تصاعدت في الفترة الأخيرة حدة الهجمات الإعلامية التي تشنها وسائل الإعلام الغربية على المنطقة العربية، فقد شهدت الدول العربية خلال السنوات الماضية هجمة إعلامية كبيرة بغرض التأثير على الرأي العام العربي وإثارة البلبلة في صفوف الشعوب العربية وإشاعة الفوضى داخل الدول العربية انطلاقاً من الرؤى الاستعمارية التي بدأت معالمها الجلية منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر في أميركا وحتى يومنا هذا.

وبات الإعلام يشكل أحد أهم الوسائل التي يتبعها الغرب في سياساته الموجهة ضد العالم العربي والتدخل الفاضح في الشؤون الداخلية للدول العربية. المستشارة السياسية والإعلامية في رئاسة الجمهورية السورية الدكتورة بثينة شعبان قالت إن القضايا العربية والإسلامية تظهر في الإعلام الغربي بطريقة مشوهة جداً فهناك جمع بين الجهل والاستهداف للعربي فهو أصبح مملوكا في السنوات الأخيرة لمجموعة من الشركات المالية المرتبطة ببرامج رأسمالية والى حد كبير صهيونية. وأسفت شعبان لأن العرب لا يمتلكون وسائلهم للإعلام ولا وكالات أنباء تنشئ الخبر من وجهة نظر عربية أو على الأقل من وجهة نظر واقعية، مضيفة نحن نعلم إن كل هذه الأمور سياسية، لأن قضيتنا في الشرق الأوسط سياسية والصراع العربي الإسرائيلي سياسي ،ولكن الإعلام الغربي بمالكيه المغرضين وبما أنهم خصوم للحق العربي يوجهون الإعلام نحو قضايا دينية أحيانا وقضايا تتحدث عن الإرهاب مع استهداف المسلمين والعرب .

وقالت إن الإعلام اليوم سلطة أولى ولم يعد سلطة ثانية، فماذا نعرف عن أي صراع أو أي قضية في العالم سوى ما يوصله إلينا الإعلام ؟بل أصبح الأمر أكثر خطورة من ذلك. فماذا نعرف عن الشعوب المظلومة والمقهورة؟ وهذه مصيبة كبرى فالإعلام الغربي يتحدث عن ما يجرى في دولنا، وأصبح صلة الوصل حتى بين الشعوب المقهورة وهذا أمر خطير جدا. وأوضحت شعبان ان الخطورة ليست فقط انهم لا يكتبون عنا ولكن الخطورة انهم يشوهون التاريخ و الحضارة والقيم فلا يوجد أي شيء من قبيل الصدفة فكل ذلك مخطط له ومرسوم حول كيفية إظهار صورة العربي في الإعلام الغربي، وكيف تظهر صورة المسلم و المرأة ونحن نتذكر حين قاموا باحتلال العراق وكيف كان أحد المواضيع ان القوات الأميركية آتية لتحرر المرأة العراقية لتصبح في وضع أفضل.

من ناحيته قال الباحث في مركز الدراسات الإستراتيجية في جامعة دمشق الدكتور مروان قبلان إن الغرب ينظر إلينا على أساس اننا مختلفين ثقافياً وفكرياً واجتماعياً فهو ينظر لأي نموذج غير الغربي بعين الشك والريبة، ويراهن على انه لا يمكن ان ينجح في العالم إلا النموذج الغربي، مضيفاً ان نجاح أي نموذج آخر غير النموذج الغربي يقوض النظريات التي ابتدعوها وعملوا عليها لسنوات طويلة، ومن هنا فهذا البعد الثقافي مهم جداً ويخفي مصالح اقتصادية وسياسية كبيرة، فنجاح أي نموذج اقتصادي سياسي غير النموذج الغربي يخلق نوعاً من الأزمة عند الغرب، ومثال ذلك نموذج دبي اقتصادياً ونموذجا تركيا سياسياً واقتصادياً، موضحاً انه انطلاقاً من ذلك يحاول الغرب التقليل من أهمية تجارب الآخرين ويراهن على فشل مثل هذه التجارب الناجحة.

وأشار قبلان إلى ان الغرب يراهن أيضاً على ان مجتمعاتنا لم تصل بعد إلى مرحلة الحداثة وما بعد الحداثة فنحن برأيه عبارة عن مجموعة قبائل وطوائف ومذاهب ما زالت متصارعة ومتقاتلة ومتخلفة لأننا لم نقم باعتناق الأفكار والقيم الغربية بالدرجة الأساسية، وهذا هو العامل الأساسي الذي يدفع الإعلام الغربي للتقليل من أهمية النجاحات التي نقوم بها.

وحمل قبلان وسائل الإعلام العربية بعضاً من المسؤولية، فالإعلام في المنطقة بشكل عام ليس شفافاً، ونحن نحاول عيش حالة من الإنكار في أغلب الأحيان للمشاكل الموجودة لدينا، فنحن ننكر وجود المشاكل الأمر الذي يترك مجالاً واسعاً لتدخلات الآخرين في مشاكلنا.

ورداً على سؤال حول إمكانية وضع مجلس وزراء الإعلام العرب لإستراتيجية تعمل على صد الهجمات الإعلامية الغربية. قال قبلان إنه لن يستطيع أن يضع مثل هذه الإستراتيجية لأنه لا يجوز وضعها من قبل الجهة الوصية على الإعلام.

مضيفاً ان المطلوب هو السماح حقيقة للإعلام العربي ان يتحول إلى سلطة قادرة على المساهمة في عملية الإصلاح الداخلي في العالم العربي، ووجود درجة عالية من الشفافية والاعتراف بالمسؤولية وإعطاء هامش واسع من الحريات التي تسمح للإعلام ان يصبح سلطة رابعة.

بدوره قال المحلل السياسي السوري ممدوح الزوبي إن الدول الغربية تسعى إلى السيطرة على مقدرات الأمة العربية وهذا الكلام ليس للاستهلاك أو التنظير كما يقال إنما هذا هو الواقع والدليل على ذلك ان معظم ثرواتنا تذهب إليهم وتعود إلينا مصنعة وبأسعار خيالية جداً، مضيفاً انه كلما نهضت إحدى الدول العربية بدور معين سياسي أو ثقافي أو اقتصادي.

كما حدث في دبي التي استقطبت اهتمام العالم ومعظم رؤوس الأموال لتبني قاعدة اقتصادية متينة وقوية ومتماسكة وأنشأت العديد من المشاريع التي رسخت القوة الاقتصادية بحيث جعلت الكثير من المستثمرين في العالم يطمحون للعمل على أرضها التي وضعت لها أصلاً قاعدة قانونية متماسكة جداً تحمي المستثمرين وتحمي رؤوس أموالهم، وعند ظهور بوادر أزمة مالية طارئة حاول الإعلام الغربي الهجوم باتجاهها مدعياً انها أزمة بنيوية ليس بمقدور دبي التغلب عليها.

وأوضح الزوبي إن الإعلام الغربي يلعب دوراً كبيراً في السعي إلى تفكيك عرى التلاقي بين مختلف الأقطار والشعوب العربية إضافة إلى السعي إلى تفكيك التواصل بين الشعب الواحد، ومثال ذلك السودان والمحاولات الغربية المستمرة لتقسميه، فالإعلام الغربي المملوك إلى شركات احتكارية كبرى يسعى إلى ان يكون رديفاً للسياسات الخارجية الأوروبية بحيث يستغل بعض الخلافات الموجودة في الدول العربية الأمر الذي يؤجج من الخلافات.

وردا على سؤال حول استقلالية الإعلام الغربي عن حكوماته قال الزوبي ان الإعلام في أوروبا هو إعلام خاص والحكومات لا تتدخل ، لكنه إعلام تابع لكثير من الشركات الاحتكارية، فهو ليس مستقلاً بالمعنى الذي نحن نتصوره. وشن الزوبي هجوماً على وسائل الإعلام العربية التي فشلت برأيه في صد الهجمات الإعلامية الغربية، وقال ان وسائل الإعلام العربية التي تخدم أهداف ومصالح العرب قليلة جداً.

وقال الزوبي انه في عام 1968 كان في إسرائيل أكثر من 850 محطة إذاعية وصحيفة تنطق بمختلف لغات العالم وحتى اللغات الهندية التي ينطق بها أناس قليلون، وكان لدى الإذاعة الإسرائيلية في تلك الآونة أكثر من 300 خبير نفسي واقتصادي وثقافي وسياسي، وتساءل الزوبي في إذاعاتنا وتلفزيوناتنا وصحفنا في كل الوطن العربي كم خبير لدينا، وكم محطة لدينا تنطق بلغات العالم، وهل المحطات التي تنطق باللغات الأخرى هي فعلاً موجهة إلى العالم، وتتحدث بلغتهم وتأخذ بعين الاعتبار طريقة تفكيرهم وحياتهم وأسلوبهم وعقليتهم أم أنها عبارة عن صدى لسياسة دولنا. مؤكداً ان المحطات الموجودة إنما تنطق باسم الأنظمة.

دمشق ـ أحمد كيلاني