عند الحديث عن الإعلام الغربي وقضايا الوطن العربي، تتملك المرء الحيرة.. في أي خانة يضع الإعلام العراقي، وعموم السياسة في بلاد الرافدين، فالبلد محتل، وفي هذا السياق، يرى المختصون أن الإعلام العراقي، جزء من الإعلام الغربي، بل هو الجزء الأكثر سلبية في ذلك الاعلام، لانفصاله عن قضايا الأمة العربية، التي يتم تجاهلها عن عمد، بل وحتى الإساءة إليها قدر المستطاع، إن ورد لها ذكر.

ولا ينسى العراقيون، وبالأخص سكان بغداد، تلك الشعارات واللافتات التي وضعت في الشوارع والساحات العامة، اثر الاحتلال الأميركي، وهي تحمل عبارات مهينة للعرب، وللشعب العراقي بالذات، ومنها: «أيها العرب اخرجوا من بلادنا»، فيما شملت موجة القتل والتهجير عشرات الآلاف من الفلسطينيين والمصريين والسوريين والسودانيين وغيرهم، بحيث أصبحت كلمة عربي تهمة.

الإعلام العراقي صورة للديمقراطية الغربية الوافدة مع الاحتلال، والممولة من قبله، إذ ان من ابرز ما يفاخر به الاحتلال ودعاته، «تحقيق الديمقراطية»، التي أفرزت مئات الأحزاب والمنظمات مدفوعة الثمن، حتى وان كان بعضها يضرب المحتل بـ «الريشة»، إضافة إلى إصدار مئات الصحف والدوريات، وعشرات المحطات الإذاعية والتلفزيونية، التي تعكس واقع «الديمقراطية الجديدة»، المغمسة بالدم العراقي والعربي، وهي كثيرة قياسا إلى طاقة استيعاب الشارع العراقي، الذي يرى فيها «مجرد ديكور»، قابل للتحوير والتغيير في أي وقت، وحسب طلب الجهة الممولة .

وما يقال عن الأحزاب، هو صورة مصغّرة عن الإعلام في العراق، في ظل الاحتلال، باعتبارهما الوجهين الأكثر بروزا لـ «الديمقراطية الجديدة.

وحسب المتابعين للإعلام العراقي «بين عهدين»، كانت هناك فضائية واحدة في العهد السابق، إلى جانب قنوات أرضية محدودة، وكانت هناك أيضا أربع صحف رئيسية، وبعض الصحف الأسبوعية.. ثم، فجأة، ظهرت بعد الاحتلال عشرات الصحف، التي انشغلت بنشر كل ما يتعلق بإظهار مساوئ النظام السابق، كتعبير عن «الكبت»، وهي تحظى بالدعم المطلوب، على ألا تلامس المناطق الحمراء المحرمة، ومن بينها «تحريض العراقيين ضد الاحتلال»، أو كشف فضائح المحتل.

الكاتب الصحافي محمد عارف قال «في العراق تصدر الآن نحو 250 صحيفة، وتنهب أجواءه أكثر من 100 محطة إذاعية أجنبية تبث بشكل غير قانوني، ودون الحصول على ترخيص أو دفع ضرائب، بينها إذاعة لندن ومونت كارلو، وسوا التي تمولها المخابرات المركزية الأميركية، وعشرات المحطات التي تمولها إيران، إضافة إلى العشرات من محطات الإذاعة على الموجات المتوسطة، ومئات المحطات الخارجية التي تُلتقط في العراق».

لقد فوجئ القارئ العراقي بوجود صحف لا يميز غثها من سمينها، فظل يكتفي بقراءة العناوين والمانشيتات من غير أن يقتني أيا من تلك الصحف، حتى تساقط منها ما تساقط ومات ما مات وتهاوى ما تهاوى، فظلت عشرات الصحف التي تمولها الأحزاب والحركات السياسية، وضمن «برنامج دعم الديمقراطية» الأميركي ..

وباستثناء «بعض الصحف التي تخنقها عملية التوزيع»، فان الصحف العراقية في مجملها تتجنب التعرض للفظائع التي ترتكبها قوات الاحتلال، بل إن عددا من الصحف ذهبت إلى تجميل صورة المحتل، حيث كشفت تقارير عراقية وأميركية إن قوات الاحتلال قدمت رشى لعدد من الصحافيين العراقيين مقابل نشر تقارير تجمل صورته.

وفي الفضاء، بات العراق بلدا يفرخ فضائيات، حتى إن العراقي لم يعد يميز بينها لكثرتها. وحسب الباحث في مركز دراسات الشرق الأوسط بالجامعة المستنصرية الدكتور أسامة الشمري: إن المشاهد العراقي لا يميل كثيرا إلى مشاهدة البث الفضائي لبلده، كما انه لا يثق بالأخبار التي تبثها فضائياته، وان أصابعه تتحرك تلقائيا بحثا عن قنوات عربية وأجنبية.

ويرى الباحث الإعلامي حامد المظفر أن ما نشاهده «كوكتيل للفضائيات».. فهي إما تسوق لطائفة أو لحزب معين، أو تنتج الإعلام الأصفر بثنائية المحاسن والمساوئ من خلال التركيز في فضائح الخصوم السياسيين.

ويقول احد أصحاب الفضائيات انه حين قدم طلبا للحصول على موافقات سلطات «الائتلاف» لتأسيس فضائية، قدمت له استمارة من عدة صفحات تتضمن شروطا معينة يجب توقيعها والتعهد بالالتزام بها قبل الحصول على الموافقات، ومن بينها عدم استعمال مفردة «قوات الاحتلال»، أثناء الحديث عن القوات الأميركية، وعدم التعاطي مع مفهوم «الكيان الصهيوني» أثناء الحديث عن إسرائيل، وعدم تحريض المواطن العراقي ضد قوات الاحتلال .

بدورها قالت الصحافية ايناس محمد هناك شفافية في بعض الأمور التي نريد الكشف عنها، حتى يقال إننا نعيش في مرحلة ديمقراطية».

وتوضح «هناك انتشار للفضائيات، لكنها للأسف غير مهنية بل للتجارة ويقوم عليها أشخاص بعيدون عن الإعلام الحقيقي».وتابعت الصحافية التي لا تظهر في تقاريرها التلفزيونية لأسباب أمنية «أغامر في عملي (...) لأننا نتعرض لاتهامات حول مصادر تمويل القناة، حيث اعمل، والكثير من القنوات تتلقى تمويلا مشبوها على ما يبدو».

وقال الصحافي احمد التميمي، وهو مراسل لإحدى الوكالات الأجنبية «كانت مشكلة الصحافي تكميم فمه.. لم يكن يستطيع إسماع صوته نتيجة الاضطهاد والسيطرة الأمنية».

ويوضح إن «العقاب الأكبر للصحافي كان السجن إبان النظام السابق، لكنه أصبح حاليا الهدف المفضل لكل الميليشيات، بحيث يدفع حياته ثمنا لكتاباته اذا انتقد جهة حزبية مرتبطة بجماعة تعتبر العمل الصحافي بحد ذاته سببا كافيا للقتل».

بغداد ـ عراق احمد