إن المتأمل لعام مضى حاملا معه أياما كانت باهية في ظاهرها، قاتمة في عمق باطنها، يرى أن العراق حقق إنجازا «حقيقيا» تمثل في انسحاب القوات الأميركية من مدنه وقصباته، كما انه نجح في تجاوز عدد من المحن كادت أن تعصف بـ «استقراره».
ولكنه تعثر مرارا في خلق توافق اجتماعي وسياسي حقيقي حيال جملة من القضايا، وإن كانت صيغ «اللحظة الأخيرة» ملاذا آمنا للجميع عند كل طريق مسدود يصدمون بنهايته.
فبعدما أقر مجلس النواب العراقي (البرلمان) في السابع والعشرين من نوفمبر 2008 الاتفاقية الأمنية مع الولايات المتحدة بهدف تنظيم وجود القوات الأميركية بعد انتهاء تفويض الأمم المتحدة الممنوح لها.
وفي إطار اتفاق شراكة إستراتيجية طويلة الأمد أكمل الجيش الأميركي في الثلاثين من يونيو الماضي سحب كافة وحداته القتالية إلى خارج العاصمة بغداد، مع الالتزام بتقديم الدعم والإسناد للقوات العراقية، وسط مزيج من المظاهر الاحتفالية والقلق الشعبي في الوقت ذاته، قابلته الحكومة بثقة وترحيب، إذ اعتبر رئيس الوزراء نوري المالكي أن الحدث يجسد نهاية للطائفية وبداية على طريق السيادة الوطنية.
وبموجب الاتفاقية، وإذا سارت الأمور كما هو مخطط، ستنتهي العمليات القتالية الأميركية في العراق بنهاية أغسطس 2010، لكن ستبقى قوات قوامها 50 ألفاً حتى العام 2012 لتدريب قوات الأمن الوطنية وتنفيذ عمليات لمكافحة الإرهاب.
إلا أنه مع مرور الوقت، برزت هشاشة الجدول الزمني للانسحاب أمام أمور لم تكن واضحة في المشهد السياسي العراقي، ما جعل التلويح الأميركي بتأجيل مغادرة القوات يتكرر كلما دخلت البلاد في معترك جديد، ولكن من دون الإشارة إلى العدول عن تنفيذ الاتفاق. إذ أنه وبغض النظر عن موقف الرئيس الأميركي باراك أوباما الشخصي من حرب العراق، فهناك عوامل أخرى تجعل من المستبعد أن يفكر في إبقاء القوات لفترة أطول، منها أن إرجاء سحب القوات قد يجعل أي حشد عسكري أميركي في أفغانستان أكثر صعوبة.
إقرار قانون الانتخابات
وفيما يطوي العراق عاما كان حافلا على صعيده الأمني، تستعد البلاد لإجراء انتخابات تشريعية عامة تقررت في السابع من مارس 2010، بعد صولات وجولات من النقاش والخلاف والنقض والتأجيل داخل أروقة البرلمان، أملا في أن تكون خطوة إيجابية على طريق تجاوز الصراع الطائفي الذي اجتاح البلاد على مدى الأعوام الثلاثة الماضية.
والذي خلفه الغزو الأميركي لها في ربيع العام 2003. وبعد جهد جهيد، استطاع البرلمان العراقي في السابع من ديسمبر الجاري، إقرار صيغة معدلة لقانون الانتخابات البرلمانية للعام 2010 الذي ينظم ثاني انتخابات تشريعية في البلاد منذ سقوط النظام السابق، تنص على زيادة عدد مقاعد البرلمان المقبل إلى 325 مقعدا، بينها 15 مقعدا «تعويضية» توزع على الأقليات.
وعلى القوائم الفائزة وفق نسبة الأصوات التي ستحصل عليها، متجاوزا بذلك عقدة خلافية عميقة فجرَها النائب السني لرئيس الجمهورية طارق الهاشمي بنقضه المتكرر لصيغة القانون التي أقرها البرلمان سابقا، بداعي أنها تهمل حقوق العراقيين المهجرين في الخارج.
ويرى مراقبون أن التغيير الحقيقي في تلك الانتخابات يتمثل في الانقسام السياسي الذي بدا واضحا في المكونات السياسية الرئيسية الثلاثة (سنة، شيعة، أكراد)، التي كان كل منها يمثل جبهة واحدة قبل أربعة أعوام. ففي الانتخابات المرتقبة سيتنافس اثنان من التحالفات للحصول على أصوات الشيعة، هما: الائتلاف الوطني العراقي وائتلاف دولة القانون..
فيما يتنافس العرب السنة الذين قاطعوا الانتخابات الماضية بائتلافين رئيسيين ممثلين بجبهة التوافق العراقية، بما فيها الحزب الإسلامي العراقي ابرز الأحزاب الممثلة للعرب السنة في الحكومة الحالية، وائتلاف وحدة العراق. وفي إقليم كردستان، تبدو الاحتمالات مفتوحة للجميع، لان الاتحاد التقليدي للحزبين الرئيسيين: الديمقراطي الكردستاني بزعامة رئيس الإقليم مسعود بارزاني والاتحاد الوطني بزعامة الرئيس العراقي جلال طالباني سيواجهان قائمة «التغيير» المعارضة التي حققت نتيجة متقدمة خلال انتخابات مجالس المحافظات الكردية.
كما يمنح هذا المشهد السياسي الجديد فرصة لقائمتين علمانيتين، الأولى بقيادة «بعثيين» سابقين هما رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي وصالح المطلك، والثانية بقيادة وزير الداخلية جواد البولاني وزعيم قبلي سني هو احمد ابوريشة.
كذلك، يتمثل التغيير الجذري الذي سيرافق هذا الاستحقاق، وإن كان الأمر يبدو نظريا حتى اللحظة، في أن الانتخابات المقبلة ستكون الأخيرة التي تجري بوجود قوات أميركية في البلاد. وهنا تجدر الإشارة إلى الدور البارز الذي لعبه السفير الأميركي كريستوفر هيل لإقناع أو الضغط على الأطراف العراقية لتمرير القانون «قبل فوات الأوان»، لاسيما وأن الولايات المتحدة ربطت جدول انسحابها باستقرار الأوضاع في بلد لم يشهد استقرارا حقيقيا منذ احتلاله.
تفجيرات متسلسلة واستجوابات
ورغم الإعلان المتكرر عن انخفاض معدلات العنف في العراق بشكل ملحوظ بعد الحد من نشاط الميليشيات الشيعية في الوسط والجنوب وتنظيم «القاعدة» في المناطق الوسطى والشمالية، أن مناطق حيوية، وفي مقدمتها العاصمة بغداد، شهدت هجمات نوعية كانت منظمة ومتسلسلة أوقعت الآلاف بين قتيل وجريح، كان أبرزها تلك التي استهدفت مباني وزارتي المالية والداخلية في أغسطس وأكتوبر الماضيين، وأودت بحياة نحو 250 عراقيا فضلا عن مئات الجرحى.
كما شهدت بغداد خمسة تفجيرات أخرى ضربتها في شمالها وجنوبها وشرقها وغربها ووسطها بفارق زمني يكاد لا يذكر، بعد يومين من الاتفاق على قانون الانتخابات، ما أدى لسقوط قرابة 700 شخص بين قتيل وجريح، وفتح باب استجواب البرلمان للوزراء والمسئولين الأمنيين.
ما اعتبره محللون سياسيون بأنه «إعلان مبيت من جماعات التمرد» لتعطيل الانتخابات والإضرار بسمعة المالكي، واصفين الهدوء الأمني بأنه «خادع». كما دفعت تلك الهجمات باتجاه كيل الاتهامات المتكررة لدول الجوار العراقي، وفي مقدمتها سوريا، ما خلق توترا ظاهرا وكامنا بين البلدين وصل إلى حد تدويله في أروقة الأمم المتحدة، بغية الكشف عن مرتكبي التفجيرات الإرهابية والجهات الخارجية التي تمولهم ومحاسبتها.
وبين دعم وانسحاب أميركي، خلافات واتفاقات، تفجيرات واتهامات، تبقى حالة التناقض اللامتناهية تعبر عن واقع العراق والعراقيين، وترسم صورة ضبابية لبلد قد لا تشرق شمسه يوما ما لم يجتمع قادته وساسته على قلب رجل واحد.
تقرير سهير إبراهيم
