أكثر ما تلمح في وجهه، ولو من بعد، ابتسامة مسكوبة بالفطرة في شخصه، يمكن أن تنطوي على اثنتين: مواجهة معاناة الوجودية الإنسانية، وسخرية مهذّبة وحزينة في آن، لما يشوب لبنان الوطن والإنسان من شعارات فارغة وتقصير وجهل وانعدام الجرأة، والاتّكالية والاستهتار والكلام غير المسؤول.

اسمه لامع في الحركة الثقافية والفكريّة.. وهو معلم أساسي من معالم البناء الحقوقي _ الدستوري في لبنان والعالم العربي.. كثيرة هي ألقابه، بسبب تعدّد اهتماماته وكثرة صولاته وجولاته.. فهو الحاضر الأكبر في المؤتمرات والندوات، التنمويّة والاجتماعية والثقافيّة والقانونيّة والدينيّة والإصلاحيّة.. تارة، هو عالم الاجتماع الذي راقب المجتمع اللبناني عن كثب واستخلص بدقّة خصائص بنيته.. وتارة أخرى، هو العالم الدستوري الذي درس الأنظمة، وما ملّ يوماً من الكتابة عنها.. وفي مقابلة أجرتها معه «البيان»، يسمّي الدكتور أنطوان مسرّة الأشياء بأسمائها.. فيقول إن لبنان يواجه مشكلتين أساسيتين: الأولى جغرافية، فهو يقع في أسوأ منطقة في العالم من منظور العلاقات الدولية، أي أنه يقع في جوار إسرائيل، وهي مشكلة عالمية تناقض النموذج اللبناني بشكل جذري.. والثانية سياسيّة، نظراً لموقعه في جوار أنظمة عربية، إما «مستبِدّة» أو في طور التحوّل الديمقراطي، ولكنها على الأقل تناقِض النموذج اللبناني.

ويعتبر أن الطائفية في لبنان «مشكلة عربية».. أما الحلّ، فله عنده تفسير واحد لا يقبل الجدل: «أهم ثقافة يكتسبها اللبناني، بعد اليوم، هي ما يقوله الإمام المغيّب موسى الصدر: سلام لبنان هو أفضل أنواع السلاح تجاه إسرائيل».

وفيما يلي نصّ الحوار مع الدكتور مسرّة الذي لشدّة ما راقب المجتمع اللبناني، اكتسب نوعاً من الانفصال المتسامِح يسمح له بتفسير الأمور من دون إدانة أحد.

انطاقا من كونك عالم اجتماع راقب المجتمع اللبناني عن كثب واستخلص بدقّة خصائص بنيته، كيف تقرأ مجريات الأزمات التي تعصف بلبنان من حين إلى آخر، وفي أي سياق استراتيجي تندرج؟

يعاني اللبناني، والعربي عموماً، من رواسب في اللاوعي ومن ذاكرات متعدّدة، فيتمّ التلاعب بهذا اللاوعي من قبل قيادات وزعامات ومنظّمات إرهابيّة.. وذلك، في ظلّ غياب الاهتمام بعلم النفس السياسي.

المشاكل في لبنان ليست مسائل دستوريّة، بمعنى النصّ، ولا مسائل عيش مشترك.. وهنا أشير إلى أن الأخضر الإبراهيمي، في 14ابريل 2004، والذي كان يعرف لبنان انطلاقا من الدور الذي كان يضطلع به كموفد، قال للعراقيين: إذا كان في العالم بلد لا تتخيّل أن تحدث فيه حرب أهلية، فهو لبنان.. وحدثت حرب أهليّة.

الحرب الأهلية ليس معناها أن نصف الناس يأخذون أسلحة ضد النصف الآخر، يمكن أن تصطنع حرب أهلية، من خلال تدفّق أسلحة وأموال بشكل يتعدّى قدرة أي بلد، ومن خلال التلاعب بمخاوف الناس.. وبعدما أظهر لبنان تماسكاً كبيراً، بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 ابريل 2005، ظهر فيه مقامرون ومغامرون يستغلّون هذه الرواسب النفسيّة.

وبالنسبة للعربي عموماً، فإن الكاتب ياسين الحافظ الذي توفيّ عن عمر قصير حكى عن اللاعقلانيّة العربية، ليس لأنه جينيّاً كذلك، بل لأن الأنظمة المستبدّة في المنطقة، ومنذ الستينات، طغت على الفكر النقدي والتحليلي.

إذن، فإن مشاكل عديدة في المنطقة العربية تعود إلى علم النفس السياسي، والجميع غريب عن هذا العالم، وهو متروك للمغامرين والمقامرين، وللإرهاب الذي يمتدّ في هذه الأجزاء من المجتمعات ويملأ الفراغ، حتى أن الشخص المسالِم والمعتاد على العلاقات بين مختلف الأديان والمذاهب قد يتحوّل إلى نمر، إذا أثيرت في نفسه المخاوف.. ولذا، من المهم البحث في تقنيّات تغذية النزاعات، لأن علماء الاجتماع والسياسة درسوا النزاعات لجهة أسبابها، لكن الموضوع الأساسي هو البحث عن جواب لسؤال: من يشعل النزاع، وكيف يصبح النزاع نزاعيّاً؟

لقد أصبح هناك خبراء في النزاعات، تجّار حروب.. والعلوم الإنسانيّة تطوّرت جداً، ولكنها مع الأسف كانت مفيدة أكثر للعناصر الإرهابيّة، لأنها في أغلب الأحيان متأخّرة عن متابعة تطوّر العاملين الميدانيّين في إشعال النزاعات، فيما الأنظمة المستبدّة في المنطقة طوّرت تقنياتها.

ما هو تعريفك للأنظمة المستبدّة؟

أنا معجب، نسبياً، بالملكيّات الدستوريّة في المنطقة.. الملكيّات العربيّة طوّرت نفسها وحقّقت إنجازات، وهي تسعى إلى إجراء تحوّل ديمقراطي تدريجي.. بينما بعض الأنظمة، والتي سمّيَت جمهوريّة، تحوّلت إلى ملكيّات ثابتة لا دستوريّة، تنتقل من جيل إلى جيل، وهي ملكيّات تخدع الناس، لأن استمراريتها تحتاج إلى شبكات من الفساد.

في الدول العربية، المشكلة تكمن في المجتمع وفي الأنظمة.. فالسلوكيّات العربية تقوم على علاقات سلطة، وليس على قواعد.

في الإطار نفسه، أعربت أكثر من مرّة عن خشيتك على لبنان من خطرين أساسيين: الأول يتأتّى من الجغرافيا، والثاني من الأنظمة المستبدّة المحيطة به؟

نعم.. ففي محيط لبنان، هناك ثلاثة أنواع من الأنظمة: نظام عدائي، ألا وهو إسرائيل.. أنظمة هي في طور التحوّل الديمقراطي.. وأنظمة عربية مستبدّة.

ولكن، أين يكمن الحلّ في ظلّ وجود هذين الخطرين؟ وأية مصالحة يتوجّب على اللبنانيين إرساء دعائمها؟

الحلّ يكمن في اهتمام اللبناني بشؤونه.. لكنه يبدو أنه مركّب نفسيّاً على أنه دوماً يحتاج إلى «باب عال»، كما أن الأيديولوجيات التي نشأت في لبنان جعلته «يطحَش» في الأمّة: فإما يتقوقع في الطائفة، أو «ينفلِش» في الأمّة.. وبين الخيارين، لا يعرف اللبناني موقعه.

الحلّ ليس في التقوقع في الطائفة، ولا في الإنفلاش في الأمة، بل ربما تكون أهم ثقافة يكتسبها اللبناني، بعد اليوم، هي ما يقوله الإمام المغيّب موسى الصدر: «سلام لبنان هو أفضل أنواع السلاح تجاه إسرائيل».

فإذا اهتم اللبناني بقضاياه، بشكل عملي، يكون عندئذ قمّة العروبة وقمّة العداء لإسرائيل وقمّة صورة الإسلام والمسيحيّة في المنطقة.. فشعار «لبنان أولاً» هو أرقى درجات العروبة، وقمّة العداء لإسرائيل.. ولكن هذا الأمر يتطلّب ثقافة، علماً أن كل أزمات المنطقة نتجت عن النزاع اللبناني، كما أن إنفلاش إسرائيل دخل من خلال لبنان.. فماذا يريد اللبنانيون بعد كل هذه التجربة؟

أنا أتكلّم عن المستقبل، وليس عن الماضي.. فبعد تحرير قسم كبير من أراضي الجنوب، وبعد تجارب الحرب، وبعد خروج الجيش السوري، ماذا يريد اللبنانيون؟

كان الصحافي أدوار صعب يقول: «لبنان هو مهد الأيديولوجيّات ولحدها».. كيف يصبح اللبناني مهتمّاً بالحفرة في الشارع؟ بتعليم أولاده في المدرسة الرسميّة؟ وفي الاهتمام بسعر البطاطا؟ وفي تأمين الكهرباء لمنزله؟.. والجواب على هذه الأسئلة هو قمّة العروبة وقضيتها.

دوماً، الأيديولوجيات تفرّق.. بينما المصالح اليومية في هذا البلد الصغير، تجمع.. ومن يريد أن يتكلّم عن وحدة لبنان، لا يجب عليه التركيز على الهويّة والكيان وما إلى ذلك، بل على القضايا الحياتيّة المشتركة.

لكن، ما هي الخطوات العمليّة التي تكفل تحقيق هذا الأمر؟

هذا يتطلّب برامج وتربية مدنيّة في المدارس، ومواطناً يواجه السياسيّين، إضافة إلى جمعيات مستهلِكين.. وهذا الأمر صعب، لأن اللبنانيين تربّوا على الأيديولوجيات، فيما الأنظمة المستبدّة استخدمت الأيديولوجيّات لضرب حرية المواطن ومصالحه، وأوهمته بأن كل معاناته اليومية هي بسبب الصراع العربي ـ الإسرائيلي والهجمة الأميركية على المنطقة، وذلك لتبرير الاستبداد الداخلي وتربية الناس على اللامسؤوليّة.

إن اللبناني هو في حالة اغتراب، أي غريب عن واقعه وقضاياه: الإسرائيليون كتبوا مجلّدات ضخمة عن كلفة اجتياحهم لبنان.. الفلسطينيون كتبوا عن كلفة انغماسهم في القضايا الداخلية اللبنانية، وندموا عليها.. والنظام السوري يتكلّم دائماً عن تضحياته في سبيل لبنان.. فمتى يجنّب اللبنانيون الآخرين الكلفة والتضحيات، وخصوصاً أن قضية بلدهم هي المدخل لكلّ قضايا المنطقة؟

ثمة من يقول إن الخلل يكمن في «اتفاق الطائف»، ما يتيح لبعض القيادات أن تتمرّد على التوافق الداخلي وتراهن على عدم التوافق الخارجي.. ماذا تقول في هذا الشأن؟ وهل بتنا فعلاً في حاجة إلى «طائف» جديد؟

الخلل الأكبر ليس في «اتفاق الطائف»، بل في بعض المثقفين والجامعيّين الذين يكتبون في هذا الإطار.. ليس لدينا خلل أساسي في الدستور وفي البنية وما إلى ذلك.. لبنان لديه مشكلة مع جيرانه، ووضعه مشابه لسويسرا التي استطاعت أن توجد نظاماً من المشاركة ثابتاً ومنيعاً في الداخل، بعدما أصبح محيطها الجغرافي أقلّ عدائيّة وأكثر ديمقراطية.. وكذلك، هولندا كرّرت التجربة نفسها. هناك تضخيم لبعض المشاكل من قبل بعض المثقفين، ومنها الطائفية والدستور.. لكن مشكلتنا هي مع الأنظمة العربيّة..

وفي هذا السياق، أرى أن الطائفيّة في لبنان هي مشكلة عربيّة، وليست مشكلة لبنانيّة.. فكلّ الأنظمة العربية لديها مشاكل في موضوع المساواة ومشاركة الأقليّات، كالأقباط في مصر، وهذا عائد إلى التأويلات الجديدة للإسلام.. ففي مصر، مثلاً، لا يستطيع المسيحي أن يعلّم اللغة العربية.. وفي معظم البلدان العربية، عندما يكون هناك خلاف بين الدين والمذهب في حالة الزواج، يتمّ تطبيق الشريعة الإسلامية.. وهنا، أشير إلى إيجابيّة موجودة في سوريا، وهي أن هناك إقراراً بالتعدّد الديني، كما في الأردن.

ولبنان هو أقلّ بلد عربي لديه مشاكل طائفيّة، وهو سعى لمعالجة هذا الموضوع، ربما، بطريقة غير مثاليّة وعرجاء، ولكن لا يمكن لأي بلد عربي أن يزايد علينا في هذا الشأن، كما لا يمكن لإسرائيل أن تزايد علينا لكونها بلد الطائفة الواحدة.. أما في البلدان العربية الأخرى، فممنوع الحديث عن المشاكل الطائفية، بمعنى أنهم يطمسونها، كما هو حاصل في موضوع تهجير المسيحيّين في العراق.

ما هو ردّك على القائلين إن الدور المسيحي الريادي يشهد آخر أيامه في لبنان، وعلى مروّجي مقولة إن الدور المسيحي في المنطقة تراجع لسببين: تصاعد الأصولية الإسلامية، وعدم حاجة أنظمة المنطقة للجسر المسيحي إلى الغرب لأن العلاقات أصبحت مباشرة؟

يجوز القول إن موقع المسيحيين، لجهة النفوذ، تراجع.. لكن، دورهم قد زاد، وهم غير مدركين لهذا الأمر، بمعنى أنهم أصبحوا عنصر التوازن الأقوى بين الفئات الإسلامية الأخرى، وتراجعهم يؤثر سلباً على التوجّه الاستقلالي للبلد وعلى حماية مستقبله.

موضوعياً، إن وضع المسيحيين في لبنان هو أفضل وضع خلال تاريخهم.. ولكن واقعياً، هذه هي المرحلة الأسوأ.

ف«اتفاق الطائف» قرّر المناصفة في التمثيل، وهذا إنجاز.. والمادة 49 من الدستور حدّدت دور رئيس الجمهورية بأنه حامي الدستور.. وكل قرارات الأمم المتحدة تدعم استقلال لبنان.. والقيادات الإسلامية تتكلّم بروحيّة استقلالية أفضل من بيار الجميّل وكميل شمعون في الخمسينات.. والجامعة العربية قامت بمبادرة لانتخاب رئيس جمهورية ماروني في لبنان.

لكن واقعياً، تتحكّم ببعض المسيحيين ذهنيّة معقّدة لا تستوعب التغيّرات، وتعيش على بعض أمجاد الماضي، وهي تناست دورها كعنصر نهضة عربية.. وهذا الواقع تتّضح معالمه من خلال بروز بعض المغامرين والمقامرين، يستغلّون مشاعر وغرائز فئات محدّدة من المسيحيين، أي الشباب الذين لا يعرفون ماذا يريدون وبعض النسوة ذوات الأفق الضيّق الذي لا يتخطّى شؤون المنزل وناقمين من كل درب وصوب.

والمظهر الثاني للانحطاط يتمثل بظهور بعض المؤسّسات المارونيّة التي تقول بفخر إنها على مسافة واحدة من الجميع.. في حين أنه عندما يكون البلد مهدّداً والمؤسّسات فارغة والنوّاب لا يقومون بواجباتهم، لا يجب أن تكون هذه المؤسّسات على مسافة واحدة من الجميع من دون اتخاذ مواقف مبدئيّة، لأن هناك أسساً هي على مسافة واحدة من الجميع، أي الدستور.

كما ظهرت لدى بعض الفئات المسيحيّة درجة من الانتهازية لم يجد لها لبنان مثيلاً في الماضي، وبروز عقليات مريضة تُستَغلّ من قبل مغامرين، إضافة إلى كون المؤسّسات المسيحيّة في حالة تعب وتراجع، بينما كل الوضع اللبناني الراهن يدفع في اتجاه ممارسة عقلية دور لا عقلية نفوذ كما هو حاصل. هذا الانحطاط في الوضع المسيحي، يعيشه قياديّون مسلمون بألم، لأن الدور المسيحي هو دور أساسي في استعادة التوازن.

هل هذا يعني أن العلّة تكمن في عبارة «على مسافة واحدة من الجميع»؟

بالتأكيد، لأن معنى هذه العبارة هو انتظار المنتصِر للاصطفاف معه، علماً أنها في اللغة الأجنبية (equidistant) تستعمل فقط في علم الهندسة، لا في علم السياسة، لأنها تستلزم كثيراً من الحسابات.

بيروت ـ وفاء عواد