تميزت صورة المشهد الفلسطيني في عام 2009 ، بكثير من الاحباط الذي خيم على كل تفاصيل الحياة، بدءا من استمرار تراجيديا الانقسام المريرة التي مزقت الوطن إلى ضفتين متباعدتين ومختلفتين بل وتكنان العداء لبعضهما البعض، ومرورا بالجمود الذي اصاب عملية السلام جراء وجود حكومة يمينية متطرفة على هرم السلطة في إسرائيل.
اضافة الى عدم تغير اوضاع قطاع غزة الذي يتعرض لعملية قتل بطيء، جراء الحصار الاسرائيلي الذي حول حياة البشر الى كابوس حقيقي، فضلا عن عدم اعادة اعمار ما دمرته آلة الحرب الاسرائيلية التي سحقت البشر والحجر والزرع في عملية الرصاص المصبوب التي استمرت 22 يوما داميا.
انقسام مستمر
وقد حاولت مصر على مدى هذا العام انهاء الانقسام الفسطيني، وبلورت وثيقة للمصالحة بين حركتي «فتح»و«حماس»،تضمنت عدة نقاط ابرزها ان المصلحة الوطنية الفلسطينية تسمو وتعلو فوق المصالح الحزبية والتنظيمية،ووحدة الأراضي الفلسطينية جغرافيا وسياسيا وعدم القبول بتجزئتها تحت أية ظروف،والحوار هو الوسيلة الوحيدة لإنهاء أية خلافات داخلية،وحرمة الدم الفلسطيني، وتجريم الاعتقال الداخلي، ووقف التحريض، ونبذ العنف وكل ما يمكن أن يؤدي إليه من وسائل وإجراءات.
والديمقراطية هي الخيار الوحيد لمبدأ تداول السلطة في إطار احترام سيادة القانون والنظام واحترام الشرعية، وأن دعم الديمقراطية يتطلب أن تكون هناك مشاركة سياسية من الجميع بعيدا عن مبدأ المحاصصة، والمقاومة في إطار التوافق الوطني هي حق مشروع للشعب الفلسطيني مادام الاحتلال قائما،والاعتماد على المرجعيات الرئيسية السابقة ( اتفاق القاهرة مارس 2005 ـ وثيقة الوفاق الوطني مايو 2006 ـ اتفاق مكة فبراير 2007 ـ مبادرة الرئيس محمود عباس للحوار الشامل يونيو 2008 ـ قرارات القمة العربية المتعلقة بإنهاء حالة الانقسام ).
وتشكيل حكومة توافق وطني ذات مهام محددة تتمثل في رفع الحصار وتسيير الحياة اليومية للشعب الفلسطيني، والإعداد لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة، والإشراف على إعادة بناء الأجهزة الأمنية،وإعادة بناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية على أسس مهنية ووطنية بعيدا عن الفصائلية، لتكون وحدها هي المخولة بمهمة الدفاع عن الوطن والمواطنين، وما يتطلبه ذلك من تقديم المساعدة العربية اللازمة لانجاز عملية البناء والإصلاح،.
وتطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني طبقا لاتفاق القاهرة( مارس 2005 ) بحيث تضم جميع القوى والفصائل، والحفاظ على المنظمة إطارا وطنيا جامعا ومرجعية سياسية عليا للفلسطينيين، وانتخاب مجلس وطني جديد في الداخل والخارج حيثما أمكن.
ورغم هذه المبادئ المهمة التي يمكن ان توحد الافرقاء،الا انه كلما اقترب موعد الحسم من اجل التوقيع على انهاء مسلسل الفرقة والانقسام، ظهرت عقبة جديدة تحول دون التوصل الى اعادة اللحمة بين ضفتي الوطن، والاسباب تراوحت بين ضرورة الافراج عن الاسرى المعتقلين لدى السلطة الفلسطينية في رام الله.
اوالاتهامات التي وجهت الى الرئيس محمود عباس بشأن دوره في تأجيل التصويت على تقريرغولدستون الخاص بجرائم الحرب الاسرائيلية ضد قطاع غزة، والتي عالجها عباس سريعا بإعادة التصويت على التقرير، لكن يبدو ان ذلك لم يقنع «حماس»التي كانت مترددة الى حد كبير في حسم الخلافات وتفضيلها ابقاء الانقسام.
في بداية 2009 انتهت حرب إسرائيل المدمرة على قطاع غزة في،مخلفة ورائها أكثر من 1500 قتيل فلسطيني ونحو خمسة ألاف جريح آخرين،وتدمير هائل في المنازل السكينة والمقرات والبنية التحتية للقطاع ،ومنذ تلك اللحظة التي رفعت الحرب فيها اوزارها ظلت عملية إعادة اعمار القطاع المدمر عالقا بسبب الحصار الإسرائيلي رغم التعهدات الدولية بمنح مالية.
الشيء الوحيد الذي انتصر للدماء التي اريقت على يد الاحتلال في غزة، كان تقرير غولدستون الذي وافق مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عليه، بتأييد 25 دولة ومعارضة 6 من بينها الولايات المتحدة وتحفظ 11 دول بينها بريطانيا من أعضاء المجلس ال47. إسرائيل من جهتها وجدت نفشها في مأزق حقيقي جراء هذا التقرير ،الذي توفير الأسس القانونية لملاحقة الضباط والقادة الإسرائيليين بتهم جرائم الحرب،والذين كانوا اخرهم هذا العام وزيرة الخارجية الاسرائيلية السابقة زعيمة حزب كاديما المعارض تسيبي ليفني التي صد بحقها مذكرة توقيف في لندن.
وهذه هي المرة الثانية خلال أقل من ثلاثة أشهر تصدر فيها محكمة بريطانية مذكرة اعتقال بحق مسؤول اسرائيلي ، بعدما طلب محامون بريطانيون يمثلون جماعات فلسطينية من المحكمة في سبتمبر الماضي اصدار مذكرة توقيف بحق وزير الدفاع الاسرائيلي إيهود باراك بموجب قانون العدالة الجنائية لعام 1988، الذي يمنح محاكم انجلترا صلاحية قضائية عالمية في قضايا جرائم الحرب.
وبحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية فقد تمكن باراك من الافلات بعدما ابلغت وزارة الخارجية البريطانية محكمة وستمنستر أنه وزير في الخدمة وسيقوم بعقد لقاءات مع نظرائه البريطانيين، فقررت المحكمة على ضوء ذلك أن وزير الدفاع الاسرائيلي يتمتع بالحصانة بموجب قانون حصانة الدولة لعام 1978.
وفاة السلام
في هذا العام ايضا يكمن بلا ادنى شعور بالخجل اعلان «وفاة عملية السلام»، اذ فشلت مسيرة مفاوضات السلام مع إسرائيل،التي ظلت على تنكرها للحقوق الفلسطينية ومحاربة حل الدولتين لمنع إقامة الدولة الفلسطينية وتمكينهم من حق تقرير المصير.
ولم تجر السلطة أي مفاوضات مع إسرائيل منذ وصول الحكومة الإسرائيلية بزعامة بنيامين نتانياهو إلى الحكم في مارس مشترطة وقف الاستيطان والالتزام بحل الدولتين الأمر الذي ترفضه تل أبيب.وفشلت مساعي أميركية في جسر الهوة في الموقفين ما دفع السلطة الفلسطينية إلى البحث عن خيارات بديلة أبرزها التوجه إلى مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرارا بالاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود عام 67 المحتلة الأمر الذي قوبل بانتقادات إسرائيلية ومعارضة أميركية أوروبية.
ومما لاشك فيه انه ليس غريبا الاعلان عن وفاة المسيرة السلمية،اذ ان خطاب نتانياهو في جامعة « بار إيلان» في تل أبيب في شهر يونيو الماضي قد وضع فعليا عملية السلام في نفق الموت. ففي هذا الخطاب طالب نتانياهو الفلسطينيين بالاقرار بما اسماه «حق الشعب اليهودي في دولة خاصة به في هذه الأرض ونحن سنعيش بجانبكم بسلام وأمن».
وتابع «ومن أجل أن يكون هذا الإقرار ذا طبيعة عملية يتطلب الأمر أيضا موافقة على أن تجد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين حلا لها خارج حدود دولة إسرائيل. لذلك ينبغي أن يكون واضحا للجميع أن مطلب حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين داخل إسرائيل هو مطلب يضعضع استمرار دولة إسرائيل كدولة للشعب اليهودي. ينبغي حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين».
واضاف الى شروطه التعجيزية لعملية السلام انه «في كل تسوية سلمية يجب على كل أرض تقع تحت سيطرة الفلسطينيين أن تكون منزوعة السلاح مع ترتيبات أمنية صلبة لدولة إسرائيل».
اما هذه الشروط التعجيزية لم يجد الرئيس الفلسطيني محمود عباس مفرا من الاعلان عن انه لن يخوض الانتخابات المقبلة بسبب احباطه الشديد من الموقفين الإسرائيلي والأميركي تجاه عملية السلام. عباس يرى كما قال المقربون منه ان «اسرائيل تتجه نحو فرض حل الدولة ذات الحدود الموقتة على الشعب الفلسطيني، وأن الإدارة الأميركية تتجه الى تأييد خطواتها في هذا الاتجاه».
تهويد متواصل
نتانياهو رغم اعلانه التجميد المؤقت لعملية الاستيطان في الاراضي الفلسطينية ما عدا القدس المحتلة لمدة عشرة شهور،واصل والمتطرفين اليهود شن حملة لاسابق لها منذ العام 67،لتغيير وجه القدس المحتلة والسيطرة على المسجد الاقصى المبارك،وفرض وقائع جديدة من خلال التهويد يصعب تغييرها في المدى المنظور.
فقد « الائتلاف الأهلي من أجل القدس» إن «سلطات الاحتلال في القدس والمسجد الأقصى، تنتهج كل وسائل التضليل والتزييف من خلال هجمة تهويدية شرسة ومتصاعدة يوماً بعد يوم»، مشيرا الى ان «ما جري في محيط المسجد الأقصى ، يجب أن يدفع العالم إلى الإسراع بتنفيذ برامج للتصدي للعدوان المتصاعد ومحاولة تهويد القدس المتسارعة».
وأكد الائتلاف أن «سلطات الاحتلال واصلت انتهاك حرمة المقدسات الدينية وحق ممارسة الشعائر الدينية التي كفلتها كافة الشرائع والمواثيق الدولية، خاصة الشرعية الدولية لحقوق الإنسان، حيث قررت شرطة الاحتلال تكثيف نشر قواتها في كل مكان بالبلدة القديمة وحولها، وفي كل زقاق لمنع أي تجمع للفلسطينيين، وجددت قرارها منع المسلمين والسياح من الدخول لباحات المسجد الأقصى، باستثناء من هم فوق الـ 50 عاما من العمر».
ليس هذا فقط بل ان مصادر اسرائيلية كشفت أن جمعية «إلعاد» الاستيطانية تنفذ أعمال حفريات «أثرية» بدعم من السلطات الإسرائيلية في حي سلوان المحاذي للبلدة القديمة في القدس رغم علمها بأن هذه الحفريات تشكل خطرا على مبان عربية وتهدد بانهيارها جراء الحفريات. كذلك حفرت سلطات الاحتلال نفقا جديدا يصل عمقه إلى نحو ستة أمتار تحت الأرض في حدود الجدار الغربي للمسجد الأقصى المبارك.
الدكتور حنا عيسى المحلل القانوني الفلسطيني حاول يشرح ما تقوم به قوات الاحتلال ضد المقدسات من الناحية القانونية ، فقال ان « استمرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي انتهاك حرمة المقدسات الدينية في القدس وبالأخص انتهاك وتدنيس باحات المسجد الأقصى والاعتداء على المقدسات.
وعلى المصلين والمس بحرية العبادة من خلال منع المصلين من الوصول إلى الأماكن المقدسة وأداء الصلاة فيها، يشكل انتهاكا خطيرا لحرية العبادة وحق ممارسة الشعائر الدينية التي كفلتها كافة الشرائع والمواثيق الدولية وخاصة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948، والعهدان الدوليان لسنة 1966 والتي بمجملها تشكل الشرعية الدولية لحقوق الإنسان».
واضاف أن المادة 53 من البروتوكول الأول لعام 1977 واتفاقيات جنيف لسنة 1949 تنص على انه تحظر الأعمال العدائية الموجهة ضد أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي والروحي للشعوب، وقد اعتبرت المادة 8 الفقرة (ب) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لسنة 1998».
واوضح ان «تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية من قبل جرائم الحرب. وعلى ضوء ذلك فإن الاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات الفلسطينية، وبالأخص على المسجد الأقصى يعد خرقا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات لاهاي واتفاقيات جنيف وكل المرجعيات القانونية الدولية التي تنص على عدم انتهاك حرمة ألاماكن المقدسة، أولا وأن الاستمرار بارتكاب مثل هذه الأفعال المشينة بحق المقدسات الدينية يعد نوعا من التمييز العنصري الديني ثانيا.
وعلى جميع الإطراف الموقعة على اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949 تحمل مسؤولياتها القانونية، والأخلاقية والوفاء بالتزاماتها، ومن ضمنها العمل الجدي على إلزام إسرائيل باحترام الاتفاقية وتطبيقها في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، بموجب المادة الأولى من الاتفاقية والعمل على توفير الحماية الفورية للمدنيين الفلسطينيين من الانتهاك الإسرائيلي المتواصل ضدهم ثالثا».
واضاف:«لذا فإن إسرائيل كدولة احتلال تتحمل المسؤولية القانونية عن إجراءاتها غير القانونية وغير الشرعية باقتحامها لباحات المسجد الأقصى، والتي تشكل كذلك خرقا لالتزاماتها بصفتها السلطة القائمة بالاحتلال في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية المحتلة وقطاع غزة».
كذلك اذا كان نتانياهو قد روج الى كذبة «التجميد المؤقت»للاستيطان فان الصحف الاسرائيلية كشفت أخيرا ان هذه الامر ليس صحيحا،حيث قالت ان وزير الداخلية الإسرائيلي إلياهو يشاي أصدر تعليمات للمسؤولين في الوزارة بتسريع إجراءات التخطيط وتعديل الخارطة الهيكلية للمستوطنات في الضفة الغربية للبدء بأعمال بناء واسعة النطاق من دون أي تأخير بعد انتهاء فترة تعليق أعمال بناء جديدة في المستوطنات لمدة عشرة شهور التي أقرتها الحكومة .
ونقلت صحيفة «معاريف» عن مسؤول رفيع المستوى في وزارة الداخلية قوله إن «الوزير يشاي(من حزب شاس) أمر عمليا بتسريع كافة إجراءات التخطيط المتعلقة بيهودا والسامرة» في إشارة إلى مستوطنات الضفة الغربية.وأضاف المسؤول أن«تجميد إجراءات التخطيط تعني من الناحية الفعلية تمديد فترة التجميد لأنه من دون تخطيط لا يوجد بناء، والوزير يشاي يعتقد أنه ليس صائبا أن يتم تجميد التخطيط وإنما على العكس».
خالد سيد أحمد
