سادت في الولايات المتحدة الأميركية بعد انهيار جدار برلين وسقوط المعسكر الشيوعي مقولة أنه ينبغي على أميركا أن تفرض سيادتها على العالم باعتبارها القوة العظمى الوحيدة.

مثل هذه المقولة وجدت معارضة كبيرة لدى الأمم والبلدان الأخرى الداعية إلى عالم متعدد الأقطاب. هكذا ارتفعت في أوروبا أصوات عديدة تطالب بالابتعاد عن واشنطن والاقتراب من روسيا. وهذا ما يشكل أطروحة هذا الكتاب: «أوروبا الجديدة ـ باريس، برلين، موسكو».الولايات المتحدة، كما يتم تقديمها، هي أحد الأسباب الرئيسية في عدم احتفاظ أوروبا بموقعها كقوة مستدامة. بالمقابل هناك ما يوحّد بين القارة القديمة وروسيا كضرورة حيوية من أجل مواجهة تحديات العالم الراهن التي ليس أقلّها صعود الصين والهند وتعاظم ظاهرة الإرهاب والأخطار المهددة الأخرى. ودعوة من أجل قيام محور باريس ـ برلين ـ موسكو وتحقيق «أوروبا الكبرى» كثقل مقابل للولايات المتحدة وليس تابعا لها.

«في عالم الغد الذي ستسود فيه الصين والهند والولايات المتحدة لا بد من قيام تعاون وشراكة وتحالف بين أوروبا وروسيا». بهذه الجملة يبدأ المؤلف كتابه «أوروبا الجديدة، باريس.. برلين.. موسكو» الذي يزيد عدد صفحاته عن ال500 صفحة.

وضرورة قيام «أوروبا الجديدة» هذه الممتدة من برست على الشاطئ الفرنسي للمحيط الأطلسي إلى فلاديفوستك في أقصى شرق روسيا تمليها التهديدات والمشكلات التي ستجد القارة نفسها في مواجهتها خلال القرن الحادي والعشرين، وليس أقلها الصعود الكبير للصين وللبلدان الصاعدة الأخرى والرقابة على سيبيريا وآسيا الوسطى وبترول الشرق الأوسط وانتشار الأسلحة النووية وتعاظم العنف والإرهاب وتنامي الهجرة وتناقص عدد سكان أوروبا ومشكلات البيئة والمناخ والنظام العالمي الأميركي.

هذه هي التحديات الأساسية التي يواجهها العالم اليوم، ولا يتردد المؤلف في القول أن أوروبا الغربية وروسيا هما على الخط الأول في مواجهة التحديات الإستراتيجية اليوم، وأكثر غداً. هذا إلى جانب التأكيد أن الولايات المتحدة ستبقى أحد القوى الأساسية في العالم، لكن وزنها، كأوروبا، سوف يتضاءل لصالح ازدياد وزن آسيا والبلدان الصاعدة التي غداً إجمالي إنتاجها الداخلي يعادل إنتاج الغرب.

وبعد قرون من الانحسار.. ها هي الصين تعود من جديد إلى المسرح العالمي بقوة على خلفية قرارها أن تصبح ما كانته طيلة 18 قرنا من الزمن، أي القوة العالمية الأولى. وينقل المؤلف عن الرئيس الصيني هو غنتاو قوله في نهاية عام 2006 أن الصين تستعد مع الهند للسيطرة على العالم وأن «القرن الحادي والعشرين سيكون آسيويا». ويتم التأكيد في هذا السياق أيضاً أن السيطرة على سيبيريا سوف تكون الرهان الكبير في القرن الحالي بين «أوروبا الكبرى» والصين.

أوروبا الكبرى

ينقل المؤلف عن صحيفة أوروبية كبرى ـ لوفيغارو ـ نتائج استطلاع للرأي جاء فيه أن «الخصم الرئيسي» لفرنسا في العالم سيكون الإرهاب الدولي بالنسبة ل63 بالمئة من الفرنسيين ثم خطر الحركات الإسلامية المتطرفة ل34 بالمئة. فالولايات المتحدة ل31 بالمئة من البلدان الصغيرة المالكة للسلاح النووي ل30 بالمئة فالصين ل10 بالمئة فروسيا كمصدر خطر أخير بالنسبة لـ 4 بالمئة من الفرنسيين.

بالمقابل أظهر استطلاع للرأي على الجانب الروسي أن 90 بالمئة من الروس يرون في أوروبا الشريك الرئيسي لروسيا بينما لا يراه سوى 1 بالمئة منهم بالولايات المتحدة مقابل 5 بالمئة بالنسبة للصين. كما ينقل المؤلف عن استطلاع للرأي أجراه أحد المراكز المختصة في موسكو عام 2005 أن نسبة 75 بالمئة من الروس يؤيدون انضمام بلادهم إلى الاتحاد الأوروبي.

هذا مع التأكيد أن ما يجذب الروس إلى أوروبا ليس عالمها التجاري وقوتها الاقتصادية أولا، ولكن بالأحرى بعدها الثقافي الغني مقابل الثقافة الأميركية «الغريبة» عن حقائق القارة القديمة. لكن الرؤية الأوروبية الشاملة جيوسياسيا وإستراتيجيا وديموغرافياً وثقافياً لا يتم التطرق إلى ذكرها إلا نادراً.

ولا يتردد المؤلف في التأكيد أنه قد حان الوقت كي تشرع فرنسا وألمانيا وروسيا بتحقيق مشاريع كبرى في مختلف الميادين. لكن الاتحاد الأوروبي، كما يتم تقديمه، تنقصه حتى الآن الرؤية الإستراتيجية وأوروبا تخفّض من ميزانياتها العسكرية كي «تحتمي» وراء الدرع الأميركية. مع أن أوروبا في مركز الخطر في عالم اليوم.

ويتم التأكيد أنه ينبغي على الأوروبيين أن يشرعوا بتأسيس شراكة حقيقية مع روسيا الأكثر قربا من الناحية الثقافية والسكانية لأوروبا من آسيا. فروسيا تشكل «واقعياً» مكوّناً أساسياً من «أوروبا الكبرى».

مقاربة واقعية

بالمقابل يمكن، دون التنكّر للحلف الأطلسي، الخروج من الإطار «التبسيطي» الذي تقدّم الولايات المتحدة فيه نفسها كقائدة للغرب «الأوروبي-الأميركي»، رغم وجود المحيط الأطلسي «الفاصل» بين القارتين. ثم إن مقاربة لأوروبا على أساس واقعها كقارة تتمتع بامتداد جغرافي مع روسيا تبدو أنها مقاربة أكثر واقعية.

تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن الزعيم الفرنسي شارل ديغول كان قد قدّم رؤية أوروبية للقارة القديمة في مواجهة النزعة الأطلسية السائدة. كما أن مركز الثقل الأوروبي انتقل بعد سقوط جدار برلين نحو شرق القارة.

وينقل المؤلف عن الفيلسوف الألماني الشهير «جورجن هابرماس» تشبيهه للاتحاد الأوروبي اليوم، لو لم تخرج فرنسا وألمانيا من حالة الشلل في اللحظة الأخيرة، بالإمبراطورية الرومانية الجرمانية عشية تفجرها.

والاتحاد الأوروبي لا يعرف حدوده وينسى جذوره.

بالمقابل يرى المؤلف أن اتحادا يضم أوروبا وروسيا يمكنه بوجود القوى الثلاث الكبرى، فرنسا وألمانيا وروسيا، أن يبشّر بمسقبل أفضل ويبدو أكثر واقعية من اتحاد أوروبي من الصعب حكمه وخاضع لأميركا ولا يمتلك أية روح حقيقية.

العالم يتغير

لا شك أن الولايات المتحدة خرجت منتصرة من الحرب الباردة على الاتحاد السوفييتي. ويبدو أن واشنطن تجد نفسها في موقع عليها أن تقود منه العالم وتفرض طابعها على الجميع وفي كل مكان.

وهي لا تتردد أن تتدخل حيث «يحلو لها» مستخدمة الحلف الأطلسي أو المنظمات الدولية. إنها لم تفهم، كما يبدو، أن العالم قد تغيّر. الصين الصاعدة لا تقبل الخضوع لواشنطن.. واليابان يتزايد هامش استقلال سياستها الخارجية بالقياس إلى السياسة الخارجية الأميركية. والهند قوة نووية وبلد صناعي يتقدم. والبرازيل هي بصدد تجاوز فرنسا وبريطانيا وإيطاليا على الصعيد الاقتصادي قريبا.

كذلك أصبح من الصعب أكثر على أميركا أن تزعم قيادتها للعالم بوجود روسيا الشاسعة والثرية بموادها الأولية ووجود ألمانيا الساعية بوضوح إلى تأكيد استقلالها.

وبعد تقديم لمحة سريعة عن العلاقات الروسية الأوروبية ومدى ارتباط مصيرهما تاريخيا، يصل المؤلف إلى القول أنه ينبغي على الأوروبيين أن يجعلوا من روسيا شريكا إستراتيجيا ودراسة إمكانيات القيام باستثمارات مشتركة في مجالات الأقمار الصناعية المكرّسة للاتصالات وغزو الفضاء ومختلف الصناعات المتقدّمة الأخرى.

ويشير المؤلف أن «الحس السليم» بالنسبة لأوروبا يقضي بالاعتماد على شريك دائم في مجال الطاقة وتجنّب «التبعية» للمصادر الأخرى حيث أن أكثر من 80 بالمئة من مصادر البترول والغاز موجودة في مناطق قد تتعرّض لهزات سياسية. ثم إن أوروبا بحاجة إلى روسيا وروسيا بحاجة إلى أوروبا. ونسبة 25 بالمئة من البترول و30 بالمئة من الغاز المستهلكين في أوروبا مصدرهما روسي، و80 بالمئة من الاستثمارات الأجنبية في روسيا مصدرها أوروبي.

بالمقارنة مع أميركا

ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن القارة الأوروبية ربما كانت دائما قوة كبيرة لو لم تتدخل الولايات المتحدة في تعميق خلافاتها الداخلية. ولا يتردد في القول «على القارة الأوروبية أن تواجه هيمنة جيوسياسية عالمية واحدة، هي الهيمنة الأميركية».

والولايات المتحدة، القوة الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية الأولى في العالم، تسيطر على العالم دون وجود أية قوة تقابلها من أجل موازنة السلطات الدولية. والولايات المتحدة «تمتص» كل سنة أكثر من 80 بالمئة من التوفير العالمي لتمويل أشكال عجزها التجاري وعلى الصعيد الميزانية.

و«نزعة سيطرة طرف واحد» لدى أميركا تخالف كل رؤية متوازنة للعالم، وبالتالي تتعارض مع مصالح الأوروبيين. والنتيجة هي «أن الخصم الرئيسي لأوروبا على الصعيد السياسي والجيوسياسي هو الولايات المتحدة الأميركية».

إن المؤلف يسوق العديد من «الأقوال» الأميركية التي تصب جميعها في تأكيد أنه «ينبغي على الولايات المتحدة أن تقود العالم عبر حمل الشعلة الأخلاقية السياسية والعسكرية للقانون وللقوة وتخدم بذلك كقدوة لجميع الشعوب»، كما جاء على لسان السناتور «جيمس هيلمز». وجملة أخرى ينقلها المؤلف وجاء فيها: «كان القرن الثامن عشر فرنسيا والقرن التاسع عشر بريطانيا والقرن العشرين أميركيا، أما القرن الحادي والعشرون فسيكون أميركيا من جديد».

وفي هذا السياق يطرح المؤلف السؤال التالي: «هل أوروبا هي مجرّد مقاطعة من إمبراطورية أطلسية تقودها واشنطن أم هي، على العكس، بالنسبة للأمم الأوروبية.. وسيلة لتكون وزنا مقابلا للقوة الأميركية الهائلة»؟.

وما يؤكده المؤلف في إجاباته على مدى تحليلات هذا الكتاب هو أنه ينبغي لمحور باريس.. برلين.. موسكو، أن يؤدي إلى ظهور قوة قادرة على أن توازن قوة واشنطن اليوم... وقوة بكين غداً.

والصين هي بصدد أن تصبح قوة مسيطرة في الشرق الأقصى، وسوف يكون لها مراميها حيال سيبيريا ومنغوليا وحتى حيال آسيا الوسطى اقتصاديا. ويمكن لـ «الخطر الأصفر» الذي لا تزال ذكرياته في المخيلة الروسية منذ الغزوات المغولية أن يصبح حقيقة قائمة من جديد.

وهناك أيضاً خطر التطرف الذي يقلق أوروبا. وفي المحصلة هناك ملامح عالم جديد يشكّل، ويستدعي قيام «أوروبا الجديدة» حول محور «باريس برلين موسكو». وهذا ما يحاول مؤلف هذا الكتاب البرهنة عليه.

الكتاب: أوروبا الجديدة

تأليف: مارك روسيه

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: غودفروا دو بويون ـ باريس ـ 2009