مقلقة: إسرائيل تتطرف، ومع جيش إسرائيلي متديّن، تسير بثقة نحو حرب دينية إقليمية شاملة..كل من يخشى الذرة الإيرانية بوسعه أن يطمئن.
فالخطر الكبير يتهدد دولة إسرائيل من تدهور الصراع مع الفلسطينيين والدول العربية إلى حرب دينية شاملة.. الحروب الدينية الأشد وحشية ودماراً بين الحروب في العالم..هكذا كان الحال في الماضي وهو ما يجري على ما يبدو أمام أعيننا».. وحذر كسبيت من تحويل الصراع مع الدول العربية ومع الفلسطينيين من «الميدان البراغماتي، في الغالب حول تقاسم الأرض.. إلى صراع ديني مدمّر يقود إلى انفجار». («يديعوت أحرونوت»، 1214)
إضاءة
تقرير وزارة الخارجية الأميركية بشأن حرية العبادة في العالم يعرض إسرائيل.. بوضع إشكالي.. ربع تلامذة جهاز التعليم اليهودي لا يتعلمون مواضيع عامة كالانكليزية والرياضيات والعلوم، ولهذا سيصعب عليهم الاندماج في سوق العمل..من الناحية الاقتصادية والأمنية، يتحمل المجتمع الإسرائيلي على كاهله عبء الحريديم (المتدينين).
كان هذا صعباً..في الثمانينيات.. لكن لم يعد محتملاً الآن..من شأن هذا الواقع أن يهدم المجتمع والاقتصاد الإسرائيليين بعد عشرين سنة، ويحول إسرائيل إلى دولة عالم ثالث..وأن يفضي إلى تقسيم الدولة أو إلى حرب أهلية. حدث هذا لدى آخرين، وقد يحدث عندنا.. الحل لا أن يكف الحريديم عن أن يكونوا متدينين متزمتين.. بل أن يبدأوا العمل والخدمة في الجيش، وان يندمجوا في المجتمع العام. (شاحر ايلان، «هآرتس»، 1124)
ماجد كيالي
