يبدو أن مسار التآكل في مكانة إسرائيل لدى الدول الأوروبية (على صعيدي الحكومات والمجتمعات) يواصل سيره، لاسيما في ظل تعنت إسرائيل إزاء عملية التسوية، والممارسات التمييزية والتدميرية التي تنتهجها إزاء الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

في هذا الإطار يمكن أن نحتسب التوترات في العلاقة الإسرائيلية مع السويد، والمقاطعة الأكاديمية للجامعات الإسرائيلية من قبل جامعات بريطانية وأوروبية، والضجة حول تقرير غولدستون، وقيام عديد من الدول الأوروبية (وضمنها بريطانيا مؤخراً) بوضع علامة تميز السلع الإسرائيلية المنتجة في مستوطنات الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ويأتي بيان الاتحاد الأوروبي الأخير، والمتضمن اعتبار القدس عاصمة لدولتين، ليؤكد أن الفجوة بين إسرائيل وأوروبا بلغت حدا من الصعب العودة عنه، طالما أن إسرائيل، مصرة على استمرار احتلالها لأراضي الفلسطينيين، ومصادرتها لحقوقهم.

واضح أن هذا الموقف الأوروبي ينبع من موقف إنساني ـ أخلاقي، ومن المخاطر التي تتسبب فيها السياسات الإسرائيلية في المنطقة، والتي تتهدد أوروبا ذاتها، كما ينبع من موقف قانوني يرفض الاحتلال، كما يرفض جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين (لاسيما تلك الجرائم التي ارتكبت في عملية «الرصاص المصهور» ضد غزة قبل عام).

وإزاء هذا الوضع بدت إسرائيل مرتبكة في كيفية التعاطي مع أوروبا التي تفلت من بين يديها، كل يوم أكثر من قبله، فثمة فيها من هدد بتنحية أوروبا عن المشاركة في عملية السلام! وثمة من دعا إلى التركيز على تنمية العلاقات مع الولايات المتحدة. وبالمقابل فقد بذلت الحكومة الإسرائيلية جهودا كبيرة، لدى بعض دول الاتحاد الأوروبي، لتليين مشروع القرار المقدم من السويد، والذي يعترف بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية، التي تقوم في حدود العام 1967.

وقد عقّب عديد من المحللين الإسرائيليين على هذه الخطوة الأوروبية، وبحسب دوري غولد (مستشار سابق لنتانياهو) فإنها «ليست المرة الأولى التي تشهد فيها إسرائيل أمام ناظريها محاولة أوروبية لزعزعة مكانة عاصمتها والتشكيك فيها.. وفقا للقرار 181، القدس كلها اعتبرت كيانا دوليا.. تحت وصاية الأمم المتحدة.. بيان البندقية الصادر في عام 1980 الذي رفض خطوات إسرائيل أحادية الجانب الساعية لتوحيد شطري المدينة بعد عام 1967». في الأول من مارس 1999 أرسل.. الاتحاد الأوروبي مذكرة لوزارة الخارجية يصادق فيها على موقفه المعروف بصدد وضع مدينة القدس الخاص كجسم منفصل».

وحذّر عوديد عيران (رئيس «معهد دراسات الأمن القومي» في جامعة تل أبيب) بأن «ثمة ما يشير إلى مزاج معين في الاتحاد الأوروبي.. إلى تآكل في مواقف دول عديدة بالنسبة لإسرائيل.. يستطيع الفلسطينيون أيضا أن يروا في الإعراب عن الموقف الأوروبي، مهما كان لينا، إنجازا سياسيا لهم.. هذه هي المرة الأولى التي يُعرب فيها قادة الاتحاد الأوروبي بشكل رسمي عن تأييدهم لفكرة أن عاصمة الدولة الفلسطينية ستُقام في القدس». («نظرة من الأعلى» ـ نشرة صادرة عن معهد بحوث الأمن القومي في تل أبيب، العدد 147، 9/ 12)

أما زلمان شوفال (سفير سابق في الولايات المتحدة) فذهب في اتجاه التحذير من التعويل على أوروبا، والتركيز على العلاقة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، وبرأيه، «يجب أن يكون واضحا انه حتى عندما تسود أحيانا صعوبات وعدم تفاهم مع الولايات المتحدة ـ فلن تكون أوروبا ولا أي جهة دولية أخرى قادرة على أن تملأ مكان واشنطن.. لا من جهة سياسية ولا أمنية اقتصادية.. يؤسفنا انه كل ما بدا انه توجد أوروبا جديدة بالنسبة لإسرائيل، تنتظرنا خيبة أمل. مثلا إخلال الاتحاد الأوروبي بوعده بتحسين علاقاته بنا. أو المساواة البغيضة لرئيس الاتحاد، ممثل السويد، بين إسرائيل وحماس في مسألة العملية في غزة.» («إسرائيل اليوم»، 28/10)

وحمل جدعون سامت ما يحصل إلى سياسة الحكومة الإسرائيلية التي بسببها «أصبح التفاوض شعارا مستهلكا.. زاد في الغرب الشك في إمكان التوصل إلى تسوية مناطقية بمساعدة هذه الوسيلة التقليدية.. ضاقت الجماعة الأوروبية ذرعا بانتظار الكلام. ليّن اقتراح القرار في اللحظة الأخيرة لكنه بقي واحدا من العلامات البارزة على تغير النظرة الدولية إلى تسوية في الضفة». وحذر سامت بأنه «عندما تصل المبادرة الفلسطينية إلى استقلال من طرف واحد سيعترف به أكثر دول العالم.

لن تستطيع الولايات المتحدة منع تحوله إلى حقيقة دولية.. انقضى لذلك أيضا كسب الوقت الذي ظنت إسرائيل إنها تربحه في المدة الضائعة من «المسيرة».. الوقت يلعب لمصلحة الفلسطينيين.. هذا أهم تطور في إدارة النزاع منذ أن عمل السادات ورابين من تلقاء أنفسهما. سيصعب جدا الآن على السياسة الإسرائيلية أن تأتلف مع إجراء حاسم لكن الواقع المتغير لن يدع لها خيارا حقيقيا». («معاريف»، 9/12)

على كل من المهم جدا متابعة الموقف الأوروبي، وتطورات العلاقة الأوروبية ـ الإسرائيلية، بالنظر إلى أن إسرائيل مدينة بقيامها أصلا لعديد من الدول الأوروبية، فهل تصحح هذه الدول خطيئتها الأساسية؟ وهل ثمة وعد أوروبي ينصف الفلسطينيين؟

يقول جدعون سامت: «يجب على نتانياهو أن يدرك أن الخطابة القديمة انقضى اجلها. لن يستطيع وقف نمو جنين دولة فلسطينية والاعتراف الجماعي بها وبالقدس كعاصمة مشتركة. أن الاختيار هو بين العزلة الدولية التي لم يسبق لها مثيل، وبين التسليم للإعلان من طرف واحد باستقلال فعلي في جزء من الضفة أولا.. سيقع بإسرائيل الضرر فقط من الإقامة على الوضع القائم، ولن تخسر أية ورقة مساومة، لأنه قد حدث في الضفة ما لا تستطيع منعه. هذا أفضل من العودة إلى العنف الذي لم نستطيع وقفه زمنا طويلا أيضا. («معاريف»، 9/12).

ماجد كيالي