يؤكد مشروع القانون، الذي يقضي بإجراء استفتاء عام، في حال قررت الحكومة الإسرائيلية التنازل عن أراض «تحت سيادتها» (تشمل الأراضي المحتلة في القدس الشرقية والجولان السورية ومزارع شبعا اللبنانية)، بأن إسرائيل هذه إنما تتفاوض مع نفسها، وأن أولوياتها وحساباتها الداخلية أهم بكثير من عملية التفاوض مع الأطراف الآخرين.
معلوم بأن إسرائيل تتعامل مع الأراضي الفلسطينية المحتلة وكأنها حق خالص لها، تاريخي و»إلهي»، وأن الآخرين (الفلسطينيين) مجرد طارئين على الزمان والمكان! أما بالنسبة للجولان السورية فهي تتعامل معها وكأنها رهينة في يدها، لاعتبارات أمنية ومائية وأيضا سياسية. وفي كل هذه المسائل فإن إسرائيل تحاول أن تفرض «قانونها» على العالم، وكأنها دولة مستثناة من القوانين والشرائع الدولية، التي لاتبيح لدولة احتلال دولة أخرى مهما كانت الذرائع والمبررات.
ويقضي هذا المشروع، الذي تمت الموافقة عليه في قراءته الأولى (مازال بحاجة لقراءة ثانية وثالثة لإقراره نهائيا)، بأغلبية 68 عضو كنيست ومعارضة 21 عضوا، بأن كل انسحاب من منطقة تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة سيطرح على الكنيست، ثم على استفتاء شعبي، في غضون 180 يوما.
كما يقضي بأنه فقط في حال توفر أغلبية في الكنيست قدرها 80 في المئة من الأعضاء، يقررون الانسحاب، لا حاجة للتوجه إلى استفتاء (معاريف9/12) وبحسب ألوف بن، ومن باب المقارنة، «يمكن اليوم إلغاء ضم الجولان، أو قسم منها بأغلبية برلمانية عادية، وتغيير الحدود البلدية للقدس بأغلبية 61 نائبا». أما على ضوء القانون الجديد فإن ذلك يستوجب استفتاء شعبيا مع أو دون اتفاق». (»هآرتس»، 10/12)
وقد انتقدت تسيبي ليفني رئيسة حزب كاديما هذا القرار، كونه ينزع التوكيل من الكنيست ويعيده للشعب. ويرى ألوف بن أن هذا القانون، في حال إقراره، «سيثقل على حرية عمل الحكومة في المفاوضات.. القانون الجديد يقرر «مسار إقرارات» مضن للتسويات السياسية، التي تتضمن تنازلا عن ارض سيادية إسرائيلية: إقرار الاتفاق في الحكومة؛ وإقراره في الكنيست بأغلبية 61 نائبا؛ وطرحه على الاستفتاء الشعبي الذي يُسأل فيه المقترعون إذا كانوا مع أم ضد الاتفاق.
الاستفتاء نفسه يحسم بأغلبية عادية..وحسب نهج نتانياهو من المهم أن تحظى الاتفاقات السياسية بالأغلبية بين الجمهور وألا تقر فقط من الأغلبية الائتلافية في الكنيست. ويلمح نتانياهو للسوريين، للفلسطينيين وللاسرة الدولية بأنه سيكون من الصعب عليه إقرار تنازلات بين الجمهور - ويحاول أن يعزز بذلك موقفه في المفاوضات». (»هآرتس»، 10/12)
ويستنتج من هذا التطور أن إسرائيل لاتبالي بعملية التسوية، وأنها مازالت تعتقد بأنها تستطيع الاستمرار باحتلالها للأراضي الفلسطينية والعربية، من دون أن يؤثر ذلك على مكانتها أو على وضعها. وهذا ما عبر عنه، علنا، وزير خارجية إسرائيل أفيغدور ليبرمان (للإذاعة الإسرائيلية 9/12) بقوله: «لماذا علينا أن نقبل بما يروجه آخرون وكأن مشاكل العالم محصورة فينا؟ التفجيرات والقتل تعم بقاع الأرض. ما هذا الانشغال بالمفاوضات مع سورية.
لماذا نستعجل الأمور؟ هناك مشاكل أكثر خطراً وحدّةً في العالم. لنضع الأمور في سياقها الصحيح. وعلينا أن نقول لكل هؤلاء الذين يحاولون أن يعلموننا ما يجب أن نفعل وكيف يتحقق السلام، اذهبوا وحققوا السلام في أماكن أخرى في العالم»!
إضاءة
علقت هيئة تحرير صحيفة «هآرتس»، على قرار الاستفتاء وقرار إعطاء امتيازات للمستوطنين في الضفة بالتالي: «مثلما في ولايته السابقة يأخذ نتانياهو خطوة واحدة إلى الأمام وعلى الفور يأخذ خطوتين إلى الوراء. القرار بتقييد المسيرة السلمية، باستفتاء شعبي، يقلص من قيمة خطاب بار ايلان في شهر يونيو. تشجيع الاستيطان في قلب الضفة الغربية، من خلال إعطاء امتيازات اقتصادية للمستوطنين يشدد الاشتباه في الجانب العربي وفي الأسرة الدولية في أن تجميد الاستيطان، لا يرمي إلا إلى صد ضغوط الإدارة الأمريكية.
تآكل مصداقية الحكومة ـ بكل عناصرها، بما فيها حزب العمل ـ بالنسبة للمسيرة السياسية يجبي من إسرائيل ثمنا باهظا في الساحة المحلية والدولية. الفراغ السياسي آخذ في الامتلاء بمبادرات عربية وأوروبية غايتها تقدم حل أحادي الجانب للنزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني.
شهادة أخيرة على ذلك هي القرار الذي اتخذه هذا الأسبوع الاتحاد الأوروبي بالنسبة لمكانة القدس. مشكوك فيه أن تتمكن الولايات المتحدة (أو ترغب) على مدى الزمن في إنقاذ إسرائيل من المنحدر السياسي السلس الذي تجر إليه. على رئيس الوزراء أن يقرر إلى أن تصبو وجهته: إلى تسوية تضمن مستقبل إسرائيل كدولة يهودية. (افتتاحية، «هآرتس»، 11/12)
