هذه الحلقة.. تتناول الحقبة الرئاسية لكل من بيل كلينتون وجورج بوش الابن.. موضحة أن كلينتون جاء في «لحظة ذهبية» كما يصفها المؤلف لأنها أعقبت فوز أميركا في الحرب الباردة وسيادة جو من الاطمئنان أو الاستقرار في أرجاء العالم مما حدا بولاية كلينتون الأولى إلى التركيز على الشأن الداخلي.. الاقتصادي بالذات.. وعلى حساب السياسة الخارجية التي أصبحت شديدة الخطورة بعد اندلاع صراعات البلقان الدموية.
وتعرض الحلقة التناقضات التي ميزت شخصية الرئيسين المذكورين.. فيما يخلص المؤلف إلى عدد من الدروس المستفادة من واقع خبرته الطويلة في العمل ضمن الأطقم الرئاسية سواء في البيت الأبيض أو وزارة الخارجية أو دوائر الدفاع في البنتاغون. ويختم المؤلف أطروحته في الكتاب مؤكدا بأن الرئيس الواعي بقضايا السياسة الخارجية يختار معاونين أقوياء وأكفاء ومقتدرين سواء في مواقع الدبلوماسية بالوزارة أو في مواقع الأمن القومي بالبيت الأبيض.. والعكس صحيح. الفصل الثامن من هذا الكتاب يحمل العنوان الموجز التالي: بيل كلينتون. ويستهله المؤلف بالعبارات الآتية: - جاء انتخاب بيل كلينتون لمنصب الرئاسة في لحظة «ذهبية» بدت فيها تحديات الأمن القومي (الأميركي) وكأنها تراجعت إلى مرتبة أقل مما كانت تحتله على الأجندة القومية في الولايات المتحدة. لماذا؟
لقد انتهت الحرب الباردة.. وشرعت أميركا في التهيؤ لشغل مكانة القطب الواحد في إدارة مقاليد العالم. وبدأت ظاهرة العولمة بقيادة أميركا تشق طريقها.. بل أن مناطق مشهورة بتوترها الشديد ؟ على نحو ما يعبر مؤلف الكتاب ؟ بدت بدورها أكثر هدوء وأقل توترا.. ومنها مثلا الشرق الأوسط الذي ظهر وكأنه وضع مقاليد أموره بيد عناصر معتدلة في مقاعد الحكم وخاصة في أعقاب حرب تحرير الكويت. باختصار، تراجعت بنود السياسة الخارجية وقضايا العلاقات الدولية على أجندة إدارة كلينتون التي حلت في البيت الرئاسي الأبيض في عام ,1992. وجاء هذا التراجع كما يوضح مؤلفنا لحساب قضية داخلية لها بدورها أهميتها البالغة وهي: الأداء الاقتصادي
الشأن الداخلي... يرى المؤلف أن قضايا الاقتصاد تُسلم قيادها بحكم التعريف إلى إدارة من الحزب الديمقراطي، فما بالك وقد تعهد الرئيس كلينتون المنتخب بمعالجة مشاكل الاقتصاد قائلا: سوف أركز على هذه المشاكل، تماما كما تركز أضواء (أشعة) الليزر على مواطن الداء من أجل شفائها. ويلاحظ المؤلف في نفس السياق أن حملة كلينتون الانتخابية لم تشهد حديثا يعتد به أو تطرقا له أهميته بالنسبة لقضايا السياسة الخارجية.. من هنا راجت مقولة أن كلينتون لم يكن من الرؤساء المعنيين أساسا بتلك القضايا، وأن تركيزه جدير بأن يتمحور حول قضايا الداخل بالولايات المتحدة. بيد أن هذا الفصل الثامن من الكتاب يحاول أن يفّند هذه المقولة، أو على الأقل يوضح، أن السنتين الأولى والثانية من إدارة كلينتون كانتا تركزان بالفعل على الشأن الداخلي. لكن الأمور ما لبثت أن تغيرت. وكان لا بد لها أن تتغير.
هنا يحيل الكتاب إلى تقييم رصين أدلى به المحلل السياسي المخضرم ديفيد جيرجن الذي خدم من موقع المستشار في عدة إدارات جمهورية وديمقراطية على السواء. يقول: خلال الحرب الباردة كان رؤساء أمريكا يمضون نسبة 60 في المائة على الأقل من وقتهم عاكفين على التعاطي مع قضايا السياسة الخارجية. بل أن هذه النسبة ارتفعت مع بوش الأب إلى نحو 75 في المئة. بعده جاء كلينتون ليقلب الطاولات وليجعل الشئون المحلية محور اهتمامه الرئاسية وبنسبة 75 في المئة.
ثم يعود المؤلف ليقول ان كلينتون ما لبث أن صحح المسألة وأعاد التوازن في اهتمامات رئيس أميركا بين قضايا الداخل والخارج. ومن ثم شهدت سنوات ولايته الثمان تعاطيا مع قضايا حقوق الإنسان بل والعمل العسكري تحت شعارات «التدخل الإنساني» وبحث قضايا العولمة الاقتصادية على وجه الخصوص والتعاطي مع مشاكل البيئة، والانغماس في مشكلة الحرب الأهلية في أيرلندا والصراعات الرهيبة التي شهدتها أجزاء يوغسلافيا السابقة في منطقة البلقان.
سمنار بالبيت الأبيض
بالنسبة لقضايا الأمن القومي، وبحكم ارتباطها بالسياسة الخارجية، كان كلينتون يرخي العنان معتمدا على التفاعل الطبيعي بين مساعديه. لا يداوم باستمرار على حضور مجلس الأمن القومي، اللهم إلا في حالات الأزمات ومنها أزمات هايتي في الكاريبي أو كوسوفو في البلقان أو العقوبات المفروضة على نظام صدام حسين في العراق.
كان كلينتون رئيسا مثقفا.. ولذلك كانت مناقشات مجلس الأمن القومي.. كما يوضح مؤلفنا (ص 209) تماثل أحيانا مداولات مركز للبحوث أو حلقة دراسية أكاديمية (سمنار). من هنا ينظر المحللون إلى حقبة كلينتون بوصفها جسرا أو همزة وصل فعالة في الانتقال من مرحلة الحرب الباردة إلى مرحلة القرن الحادي والعشرين، وبمعنى أن كانت حافلة بالسلب والإيجاب مثل شخصية الرئيس كلينتون سواء بسواء.
وفي هذا السياق أيضا يصدر المؤلف حكمه على كلينتون قائلا: كان من ناحية.. رجلا يتمتع بذكاء نفاذ، الأمر الذي جعله قيادة سياسية تتصف بالتطلع الفضولي الثقافي. لكن من الناحية الأخرى كان يعيبه الافتقار إلى الانضباط الذاتي.. وكان هذا التراخي يدفعه إلى إصدار أحكام مغلوطة على الآخرين.
.. جاء بوش الابن
في كل حال.. فقد أبحرت إدارة كلينتون بسفينة واشنطن إلى مطلع قرن جديد.. شهد بدوره إدارة جديدة يحتل الحديث عنها أكبر فصل من حيث عدد الصفحات وهو العاشر ما قبل الأخير من فصول هذا الكتاب. وربما نعذر المؤلف في حديثه المفعم بالتسامح وأحيانا بالتبرير بالنسبة لشخصية وأعمال الرئيس جورج دبليو بوش حيث عمل صاحب هذا الكتاب وعلى مدار 7 سنوات متوالية (2001-2007) مساعدا لوزير الدفاع ومسؤولا بالذات عن شئون الأمن القومي.
مع ذلك فلم يسع المؤلف سوى الإشارة منذ بداية هذا الفصل إلى أن الرئيس بوش الابن كانت تحركه دوافع عقائدية بمعنى أفكار وطروحات يعتنقها وهي التي تدفع به إلى اتخاذ القرار.
ويرسم القريبون من بوش صورة لذلك الرئيس حافلة بتناقضات الشخصية: منهم كاتب خطاباته الأثير ديفيد فروم (وهو بالمناسبة مخترع تعبير «محور الشر» الذي ظل بوش يردده على فترات طويلة). يقول فروم: إن بوش كان يبدو أحيانا في غاية الانضباط لدرجة أن يكسب كل مشاعر الولاء من مساعديه، ولكنه يبدو في أحيان أخرى صلب الرأي.. قليل المعرفة.. أقرب في تفكيره إلى التقليد وليس التجديد.
المهم أن المؤلف يلخص شخصية بوش الابن في ثلاثة أبعاد رئيسية على النحو التالي:
أولا.. إنه كان شأن الرؤساء المنتمين إلى الحزب الجمهوري، ينظر إلى الصورة في شمولها ويتعامل مع الموقف في كلياته دون اهتمام ملحوظ بالحواشي والتفاصيل.
ثانيا.. إنه كان في حال من الحيرة وربما الاضطراب على نحو ما يواجهه أي قائد سياسي.. والحيرة في هذه الحالة تكون بين أمرين وبالتحديد بين أن يسارع إلى اتخاذ القرار حتى قبل أن تتضح كل تفاصيل المشكلة المطروحة وهنا يمكن أن يأتي القرار ناقصا أو مبتسرا أو معيبا..، وبين أن يتريث ويبطئ خطاه ويقارن بين الاحتمالات ويستكمل كل التفاصيل، وهنا أيضا يمكن أن يأتي القرار متأخرا أو متخلفا.
ثالثا.. من الغريب أن المثل الأعلى للرئيس بوش الابن لم يكن والده الرئيس بوش الأول بل كان مثله الأعلى رونالد ريجان. والأغرب أن بوش الاب كان بالغ التميز إلى حد التفوق في مضمار السياسة الخارجية، على نحو ما ألمحنا
في حلقات سابقة.. ولكن ها هو بوش الابن يقرن نفسه مع ريجان، وربما يجمع بين الشخصيتين تلك النزعة التي كانت تعوّل كثيرا على الغريزة أو الفطرة دون أن تستمد جذورها من عمق الدراسة أو سعة الثقافة أو دقة التحليل. وقصاراه، كما يشير مؤلف كتابنا أن يعود إلى مهنته السابقة على الرئاسة، مهنة صاحب فريق كرة البيسبول في تكساس.. وهي المهنة التي لا تجعل مالك الفرقة لاعبا ولكن تحضه على أن يتولى إدارة أو قيادة كل العناصر المشاركة في العملية من إداريين وموظفين ولاعبين.
الجنرال وزيرا للخارجية
في مجال السياسة الخارجية، وهي بداهة المحور الرئيسي لهذا الكتاب، يتوقف المؤلف عند أسلوب أول لوزير خارجية للرئيس بوش وهو الجنرال الأفريقي الأصل «كولن باول» وقد كان المؤلف مساعدا له في هذه المرحلة. وكان باول يؤمن بأن يسند أهم أدوار السياسة الخارجية في وزارته إلى الدبلوماسيين المحترفين والمحنكين، ثم يتولى إدارة الوزارة كما قال بالأسلوب التقليدي، ومن ثم عمد إلى إلغاء مواقع الممثلين الخاصين الموفدين إلى شتى أقطار العالم وكان عددهم قد زاد إلى 55 مبعوثا خاصا.. وكانت غايته من ذلك هو العودة بوزارة خارجية الولايات المتحدة إلى الأسلوب العادي أو الاحترافي في العمل السياسي والدبلوماسي.
في آخر صفحات هذا الفصل المتعلق بالرئيس بوش يسترعي اهتمامنا كقارئين ملاحظة المؤلف من موقعه الذي كان مطلعا من خلاله على بواطن الأمور.. مؤداها ما يلي: إن الشخصية المحورية في حقبة بوش، لم تكن كما روج الكثيرون هي ديك تشيني نائب الرئيس بل كانت ستيفن هادلي مستشاره للأمن القومي خلال ولايته الثانية.. وهو المحامي الذي كان يتمتع بفكر صاف وهدوء بالغ وقدرة على التوصل إلى توافق واسع بين آراء الاختصاصيين.
دروس مستفادة
أخيرا، وفي الفصل الختامي من هذا الكتاب يطالعنا المؤلف بما يصفه في عنوان الفصل على النحو التالي: الدروس المستفادة. من هذه الدروس ما يخلص إلى أن منصب رئيس أميركا ليس مطلق الصلاحيات ولا هو موقع إمبراطوري بل هو موقع محاط بعدد من القيود والكوابح التي يقضي بها دستور البلاد. وعلى ذلك فإن نجاح رئيس الدولة في إدارة دفة السياسة الخارجية، مرهون في تصور المؤلف، بمدى اهتمام الرئيس وانشغاله وتعاطيه وتعمقه بالنسبة لقضايا السياسة الخارجية ومشاكل وأعراف وتطورات العلاقات الدولية.
وبقدر ما يهتم الرئيس بتلك القضايا.. يكون نجاحه في إدارة دفتها على أن تكون هذه الإدارة بمشاركة فعالة تتوقف فعاليتها بالتالي على النجاح في اختيار معاوني الرئيس ما بين وزارة الخارجية إلى المواقع المختلفة والمؤثرة في ملاك المساعدين في مقر الرئاسة بالبيت الأبيض.
مهم أيضا شكل ومسار العلاقة بين الرئاسة وبين ميديا الإعلام على اختلاف أساليبها وتوجهاتها. وفي هذا السياق يتوقف المؤلف من واقع تجربته الطويلة عند إحدى وسائل العمل السياسي وهي حالات الإفشاء.. الإفصاح أو التسريب لبعض الأسرار إلى وسائل الإعلام.
ولكن المشكلة أن هذا التسرب وأحيانا التسريب يصيب رؤساء الدولة بسورات من الغضب الشديد. ومع ذلك.. كما يضيف المؤلف.. فإن خبرا أو معلومة يتم تسريبها ثم تنشرها صحيفة صباحية في صدر صفحاتها يمكن أن يفيد «فخامة الرئيس» شخصيا كي يعرف عما يدور في كواليس الحكومة التي يتولى قيادتها، أو قد يعرف وقع قرار أصدره أو إجراء اتخذه واحد من وزرائه على قوى معينة أو أفراد أو جماعات من أصحاب المصلحة..
مما لا يرد في التقارير الرسمية التي ترفع إلى الرئيس.. وقد تصلح التسريبات إلى الصحافة لدور بالونات الاختبار التي تجّس النبض في الداخل والخارج قبل أن يصدر قرار مهم أو يتخذ إجراء يؤثر على مصالح الدولة. هناك أيضا نوعية العلاقة التي تنشأ بين المستشار (أو المستشارة) الرئاسي لشئون الأمن القومي الاميركي وبين وزير (أو وزيرة) الخارجية ؟ وفي كل الأحوال فإن الأمر يتوقف في تصور المؤلف على مسلكية رئيس الدولة. فقد يرفع من شأن مستشاره للأمن القومي على حساب وزير الخارجية (وهو ما فعله نيكسون وكيسنجر، كما فعله كارتر وبريجنسكي).
وقد يصبح وزير الخارجية ركنا جوهريا من أركان الطاقم الرئاسي (على نحو ما كان بيكر في إدارة بوش الأب، وما كانته كونوليزا رايس في الولاية الثانية لبوش الابن). والمهم أن الأمر يتطلب انسجاما وتوافقا وعلاقات تتسم بالمرونة والفهم المتبادل بين الطرفين. ويصدق هذا بنفس القدر على العلاقات بين مساعدي ومستشاري الرئيس من العسكريين والمدنيين.
الناشر: دار ألفرد نوف، نيويورك، 2009
الصفحات: 351 صفحة
عرض ومناقشة : محمد الخولي



