هناك أطروحة تتردد في هذا الكتاب مفادها أنه إذا أرادت أوروبا أن تثبّت موقعها في عالم تتكاثر التحديات فيه وتتعاظم.. فعليها أن توحّد جهودها مع روسيا في إطار «كتلة» ممتدة من جبل طارق إلى فلاديفوستك في أقصى شرق روسيا، ذلك من أجل بلوغ نوع من «التكافؤ الاستراتيجي» مع الولايات المتحدة.

هذا «المجال الأوروبي الشامل» أو «أوروبا الكبرى» يقدّم ميزات اقتصادية هائلة ليس أقلها امتلاك روسيا لموارد الطاقة بكميات هائلة، والتي تفتقر إليها بلدان أوروبا الغربية. ومثل هذا الإطار يغدو ضرورياً أكبر في ظل مستلزمات العولمة الليبرالية السائدة وقواعد السوق. هذه العولمة والقواعد تفرض أيضاً اتخاذ بعض إجراءات الحماية «الأوروبية» مع تعزيز محور فرنسا ـ ألمانيا ـ روسيا، وليس على صعيد الطاقة فقط ولكن في مختلف ميادين الصناعات الأخرى. وروسيا من جهتها تطرح على نفسها مسألة انتمائها إلى أوروبا أو إلى آسيا. والتحليلات المقدمة ترى فيها إحدى رئتي «أوروبا المسيحية» بمكوّنها الأرثوذكسي بينما تشكل أوروبا الغربية الكاثوليكية الرئة الأخرى. «ليس هناك أي تحالف ممكن بين الولايات المتحدة التي تقوم بتحضير وجبة العشاء وأوروبا المكلّفة بغسل الأطباق». بهذه الجملة التي قالها ذات يوم جان بيير شوفنمان، السياسي الفرنسي والوزير في عدة حكومات فرنسية، يفتتح مارك روسيه تحليلاته عن المجالين الأوروبي والأميركي والعلاقات بينهما بناء على المعطيات الجيوسياسية والاقتصادية والجغرافية والثقافية، وأيضاً على ضوء منظورات المستقبل.

وينقل المؤلف بداية عن نابليون الأول قوله ذات مرة «هناك مفهومان فقط للعالم، هما المفهوم الانجليزي والمفهوم الفرنسي». وهذان المفهومان يتناظران، حسب التحليلات المقدّمة، مع مفهوم جيوستراتيجي «بحري» قالت به بريطانيا التي كانت أول قوة بحرية في العالم وتبنّته بعد ذلك الولايات المتحدة، ومفهوم جيوستراتيجي «برّي» اعتمدته فرنسا وروسيا منذ البداية. وإذا كانت الأرض «البر» تعود ل«مالكها» فإن إمبراطورية القوى البرية تستلهم من «الذهنية القائمة على الملكية» بينما تستلهم إمبراطورية القوى البحرية من «الذهنية القائمة على التجارة». والتاريخ العالمي كله هو نتاج صراع القوى البحرية ضد القوى البريّة. بهذا المعنى كان يُقال عن الصراع بين روسيا، القوة البرية، وبريطانيا، القوة البحرية، وحتى نهايات القرن التاسع عشر أنه كان صراع بين «الدب» و«الدلفين».

على خلفية مثل هذه المقارنة «التاريخية» يرى مؤلف هذا الكتاب أن أوروبا، وبفعل تعاظم البعد التجاري وتبعية بقية النشاطات الإنسانية للعلاقات المترتبة على هذا البعد، أصبحت تابعة للولايات المتحدة بعد أن كانت سيّدة لقرون عديدة. وبالتالي من المهم بالنسبة لها اليوم أن تعود إلى موقع تكون فيه ب«مكان وسط» بين موسكو وواشنطن. ذلك أنها محكومة ب«الجوار» مع روسيا ولها شواطئها على المحيط الأطلسي. وفي السياق الراهن لعالم تزداد تحدياته وتتعاظم ينبغي على أوروبا، إذا أرادت المحافظة على وجودها والدفاع عن نفسها وتأكيد موقعها في المستقبل، أن تجمع قواها في مجال كبير يضم «الكتلة» الممتدة من جبل طارق إلى فلادفستوك الروسية. ذلك أن هذا الهدف يمكنه أن يعبئ الجهود من أجل بلوغ نوع من «التكافؤ الاستراتيجي» مع الولايات المتحدة الأميركية.

المجال الأوروبي الشامل

يرى المفكر الاقتصادي الفرنسي جاك أتالي أن «روسيا تبقى بالنسبة للأميركيين هي القوة الكبرى الوحيدة في أوروبا الغد، ذلك أنها تملك موارد الطاقة والمساحة الشاسعة».

وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن روسيا هي أحد أغنى بلدان العالم بالمواد الأولية وهي الأكبر مساحة فيه.

والسؤال المستمر هو هل ستكون روسيا وسيبيريا أوربيتين أو آسيويتين؟ وقبل أية إجابة على مثل هذا السؤال يؤكد المؤلف أن سيبيريا تمثل اليوم «موقعاً متقدماً» للأوروبيين في مواجهة الصين. وبالتالي ستكون السيطرة على سيبيريا هي أحد الرهانات الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين بين «أوروبا الكبرى» والصين.

ويتم التأكيد في هذا السياق على أهمية «المجال الاقتصادي ومجال الطاقة الأوروبي الشامل». ذلك أن الأفق التجاري لعالم الغد يشير إلى احتمال قيام مناطق كبرى في مقدمتها المنطقة الأميركية والمنطقة الآسيوية.

وبالتالي من المهم جداً قيام منطقة أوروبية «تضم روسيا»، خاصة أن التداخل بينها وبين أوروبا قائم في الواقع إلى درجة يمكن معها تصور «وحدة المصير المشترك» على الصعيد الاقتصادي بأقل تقدير. وينقل المؤلف عن لورنس فابيوس رئيس وزراء فرنسا الأسبق قوله: «إذا لم تدرك أوروبا الطبيعة الحقيقية للعولمة، فإنها تخاطر أن تصبح بعد فترة وجيزة منطقة صناعية تعمل لحساب الآخرين، بل وأن تصبح مجرد صحراء».

وتشير التحليلات المقدّمة إلى أن الاتحاد الأوروبي، بما هو عليه، والعولمة وحرية التجارة أمور ستؤدي كلها إلى تقهقر أوروبا على الصعيد الصناعي وإلى زيادة أشكال التفاوت الاجتماعي فيها. ومثل هذا الأفق يعني أيضاً تعاظم هشاشة شرائح عديدة بسبب تعاظم فقرها، ودون الحديث عن تقلص فرص العمل. الترجمة العملية لمثل هذا الواقع تتجسّد في حالة الخوف الكبير لدى الطبقات الوسطى في أوروبا بالنسبة لمستقبل أبنائها.

النظرية المزيفة

ويتم في هذا السياق شرح ما يسميه المؤلف ب«النظرية المزيّفة» للتبادل التجاري الحر بسبب ما يترتب عليها، وحيث يبدو أن إجراءات الحماية الاقتصادية أصبحت أمرا لا بد من اللجوء إليه بالنسبة للأوروبيين، رغم كل ما يقال عنها من مساوئ. ذلك أن الأوروبيين كمستهلكين يمكنهم أن يشتروا منتوجات صينية أو هندية بسعر منخفض. لكنهم يزيدون مقابل ذلك من هشاشة فرص عملهم أو انخفاض أجورها مع زيادة الرسوم المفروضة من أجل تغطية «الثمن الاجتماعي» للبطالة. ثم إن استيراد السلع الاستهلاكية في أوروبا يزداد بسرعة أكبر من إنتاج السلع الوطنية مما يؤدي غالباً إلى «اختفائها».

بالنتيجة تتم الدعوة إلى إعادة العمل بمفهوم «تفضيل السلع الأوروبية» وممارسة نوع من «النزعة الوطنية الاقتصادية» والتأكيد على تشديد الرقابة على الاستثمارات الخارجية. وهذا كله يقابله تعزيز التعاون الاقتصادي بين محور فرنسا ـ ألمانيا ـ روسيا، خاصة أن الاتحاد الأوروبي هو الشريك الأول لموسكو حيث إنه مصدر 60 بالمئة من التجارة الخارجية الروسية.

وهناك أيضاً الرهان الأوروبي الشامل في مجالي البترول والغاز الروسيين.

إن روسيا تحتل المرتبة السابعة في العالم بالنسبة لاحتياطي البترول الأولى بالنسبة للغاز. وهي أكبر منتج للبترول في العالم بواقع 8 مليون برميل يومياً تصدّر ثلثها مما يجعلها في المرتبة العالمية الثانية بين البلدان المصدّرة بعد المملكة العربية السعودية.

وهذا يستدعي التفكير جدياً، كما يرى المؤلف، بإقامة نوع من مجال «تشنغن» يكون الثنائي الفرنسي الألماني محوره بالشراكة مع روسيا. ذلك في منظور حرية انتقال موارد الطاقة، مثل حرية انتقال الأشخاص في إطار «تشنغن» حالياً.

ويفتح المؤلف هنا قوسين ليتساءل: هل يريد الأوروبيون أن يبيع الروس مصادر طاقتهم للصينيين واليابانيين ويتقاربون مع إيران؟

النتيجة التي يصل إليها المؤلف بالنسبة لمجال التعاون الأوروبي الروسي على صعيد الطاقة تقول أن الأوروبيين يبالغون في اعتبار أن روسيا هي بحاجة لرؤوس الأموال الأوروبية أكثر من حاجة الاتحاد الأوروبي للطاقة الروسية. لكن هذا يعني، كما يرى، نسيان واقع السوق وأن الصين مستعدة لدفع ثمن مرتفع مقابل تأمين تزودها بالطاقة.

ويعني أيضاً نسيان أن روسيا، التي تتوجه نسبة 44 بالمئة من صادراتها البترولية نحو أوروبا، تبقى هي الشريك المثالي لأوروبا على صعيد الطاقة. ويمكن لروسيا أن تكون أيضاً شريكاً مهماً على صعيد الصناعات الدفاعية والفضائية.

روسيا الأوروبية

يقول الكاتب الروسي الكبير فيودور دوستويفسكي في إحدى يومياته «عندي وطنان، أوروبا وروسيا. ولا نستطيع أبداً أن ننكر أوروبا، فهي وطن ثانٍ بالنسبة لنا، وأنا أول من يعترف بذلك وقد اعترفت فيه دائماً. وأوروبا غالية علينا كلنا بمقدار ما هي روسيا غالية تقريباً».

هل الروس أوروبيون؟

يتساءل المؤلف ثم يضيف أن روسيا منقسمة منذ قرون بين تعلّقها بالآداب الفرنسية وبنمط حكوماتها التي يجمعها ما يُسمى ب«الاستبداد الآسيوي». والتأكيد أيضاً أن روسيا أقامت باستمرار علاقات في غاية التعقيد مع أوروبا. فمن جهة هي تنتمي تماماً إلى أوروبا وتاريخها زاخر بما يؤكد هذا الانتماء، ومن جهة أخرى حاولت غالباً أو جرى إرغامها على أن تتمسك بموقع على هامش أوروبا. وموقعها الجغرافي يحمل نفس الغموض إذ يمكن أن تبدو كمنطقة «حدودية» بين أوروبا وآسيا أو أن تبدو كمحور مركزي للمجموع الأوروبي الآسيوي.

لكن وجود 100 مليون من سكانها في أوروبا، أي في القسم الروسي الواقع غرب جبال الأورال يجعل من روسيا في القرن الحادي والعشرين ذات انتماء أوروبي برجالها وبموقع عاصمتها موسكو التي تبعد 6000 كيلومتر عن فلاديفوستك في شرق البلاد بينما لا تبعد سوى 1700 كيلومتر عن برلين.

رأس نحو الأطلسي

إن روسيا هذه التي «يميل رأسها نحو الأطلسي» هي بالأحرى «أوروبية» أولاً وأساساً.

وروسيا هي أوروبية كما تدل الحقيقة التاريخية المتعلقة بعدد الضحايا الذين قدّمتهم خلال الحربين العالميتين، الأولى والثانية.

ولا يتردد المؤلف في القول ان الغربيين يحبّون عموماً الروس، لكنهم لا يحبّون روسيا. ذلك تحديداً بسبب الدعاية الأميركية ووسائل الإعلام.

وإخفاء حقيقتين تاريخيتين هما أن روسيا كانت صاحبة الدور الحاسم أثناء الحربين العالميتين ضد ألمانيا الإمبريالية والنازية وليس أميركا، كما هو شائع.

وتقول التحليلات المقدّمة ان الكاثوليكية السائدة في أوروبا والأرثذوكسية في أوروبا والأرثذوكسية في روسيا تشكّلان «الرئتين المسيحيتين لأوروبا».

كذلك يتم التأكيد على أن الرئيس الروسي السابق، ورئيس وزراء روسيا الحالي، فلاديمير بوتين، الذي تعود أصوله إلى مدينة سان بطرسبرغ «النافذة الروسية على أوروبا»، يرى مستقبل روسيا «أوروبياً».

هذا، فضلاً عن أنه ليس مأخوذاً أبداً ب«الموديل» الأميركي، فهو، كما يتم توصيفه، روسي أولا وأوروبي ثانياً وهو القائل «روسيا هي قبل كل شيء بلاد أوروبية بعقليتها وأيضاً بثقافتها».

وبعد الإشارة إلى وجود حوالي 12 مليون مسلم من أصل مئة مليون روسي في منطقة غرب الاورال، يصل المؤلف إلى القول ان روسيا «ممزقة» بين أوروبا وآسيا، ولكنها تميل إلى أن تكون أوروبية أكثر وأنها تشكّل «حظّا» للتجديد بالنسبة لأوروبا الغربية.

المؤلف في سطور

يحمل مارك روسيه، مؤلف هذا الكتاب، شهادة الدكتوراه بالعلوم الاقتصادية. وكان قد أنجز دراساته في جامعتي كولومبيا وهارفارد.

عمل لمدة عشرين عاماً مديراً في عدة مجموعات اقتصادية كبرى مثل «افينتيس» و«كارفور».

سبق له وقدّم العديد من الكتب. في عدادها «من أجل تجديد المؤسسات» الذي كتب مقدمته رئيس وزراء فرنسا الأسبق ريمون بار، و«أوروبا الجديدة في عهد شارلمان» الذي نال جائزة أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية.

وإلى جانب اهتماماته الاقتصادية برز مارك روسيه كأحد الباحثين الاستراتيجيين الأوروبيين الكبار.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: غودفروا دو بويون ـ باريس ـ 2009