الشمس هي المصدر الرئيسي للطاقة على الكرة الأرضية وللكواكب الأخرى في منظومتنا الشمسية، وهي مصدر ما يحدث في الغلاف الجوي ومياه البحار والأمطار وجريان الأنهار وتجمع الثلوج وبث الدفء الذي يجعل الحياة ممكنة. وإذا أهملنا مقدار ما يمتصه الغلاف الجوي من الإشعاعات الشمسية، فإن ما يصل إلى مدار الأرض الذي يواجه الشمس مقداراً من الطاقة يبلغ 1380 جول في الثانية الواحدة لكل متر مربع من المساحة (بوحدات القدرة يعادل قدرة حصانين ). ويعرف هذا المقدار بالثابت الشمسي وفق ما تم قياسه من قبل وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن طريق الأجهزة المحمولة في الأقمار الاصطناعية خلال الأعوام 1979- 1999 (مجلة الطبيعة العدد 401 أكتوبر 1999).

عودة إلى الفضاء... وتستلم الأرض 174 بيتا واط (ألف مليون مليون واط) من الطاقة الشمسية في أعلى الغلاف الجوي، حيث يعكس هذا الغلاف ما يقرب من 30 % من هذه الأشعة ويعيدها إلى الفضاء الخارجي، في حين يمتص ما يتبقى بوساطة الغيوم ومياه المحيطات واليابسة. وتتوزع الأشعة الشمسية بين إشعاعات مرئية وهي الضوء وأخرى غير مرئية وهي الأشعة الحرارية وأشعة المايكروويف والأشعة فوق البنفسجية. وخلال عمليات امتصاص الأشعة الشمسية من قبل الغلاف الجوي والمحيطات واليابسة يتحول الماء إلى بخار وتتكون الغيوم وتسقط الأمطار أو الثلوج يتم إدامة دورة المياه في الطبيعة بشكل اعتاد عليه الإنسان وأصبح جزءاً من تفاهماته مع الطبيعة، إلا أن هذه الدورة السلسة للمياه، من البحار إلى البحار، قد تختل في بعض الأحيان وتفقد طابعها السلمي، ففي ظروف خاصة، تنشأ العواصف المدمرة التي لها مسميات مختلفة تتعلق بطبيعة تكوينها وخصائصها وحجم الدمار المصاحب لهبوبها.

ثمة أمر هام ينبغي الإشارة إليه وهو أن امتصاص الأشعة الشمسية بوساطة المحيطات واليابسة يعمل على صناعة أحد الثوابت البيئية، وهو معدل درجة حرارة الأرض ويبلغ 14 درجة سيليزية، وهذا المعدل عرضة للارتفاع بسبب الاستمرار في قذف الغازات الدفيئة إلى الجو، وهو ما يخشاه الحريصون على البيئة وعلى الحياة.

إن مقدار ما يصل الأرض من الطاقة الشمسية هائل إلى درجة إن ما يصل إليها سنوياً يبلغ أكثر من ضعف ما يمكن أن يصدر من الطاقة من جميع المصادر الأخرى غير المتجددة الموجودة في الأرض، كالنفط والغاز والفحم و اليورانيوم وغيرها.

مصدر الطاقة الشمسية

قد يرد تساؤل حول ماهية الطاقة الشمسية ومدى العمر المتوقع لها، وهي تساؤلات كان السباق في الإجابة عنها العالم الألماني هيلمهولتز، فقد كتب عام 1854 بأن الجاذبية الذاتية للشمس تستطيع تجهيز كمية كبيرة من الطاقة، فإذا كانت مادة الشمس تتراجع نحو مركزها تدريجياً، وهو ما يعرف بالإنهيار الجاذبي، فهناك كمية من الطاقة كافية لبقاء إشعاعات الشمس لمدة طويلة من الزمن، وفق الحسابات التي أجراها هذا العالم تصل إلى عشرين مليون سنة، وهي فترة قصيرة جداً.

والحقيقة أن ما توصل إليه هذا العالم يتفق مع ما كان لفيزياء القرن التاسع عشر من اختراقات، ومع ما كان فيها من ثغرات كذلك. فالفتوحات التي أتت مع القرن العشرين، خاصة في مجال التعرف على بنية المادة الأساسية على مستوى العالم اللامتناهي الصغر، عالم الذرة وعالم النواة الذرية، قد أماطت اللثام عن حقيقة ما يجري في الشمس. وفي ضوء ذلك فإن الطاقة التي تصدر عن الشمس هي من نتاجات التفاعلات النووية الاندماجية أو ما يعرف بالتفاعلات الحرارية والتي تندمج خلالها نوى عناصر خفيفة مثل الهيدروجين والهليوم لتكوين نوى عناصر أكثر ثقلاً.

الدول السباقة

خلال العقد الأول من هذا القرن تركزت معظم الزيادات في استخدام الطاقة المتجددة في ست دول هي: الدنمارك وألمانيا والهند واليابان وأسبانيا والولايات المتحدة. ومن الجدير ذكره في هذا المجال أن هذه الدول الست لا تتميز عن غيرها في وفرة الموارد ذات العلاقة بالطاقة المتجددة، كما تتميز الدول النفطية عن غيرها بوفرة النفط في أراضيها أو في مياهها. وقد انفردت اليابان وألمانيا عن سواهما بقصب السبق في الاهتمام بهذه الطاقة منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي، وهما تتصدران دول العالم في الاستفادة من طاقة الرياح ومن الطاقة الشمسية.

كما أن ثلاثة من هذه الدول، ألمانيا والدنمارك وأسبانيا، تنتج 59 % من طاقة الريح المنتجة في العالم، وقد عمدت هذه الدول إلى توفير الدعم للطاقة المتجددة لتشجيع إنتاجها وتعزيز طلبات استخدامها على السواء عن طريق إتباع سياسات وسن لوائح قانونية تؤمن سقفاً منخفضاً لأسعار هذه الطاقة.

مستقبل الطاقة المتجددة

يعتبر الاستثمار في مجال الطاقة المتجددة دون المطلوب في جميع دول العالم، ومن خلال المعلومات المتوافرة فإن أبرز المستثمرين في هذا المجال هي الشركات النفطية الأكثر قرباً إلى واقع السوق العالمية والأكثر حساسية لوضعها في المستقبل.

وبالقدر الذي تتصاعد فيها الضغوطات من المنظمات البيئية وبالقدر الذي تتمتع به هذه المنظمات من نفوذ سياسي وجماهيري تفتح آفاقاً أوسع أمام الطاقة المتجددة، إلا أن للتخطيط الاقتصادي معاييره الخاصة التي لا تسقط الثوابت التي تتعلق بتوافر الطاقة وكلفة إنتاجها وسهولة تسويقها.

لا شك أن العقدين الماضيين شهدا تطوراً ملحوظاً في الاهتمام بهذه الطاقة على مستويات مختلفة، فوفق التقرير الصادر عن معهد وورلدووتش الذي يتخذ من واشنطن مقراً له، فإن القدرة العالمية على إنتاج الطاقة من الرياح ازدادت من بضعة آلاف ميجاوات في عام 1990 إلى أكثر من 40 ألف ميجاوات في عام 2003، وقد بلغت قيمة المبيعات من طاقة الرياح أكثر من 9 مليارات دولار في العام، وأصبح عدد العاملين في مجال توليد الطاقة من الرياح أكثر من مئة ألف فرد في العالم.

أما عن سوق الطاقة المتجددة الكلي، فلنترك تقدير حجمه لشركة (كلين إيج clean edge)، وهي شركة أمريكية رائدة تعمل على مساعدة الشركات ورجال الأعمال وراسمي السياسات في تفهم مسارات التكنولوجيا النظيفة ومستقبل الاستثمار فيها، وتقوم هذه الشركة بنشر تقرير سنوي بهذا الخصوص. فوفق التقرير الموسع الذي صدر عنها عام 2007، هناك مؤشرات قوية على بدء الطاقة المتجددة في فرض نفسها على أسواق الطاقة في العالم، فقد ارتفع حجم سوقها وفق الجدول رقم (1)

ووفق آخر التقارير التي نشرتها هذه الشركة، فقد ارتفع حجم سوق هذه الطاقة في عام 2008 إلى 9,115 دولارا أي بزيادة 53 % عن عام 2007.

و في ضوء دراسات ميدانية واستشراف مواقف صانعي القرارات في الولايات المتحدة، تتوقع هذه الشركة زيادة حجم سوق الطاقة المتجددة أربع مرات في عام 2017، كما يوضح ذلك الجدول رقم (2).

وتتوقع أن يزداد إنتاج الميثانول من 13 مليار غالون في عام 2007 إلى 50 مليار غالون في عام 2017، ويقفز ما تنتجه الطاقة الشمسية من 2 غيغا واط إلى 20 غيغا واط، وتزداد الطاقة المنتجة من الرياح من 15 غيغا واط إلى 67 غيغا واط. ولعل انبهار القارئ بهذه الأرقام الكبيرة يتراجع حين يعلم بأن مجموعة الثماني الكبار (الدول المتقدمة صناعياً) قد أقرت في اجتماعها عام 2007 رصد مبلغ قدره 45 تريليون دولار، وهو المبلغ الذي اقترحته الوكالة الدولية للطاقة للتخلص من انبعاثات الكربون إلى الجو بحلول عام 2050.

أما على مستوى الطرح السياسي، فقد وضع الإتحاد الأوربي هدفاً طموحاً للوصول إليه عام 2020، وهو أن يصبح للطاقة المتجددة ما يعادل 20 % من الطاقة المستخدمة في الدول الأعضاء فيه. كما بدأت الدولة الأقوى اقتصادياً في العالم، الولايات المتحدة، باتخاذ خطوات جدية في هذا المجال حيث اتخذت إدارة الرئيس الأميركي السابق قراراً بتوفير 36 بليون غالون من الميثانول (الكتلة الحيوية) سنوياً بحلول عام 2022، مما سيجعل الولايات المتحدة في مقدمة دول العالم في مجال الاعتماد على الطاقة المتجددة.

ويأتي موقف الرئيس باراك أوباما أكثر وضوحاً في دعم التوجهات نحو الطاقة المتجددة، فقد صرح في التاسع من فبراير المنصرم بأن الدولة التي ستتمكن من توفير الطاقة البديلة بسعر ينافس سعر الطاقة المنتجة من الوقود التقليدي ستكون الدولة العظمى اقتصادياً. كما أن الخطوات التي اتخذها لمعالجة الأزمة المالية التي عصفت بالاقتصاد الأميركي ورصد لها ميزانية تبلغ 800 مليار دولار فيها تسهيلات بمبالغ كبيرة تتعلق بتخفيضات ضريبة وتسهيلات مالية أخرى أمام الشركات التي تمارس نشاطات ذات صلة بالطاقة المتجددة.

ومن المتوقع أن يكون للطاقة المتجددة مستقبل واعد في المناطق الشديدة الفقر وفي المناطق البعيدة عن شبكات توزيع الطاقة الكهربائية في الدول النامية حيث تتضاءل الحاجة للطاقة الكهربائية مما يجعل من طاقة الرياح والطاقة الشمسية مصادر كافية لإمدادها بما تحتاج من الطاقة.

عوامل الإعاقة

أحد أبرز المعوقات أمام الطاقة المتجددة هو أن معظم دول العالم لا تعتبر هذه الطاقة خياراً إستراتيجياً على الأمد القريب، فعصر ما بعد عصر النفط ستكون فيه السيادة، كما تتوقع المراكز المتخصصة بالدراسات المستقبلية، للطاقة النووية. ولهذا السبب تلقى مشاريع الطاقة المتجددة دعماً محدوداً من قبل الأجهزة الرسمية مقارنة بالدعم الذي تلقاه مشاريع الطاقة التقليدية.

فقد أنفق البنك الدولي 5,26 بليون دولار خلال العقد الماضي على مشاريع الطاقة التقليدية في الدول النامية مقابل 5,1 بليون فقط لمشاريع الطاقة المتجددة.

كما أن من عوامل الإعاقة هو أن كلفة إنتاج وحدة الطاقة بأساليب وأدوات الطاقة المتجددة لا تزال أعلى من كلفة الإنتاج عن طريق المصادر المتوافرة الأخرى، فمصادر الطاقة التقليدية (الفحم والنفط والغاز) جاهزة للاستخدام بمجرد استخراجها من باطن الأرض في إنتاج الطاقة الكهربائية عن طريق حرقها في محطات التوليد. أما في حالة استخدامها لأغراض أخرى، وسائل المواصلات مثلاً، فهي بحاجة إلى إجراء عمليات التكرير لاستخراج ما يعرف بالمشتقات النفطية لمختلف الاستعمالات.

أما في حالة استخدام الطاقة المتجددة فهنالك عمليات لا يمكن تجاوزها لجعل هذه الطاقة قابلة للاستخدام، عدا حالات قليلة يمكن فيها استخدام الطاقة الشمسية دون الحاجة إلى وسيط من معدات وأجهزة أخرى، مثل عمليات التجفيف لبعض المحاصيل الزراعية أو استخدامات منزلية تتعلق بالتدفئة عبر تصميم خاص للسكن يسمح بدخول الطاقة الشمسية، أو في تجفيف الملابس بعد غسيلها.

ولكن عوامل الإعاقة هذه لم تمنع الزيادات الملحوظة في حجم السوق الخاص بهذه الطاقة، ولعل مواقف الحكومات التي تتسم عادة بالبطء والبيروقراطية عامل تشجيع للقطاع الخاص الذي قد يجد في الاستثمار في هذا المجال ربحاً واعداً على المدى البعيد، ويجد فيها فرصة نادرة لتولي الريادة في هذا الجانب الحيوي

جدول رقم (1)

السنة مليارات الدولارات

1995 8,5

2000 3,13

2001 3,18

2002 20

2003 25

2004 30

2005 40

2006 55

2007 77

جدول رقم (2)

الطاقة المتجددة حجم السوق بمليارات الدولار عام 2007 حجم السوق بمليارات الدولار المتوقع عام 2017

طاقة الرياح 1 ,30 4 ,83

الطاقة الشمسية 3 ,20 74

الكتلة الحيوية 3 ,25 1 ,81

أنواع أخرى 5 ,1 16

المجموع 3 ,77 5 ,254

د.محمد عاكف جمال