في غمار احتدام الحوار داخل المؤتمر العالمي للمناخ الذي عقد في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن، وعلى هدير صخب التظاهرات التي شهدتها الشوارع المحيطة باجتماع القمة المناخية المذكورة، توقف المراقبون عند التصريحات المفعمة غضباً وقد صدرت عن الدكتور باشوري وزميله البروفيسور بيرشنغ رئيس الوفد الأميركي إلى المؤتمر.
وقد تابع مراسل جريدة «الاندبندنت» البريطانية تصريحات غاضبة لكل منهما هاجما فيها طوائف المشككين فيما توصل إليه علماء البيئة ـ ومنهم بالذات مجاميع الاختصاصيين في الفريق الحكومي الدولي بشأن تغيرات المناخ وخطورتها على طبيعة الكوكب من ناحية وشكل تضاريسه وأوضاعه الجغرافية من ناحية ثانية.. فضلاً عن تأثير هذه التغيرات على نوعية حياة البشر.. وما حولهم من أنواع الحيوان والنبات من ناحية ثالثة. وعلينا أن نسجل أن مجاميع المشككين في مدى وجاهة أو خطورة وأحياناً صوابية التحذيرات من التغيرات المناخية وأحياناً الجدل حول مجرد مصداقيتها ـ ما برحت ظواهر متلازمة مع جموع المحذرين من، أو المنبهين إلى، حقيقة وخطورة هذه التغيرات ولاسيما من ناحية الارتفاع المطرد في درجات حرارة الأرض.
ونشير في هذا السياق إلى الجدل الذي مازال محتدماً بين أبرز المحذرين في أميركا، وربما في العالم وهو السيد «آل جور» النائب الأسبق لرئيس الولايات المتحدة الذي يسجل له أن انشغل بهذه القضية في جانبيها العلمي والسياسي على مدار سنوات تكاد تقارب العقدين من عمر الزمن.. الأمر الذي أدى إلى منحه ـ كما هو معروف ـ جائزة نوبل العالمية الرفيعة: لكن السياق الأميركي شهد ولعله لا يزال يشهد علماء ومفكرين عملوا على دحض مقولات «آل جور»، وعلى التشكيك في تحذيراته من سوء مصير قد ينتظر شكل الحياة على ظهر كوكبنا، ومنهم من عمد في دعوته لإجراء حوار بدا من الوهلة الأولى على شكل دعوة إلى المبارزة على طريقة العصور الوسطى.
أصحاب الرأي الآخر
مع هذا كله فقد حق للعالم أن يتابع، وأن يستمع أيضاً، إلى هذه المجاميع من أصحاب الرأي الآخر ـ الذي يقول: ان جماعة المناخ يبالغون في تصوير الأخطار المحدقة، وأن هناك «مصالح» سوبر ـ خطيرة كما قد نسميها.. تكمن وراء هذه التهويلات أو التهديدات أو التحذيرات.
وفي كل حال فقد أثارت دعوات هذه المجاميع ثائرة الدكتور باشوري رئيس الفريق الحكومي الدولي الذي ألمحنا إليه، ومن ثم فقد تطرقت تصريحات هذا العالِم الكبير في مستهل المؤتمر العالمي إلى توقيت رآه مريباً ارتبط بحادثة إطلاق.. أو إصدار.. أو تسريب ـ يسميه البعض سرقة ـ معلومات عن طريق البريد الالكتروني، وهي عبارة عن رسائل ومستندات تخص عدداً من العلماء الاختصاصيين في جامعة «إيست انجليا» بانجلترا ـ وبالذات في مركز بحوث المناخ التابعة للجامعة البريطانية المذكورة حيث أوضحت هذه التسريبات أن البيانات المنبثقة عن مركز البحوث خضعت لعمليات تعديل وتحوير تقصد بالعمد إلى التهويل مما تنطوي عليه من تحذيرات وأخطار تنذر الكوكب وسكانه بأهوال لم يسبق لها مثيل.
وكان طبيعياً أن يُستخدم هذا الكشف عن تلك التسريبات ليصبح مادة في التشكيك في طروحات وإنذارات الفريق الحكومي الدولي.. وهو ما أثار ثائرة رئيسه العالم الهندي المرموق الذي سارع إلى التأكيد علناً على ما تتمتع به هذه المجموعة الدولية من العلماء من «شفافية وموضوعية» على مدار 21 عاماً من الدرس والبحث الرصين الذين شارك فيه آلاف من العلماء من شتى أنحاء المعمورة.
دعاة الواقعية المناخية
على الضفة الأخرى من المعادلة.. وقفت جموع المتشككين ليقولوا ان علماء الفريق الدولي لم يقولوا بعد الكلمة ـ الفصل في الموضوع. ومن هؤلاء المتشككين من لا يزال يرى أن المناخ في حالة تبّدل على مدار آلاف سبقت من السنين.. ولكن لأسباب طبيعية وليس ناتجاً عن النشاط البشري ـ ولا عن الانبعاثات الناجمة عن هذا النشاط على شكل غازات أكاسيد الكربون الضارة ـ إلى حد التسمم ـ بصحة الإنسان والنبات والحيوان. نلاحظ من جانبنا أن هذا الفريق من المتشككين يضم بدوره علماء وساسة ومفكرين لا سبيل إلى الزراية أو الاستهانة بهم والأفضل بالطبع هو الإصغاء إلى ما يعرضونه من طروحات.
نلاحظ أيضاً أن الصحافة الغربية بدأت في التعامل معهم ـ مع آرائهم وطروحاتهم ـ بمنهج يوليها الاهتمام.. لا بمعنى التسليم بما يذهبون إليه، ولكن بمعنى طرح مقولاتهم على بساط البحث الموضوعي والتمحيص العلمي باعتبار أن المستفيد في نهاية المطاف هو كوكبنا الأرضي بكل ما يموج به من حياة وبكل ما يطمح إليه من الارتقاء بنوعية هذه الحياة.
ارتفاع سطح البحر
ليس صدفة إذن أن يستخدم محلل «النيويورك تايمز» مصطلح المعارضين أو المناوئين أو السابحين عكس التيار وصفاً لهذه الفئة التي التأم عقدها بموازاة اجتماعات قمة المناخ في كوبنهاغن (مقالة توم زغلر في التايمز بتاريخ 10/12/2009) وأن يرصد بين صفوفهم نحو 60 فرداً ما بين علماء في الجيولوجيا واختصاصيين في الفيزياء الجوية، ومستشارين سياسيين بل كان على رأسهم اللورد الانجليزي مونكتون الذي لوحظ ـ كما يقول الكاتب الأميركي ـ اهتمامه بالآثار الاقتصادية التي يمكن أن تنجم عن تقييد الانبعاثات الحرارية السالفة الذكر.. وخاصة بالنسبة للبلدان الفقيرة التي تستخدم المحروقات الاحفورية من البترول والغاز الطبيعي ـ للحصول على احتياجاتها من الكهرباء بأرخص الأسعار.
حتى ظاهرة ارتفاع منسوب سطح البحر وجدت من يشكك فيها أو يدحض صحتها.. وفي هذا الصدد يعلن اختصاصي ضليع من السويد هو البروفيسور «تيلز اكسل مورنر» أنه أنفق سنوات في قياس مستويات سطح البحر في مناطق جنوب آسيا.. وان أحدث البيانات التي توصل إليها أشارت إلى «وجود كثير من التآكل (في بنية شواطئ اليابسة) ولكن نفس البيانات لم تسفر عن معاينة أي ارتفاع لمنسوب سطح البحر (أو هو ارتفاع بدرجة صفر كما ذكره العالم السويدي).
وفيما يفضل هذا الرهط من المتشككين أن يطلقوا على أنفسهم وصف «واقعيو المناخ».. فإن هناك من لم يتورع عن مواجهتهم في «عقر» اجتماعهم الذي عقدوه ـ كما ألمحنا ـ على هامش «قمة كوبنهاغن» ـ بأن بياناتهم وبحوثهم وطروحاتهم لابد من مضاهاتها أو تدارسها على خلفية حقائق مؤكدة ـ هل نقول دامغة ـ تحدث في أرض الواقع.. وهناك ارتفع صوت اختصاصي إنجليزي آخر هو «جون فيدال»، المحرر العلمي في شؤون البيئة لجريدة «الجارديان» اللندنية قائلاً:
- إذا كان الأمر كذلك.. فمن يفسر لنا أن ثمة تشكيلة من القرى في الهند وفي بنغلاديش بات يبتلعها البحر حالياً وببطء شديد ولكن محسوس ومرصود
وسواء كانت وتيرة هذه التغييرات الكوكبية بطيئة أم سريعة.. فقد أفضت الصورة الكوكبية الراهنة وقد تداخلت فيها عناصر السياسة + الاقتصاد + البيئة إلى إثارة اهتمام مستجد وغير مسبوق أيضاً إلى تسليط الضوء على عدد من العلماء الاختصاصيين الذين كانوا شبه منسيين أو كانوا في الظل من حيث التركيز أو الاهتمام.
سجل عمره 150 عاماً
نتحدث عن علماء التاريخ.. المناخي في إطار أجندة كوبنهاغن: بادر أحدهم ـ الدكتور «مايكل مان» خبير التاريخ المناخي بجامعة بنسلفانيا الأميركية إلى تصريح مهم قال فيه: يسود إجماع بين العلماء على أن التغير المناخي واقع لا سبيل إلى تجاهله ولا دحضه أو إنكاره.. والذين يشككون في أمره يفتقرون إلى السند العلمي ويختلقون حالة جدل مصطنع يقصدون إلى تحويل اهتمام الجماهير عن القضية.
وقد نتصور من جانبنا أن هذا الرأي يستند بالأساس إلى نتائج الرصد العالمي التي توصلت إليها هيئة لها احترامها في هذا المضمار وتحمل الاسم التالي: الوكالة الدولية المعنية بأحوال الطقس.
لقد أصدرت الوكالة المذكورة مؤخراً تقريراً يضم ما وصفه الاختصاصيون بأنه «خلاصة مرحلية لأحوال المناخ قرب نهاية عام 2009 الحالي».
وفيما يتعلق بهذه الخلاصة المهمة يوضح «مايكل جارو» الأمين العام لوكالة الطقس الدولية المذكورة أعلاه أن تقرير منظمته يمثل توليفة جمعت بين تحليل المركز الأميركي لبيانات الطقس وبيانات وكالة ناسا الفضائية بالولايات المتحدة وأن عام 2009 الذي بتنا نقارب خواتيمه هذه الأيام يمكن أن يعد خامس سنة رصدتها سجلات بحوث الطقس وتغير المناخ على مر تاريخها من حيث السخونة أو الدفء.. ويمضي مايكل جارو قائلاً في نفس السياق:
1- إن هذا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين يرجح بأنه أدفأ (أو أسخن) عقد في السجل الحديث الذي بلغ عمره الآن 150 عاماً.
2- إن الفترة من عام 2000 كانت أدفأ من فترة التسعينات التي كانت بدورها أكثر دفئاً (أو سخونة) من عقد الثمانينات.. وهلم جرّا.
و.. هكذا تحدث الايكولوجيون وهم أهل الاختصاص في علوم البيئة وأحوالها وتقلباتها وأخطارها أيضاً.
لكن ثمة أحاديث كانت موازية بالضرورة وشهدتها قمة كوبنهاغن، وهي أحاديث المال والاقتصاد بالدرجة الأولى.
تصنيف عالمي جديد
في هذا السياق.. لاحظ المراقبون أن ثمة اختلافاً حدث في تصنيف دول العالم.. لا على أساس قاعدة الفرز التقليدية التي طالما قسمت العالم إلى أغنياء وفقراء، ولكن وفق قاعدة التقسيم على أساس كمية التسبب في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.. ومن هنا تلاحظ جريدة «دايلي تلغراف» الإنجليزية أن دولاً مثل الصين والهند كانت تصنفّ باستمرار مع الاقتصادات النامية والأقطار الفقيرة.. لكن باتت تصنف مع الآخرين.. مثل أميركا أو أوروبا الغربية.
والمعنى أننا أمام إرهاصات لظاهرة جديدة ربما يكون لها تداعياتها السياسية والاقتصادية على السواء.. ظاهرة اقتصادات نامية من ناحية تواجهها على الجانب الآخر اقتصادات صناعية متقدمة في الغرب.. ومعها، وهذا هو الأمر المستجد.. اقتصادات طامحة وصاعدة في كل من الهند والصين.
في ضوء هذا كله.. ومع اختتام أعمال القمة المناخية.. وأياً كانت أرقام الميزانيات المرصودة لمعالجة المشكلات، ففي تصورنا أن العالم لايزال بانتظار كلمة أخيرة.. صادقة وحاسمة فيما عساه يواجه من مشكلات.
محمد الخولي

