الخاتمة البائسة التي انتهت إليها قمة المناخ في كوبنهاغن، ما كانت مفاجئة. كان من المتوقع أن تخرج بخفي حنين. كل ما سبقها من إعداد ومناورات وعضّ على الأصابع، أوحى بمثل هذه النهاية. بل انه كان العنوان المسبق للصفقة الهزيلة، التي جرى طبخها على نار آخر لحظة؛ التي حرقتها بدل أن تنضجها. في آخر النهار، وبعد أحد عشر من المداولات والنقاشات والمساومات؛ لم يقدم المؤتمر غير رزمة وعود وخطوط مبهمة؛ سمّاها اتفاقاً، هو في حقيقته أقرب إلى الوهم. لا يخفى أن أي وثيقة من هذا النوع، لا يستقيم وضعها في مثل هذه الخانة؛ ما لم تكن ملزمة.

الصفحات الثلاث اليتيمة التي أنتجها المؤتمر ـ الذي كان أشبه بالجبل الذي تمخض فولّد فأراً ـ جاءت خالية من أي إلزام. ناهيك عن الوضوح والأرقام. بالرغم من ذلك، أصرّ الذين صاغوا النص على تسميته بالاتفاق. إصرار يخفي الحاجة إلى حفظ ماء الوجه ورمي الملامة على الآخرين، فقط لا غير.

منذ بداية التحضير لهذا المؤتمر، كان من الواضح أن نتيجته متوقفة على أكبر ملوثين؛ الولايات المتحدة الأميركية والصين. وحدهما ينفثان، وفق كافة المرجعيات والمقاييس، حوالي نصف ما ينتجه العالم من الغازات الدفيئة، المسممة للبيئة. كلاهما يختلف مع الآخر حول المعدلات المطلوب خفضها؛ وآليات ضبط الالتزام. دخلا في مفاوضات ثنائية، استغرقت أكثر من سنة؛ للتوفيق بين شروطهما.

التفاوض دخل في دوّامة مقفلة. كل طرف يريد من الملوّث الآخر، ما يضمن له اليد العليا، في المعادلة. لعبة شدّ حبال، جاء وقت القمة من دون حسم. ولا حتى تقارب معقول. إدارة الرئيس أوباما، امتنعت عن الالتزام بسقف محدّد لخفض الانبعاثات، حتى نهاية 2020، بالإضافة أصرت على أن تتولى جهة دولية، المراقبة للتأكد من التقيد بنسبة الخفض. الرئيس أوباما، تعهد منذ حملته، بخفض وازن، ولو أقل مما طالب به الأوروبيون.

الكونغرس، حذر من انه لن يوافق على أي اتفاق بأقل من شروط الرقابة المستقلة؛ ومن التزام الصين وغيرها من البلدان الصاعدة بمعدلات أكبر. الأمر الذي تكبّلت معه يدي الرئيس، الذي ارتضى مسايرة الكونغرس وعدم مواجهته. بكين، من جهتها، اكتفت بالتلميح، فقط قبل المؤتمر بفترة قصيرة، عن المدى الذي يمكن أن تصله في الخفض.

كما تمسّكت بالرفض القاطع لمبدأ المراقبة الخارجية؛ بزعم أن ذلك يتضارب مع مبدأ السيادة. تعهّدت برقابة ذاتية، لا أكثر. ولم تتزحزح. وفي ضوء الالتباس ومحاولات التملّص، التي اتسم بها موقفي الصين وأميركا، دخل المؤتمر في حالة فوضى. دول فقيرة، قاطعت لساعات وهدّدت بالمغادرة. الدول النامية، تعدّدت مقارباتها. وكذلك الدول الصناعية، حيث ظهرت فروقاتها.

خاصة بين الأوروبيين وواشنطن. اختلط الحابل بالنابل، وضاع التصويب على الأركان الثلاثة الرئيسية لأي اتفاق حقيقي وفعّال: المعدلات وآليات الضبط والمساعدات المالية للدول الفقيرة من أجل تمكينها من استخدام طاقة أنظف، فضلاً عن تشجيعها على حماية غاباتها. الكل، خاصة الكبار، لعب ورقة الوقت. وحتى اليوم الأخير كان واضحاً أن أحداً لا يحمل مشروع اتفاق يلبي المطلوب. الرئيس أوباما حضر في اليوم الأخير.

كان الاعتقاد أنه ربما فاجأ الحضور الدولي بموقف يقود إلى الخروج بشيء مهم. لكنه أتى بخطاب من العموميات، استغرقت تلاوته 11 دقيقة فقط. الصين، اكتفت برئيس وزرائها، وبمواقف غير مرنة. الحصيلة كانت صفقة مسلوقة على عجل؛ بلا براغي ولا حتى أفق؛ وبموافقة دولية منقوصة. بموجبها، بقيت المراقبة ذاتية والمعدلات مفتوحة من غير تحديد.

كما بقي الجانب المالي مقتصراً على إبداء «الرغبة» فقط، في المساعدة؛ ومن دون تحديد موعد لإبرام اتفاقية ملزمة. ترك هذا الموعد معلقاً بين البحث فيه، خلال مؤتمر المكسيك، نوفمبر القادم؛ وبين النظر في الموضوع بحلول 2015. عملياً كان مؤتمر الدفن المؤجل لاتفاقية ملزمة وفعّالة.

هرب الملوثون وحيتان السياسة والعولمة، العتاق منهم والجدد. إذا كانوا مدركين للعواقب وتملّصوا، فهي مصيبة. وإذا كانوا غير مدركين فالمصيبة أعظم. الرسالة في الحالتين، أنه بعد كوبنهاغن وما كشفت عنه القمة من تهاون واستخفاف، تجاه هذا التحدي المصيري؛ ما على حماة البيئة غير أن يتحدوا للدفاع عن الكوكب.

بقلم ـ فيكتور شلهوب