قبل سنتين وقف العالم من أجلي ومن أجل أطفالي. فقد اهتزت باكستان من الصميم وتمزقت إرباً. وفقدت النساء في كل مكان واحدة من أعظم رموز المساواة لديهن. ففي ديسمبر 2007، اغتيلت زوجتي بناظير بوتو. كانت أشجع من عرفت على الإطلاق، ويعتبر مقدم العام الجديد مناسبة ملائمة أعكس من خلالها ما حققته لباكستان وكيف يجب الحفاظ على تراثها ضد من يعملون على إعادة باكستان إلى قوى الظلام.

لقد انتخبت بوتو مرتين رئيسة للوزراء في باكستان، وتركت بصماتها القوية، حيث وقفت وواجهت قوى الدكتاتوريات العسكرية وهزمتها، وحررت السجناء السياسيين كافة، وأنهت الرقابة على الصحافة، وشرّعت النقابات التجارية واتحادات الطلبة، وبنت 46 ألف مدرسة ابتدائية وثانوية، وعينت أول قاضيات في تاريخ البلاد. وأظهرت لنساء باكستان والعالم أن عليهن ألا يكتفين بأية حدود لقدراتهن وفرصهن في التعلم والترؤس في المجتمع العصري.

تعرضت بوتو في السابق لمحاولتي اغتيال على يد تنظيم القاعدة في تسعينات القرن الماضي. وكررت رئيسة الوزراء الراحلة مراراً تحذيرها للعالم المتشكك من الخطر الداهم للمتطرفين والمتشددين. وفي حملتها الأخيرة، وحتى يوم موتها على يد أولئك المتطرفين، كانت تعبئ الشعب الباكستاني وتحشده وتحذره من خطر الإرهابيين وتهديداتهم.

ولم يستطع القتلة القضاء على أحلام بوتو. ففي يوم تشييعها، وحتى عندما كان مؤيدوها يصرخون طلبا للثأر، ذكّرنا حزب الشعب الباكستاني الذي ننتمي إليه، كما ذكّرنا الشعب، بكلماتها التي كانت تردد فيها: «الديمقراطية هي أكبر انتقام».

ثم قدنا الحزب إلى الفوز في الانتخابات. ومنذ ذلك الحين، ووفاء للبيان الانتخابي الذي كتبته، أمكن تحقيق التوازن في الاقتصاد الباكستاني وأعيد تنشيطه بعد تركه في حالة يرثى لها خلال عقد من الدكتاتوريات، وانتهت أزمة نقص الغذاء والطاقة، وتبنينا برنامجا وطنيا للمرة الأولى في تاريخ البلاد لمواجهة تحدي انتشار المدارس السياسية.

وقد وضعت اللمسات الأخيرة على الإصلاحات الدستورية، وهي ستخلص باكستان من الأحكام غير الديمقراطية، التي وضعها الدكتاتوريون العسكريون والتي وسعت من صلاحية الرئاسة على حساب البرلمان.

تم إنجاز الكثير، لكن لم يكن الأمر سهلا على الشعب الباكستاني، وحزب الشعب، وعائلتي. لقد قاومت قوى مختلفة في باكستان التغير والحداثة والديمقراطية لثلاثين عاما، ولا تزال تحاول تعطيل مسيرة التقدم.

وتأمل بعض هذه القوى التي كانت في الماضي متحالفة مع الدكتاتوريات العسكرية، الآن أن تعطل العملية القضائية الإرادة الديمقراطية للناخبين وتزعزع استقرار البلاد. وتهدد أساليب العمل في المؤامرات السابقة ضد الحكومات المنتخبة ديمقراطيا في باكستان الآن بتقويض شرعية حكومتنا.

والمفارقة أن الذين لم يقفوا معنا في حربنا ضد الإرهاب، يقفون الآن ضدنا في وسائل الإعلام. لقد أمضيت ما يربو على 12 عاماً في السجن بتهم ملفقة بالفساد لم تثبت مطلقاً، حتى بواسطة نظام قضائي تلاعبت به الدكتاتوريات العسكرية والطغاة المستبدون. لكني مثل زوجتي الراحلة أرفض التهديد والخنوع له، لذلك لنترك العملية القضائية تمضي قدما، فالذين قارعوا الدكتاتوريات لعقود من الزمن، من أجل الديمقراطية، لا يهابون العدالة بل يؤمنون بتحقيقها.

وسيدافع وزرائي وحزبي وزعماء الأحزاب الأخرى وألوف الموظفين المدنيين في أرجاء البلاد، عن أنفسهم في المحاكم إذا دعت الضرورة. لقد قطعت الديمقراطية شوطا طويلا في باكستان وكان حزب الشعب الحاكم في طليعة المقاتلين دوماً. في عام 1979، أُعدم ذو الفقار علي بوتو، والد بناظير بوتو ورئيس الوزراء المنتخب، تحت ستار دخاني يعتبره التاريخ الآن اغتيالاً قضائيا ظالما. وبعد عقدين من الزمن، وجهت إلى بناظير تهم ملفقة بأوامر من خصومها السياسيين الذين كانوا وقتئذ في السلطة.

وعند نشر تسجيلات أولئك المسؤولين الحكوميين، وهم يأمرون المحاكم بتلفيق الأدلة وتزييف الشهود ضدها، بصورة علنية، تم استبعاد تلك التهم.

نحن لم نقطع هذا الشوط الكبير في صراعنا الديمقراطي لكي نفشل، لقد استلهمت هذا الصراع من رئيس الوزراء الراحل (ذي الفقار علي بوتو) الذي أكد أنه يفضل الموت على يدي جلاديه الدكتاتوريين على أن يقتله التاريخ.

بقلم ـ آصف علي زرداري - رئيس باكستان