العام المنصرم كان مفعماً بالأحداث التاريخية الهامة بالنسبة لانقرة. فقد وقعت أنقرة في العاشر من أكتوبر الماضي اتفاقاً تاريخياً من شأنه تمهيد السبيل أمام عودة العلاقات الدبلوماسية مع أرمينيا وتمكين الدولتين من النظر في تاريخهما الذي غلبت عليه النزاعات.

ولم يمض على ذلك أربعة أيام حتى وقعت تركيا اتفاقا مهما يقضي بإلغاء شرط الحصول على تأشيرات دخول بينها وبين سوريا ذلك البلد الذي أوشكت تركيا أن تخوض حربا معه بعد اتهام أنقرة لدمشق بأنها تدعم حزب العمال الكردستاني الانفصالي.

في هذه الأثناء، انخرط البرلمان التركي في نقاش غير مسبوق في نوفمبر الماضي بشأن المسألة الكردية والإصلاحات التي ترغب الحكومة في إجرائها بغية حل المشكلة القائمة منذ عقود من الزمان.

غير أن هذه الأحداث التاريخية الهامة ليست بمعزل عن بعضها البعض . فقد شهد العام المنصرم إقدام حكومة حزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي الليبرالي على اتخاذ خطوات مذهلة من أجل مراجعة سياستها الخارجية بهدف الانخراط بقدر أكبر في محيطها الإقليمي وترسيخ نفسها كوسيط مسلح بالقوة الناعمة في المنطقة .

لكن المراقبين يقولون إن طموحات أنقرة المتعلقة بالسياسة الخارجية تتوقف أولا على نجاحها في حل القضايا التي كانت تعتبر حتى عهد قريب من المحرمات وخاصة القضايا الارمينية والكردية والقبرصية وهي القضايا التي ألقت بظلالها القاتمة على سياساتها الداخلية طيلة العقود القليلة الماضية.

في هذا الصدد يقول هنري باركي وهو خبير في الشؤون التركية بمؤسسة كارنجي إيندومنت للسلام الدولي في واشنطن العاصمة «ترغب تركيا في القيام بدورعلى الصعيد الدولي ولكي تلعب دورا على المسرح الدولي يتعين عليها ترتيب بيتها (من الداخل)».واستطرد يقول «قوتهم العسكرية والاقتصادية تجعلهم يملكون القوة الخشنة لكنهم يحاولون الان بناء قوتهم الناعمة .

ويتعين عليهم عمل أي شئ .فهناك ثمة تفاوت بين تركيا الداخلية والصورة التي تحاول إبرازها في الخارج».وتقوم أنقرة بالتأكيد بتحركات بشأن هذه القضايا. فعلى الرغم من أن المشكلة القبرصية لا تزال بدون حل أبدت تركيا دعمها لمفاوضات إعادة الوحدة التي تجري الان بين الحكومتين اليونانية والتركية بالجزيرة المقسمة .

وإلى جانب اتفاقهم مع أرمينيا أوضح الزعماء الاتراك نيتهم في إحداث تحول ديمقراطي واسع النطاق بالبلاد من أجل حل القضية الكردية.

وفي مؤتمر صحافي متلفز قال وزير الداخلية التركي بشير أتلاي في يوليو الماضي «لدينا النية في اتخاذ خطوات تتسم بالاصرار والصبروالشجاعة». والواقع أن هذه التحركات من جانب الحكومة لم تكن لتحدث لولا التحول التدريجي الذي طرأ على المجتمع التركي والحياة السياسية الامر الذي جعل من الايسر التطرق إلى هذه القضايا.

وفي هذا الصدد يقول دوغو إيرجيل أستاذ العلوم السياسية بجامعة أنقرة«حتى مؤخرا جدا كان الشعب مقيد بقبول هذه الاشياء من منظور الدولة والقومية والشوفينية».وأردف قائلا«لكن هيمنة الدولة على هذه القضايا وجعلها من المحرمات وغير قابلة للنقاش آخذة في التلاشي الان» (د ب ا)