كان العام الماضي علامةً فارقةً بحق في تاريخ الولايات المتحدة. ففيه استقبلت أول رئيسٍ أسود منذ تأسيسها. وفيه أيضاً أكملت خططها للانسحاب من العراق.

وإن تواجه واشنطن مصاعب أمنية جمة في أفغانستان وباكستان رغم تعيينها مبعوثاً خاصاً إلى هناك، فإن استراتيجية البيت الأبيض على امتداد آسيا تبدو على المحك مع المعاناة التي يواجهها في الملف النووي الإيراني الذي يزداد سخونةً.

ومن المؤكد أن الوضع في أفغانستان وباكستان وإيران سيشهد تطوراتٍ كبيرة ومفاجئة في العام 2010.

وبدأت الولايات المتحدة العام 2009 بحفل تنصيب الرئيس ال44 في تاريخها والأول ممن ينتمي إلى الأقلية السوداء. حقق باراك أوباما في ال20 من شهر يناير حلماً راود مارتن لوثر كينغ قبل عقود حينما كافح للحصول على حقوق شريحةٍ من الشعب عانت الأمرين بفعل التمييز.

وحضر حفل التنصيب رقم غير مسبوق من الأميركيين في ما تابعه مئات الملايين عبر شاشات التلفاز حول العالم فقد كان حدثاً استثنائياً رغم أنه تم في درجة حرارة منخفضة لم تؤثر على الحماسة التي أبداها أوباما الذي تلعثم في بداية القسم ما استدعى إعادته داخل البيت الأبيض في اليوم التالي. وفي خطابه، مد أوباما يده إلى خصوم واشنطن وخص المسلمين بالذكر وهو أمر غير مسبوق لقي الكثير من الارتياح. وبعد 48 ساعة من تنصيبه، أصدر الرئيس الأميركي أمره التنفيذي الأول بإغلاق معتقل غوانتانامو خلال عام.

ومع اقتراب موعد الاستحقاق، تسابق الإدارة الديمقراطية الزمن للوفاء بالتزاماتها مع عزمها محاكمة المعتقلين بموجب القوانين الاتحادية داخل الأراضي الأميركية واتفاقها مع دول حليفة على نقل سجناء آخرين إليها. وفي أفغانستان، عانى الجيش الأميركي من ارتفاعٍ كبير في الخسائر البشرية بزيادة 43 في المئة عن العام 2008 مع ازدياد حدة الهجمات التي تشنها حركة «طالبان» التي يحاول أوباما إقناعها بالانخراط في العملية السياسية بعدما أصابه شبه يأس من حكومة الرئيس حامد قرضاي الغارقة في الفساد، في وقتٍ أعيد فيه انتخاب الأخير وسط شكوكٍ كبيرة بحصول تزوير.

دعم الحرب

وعلى الجبهة الأمنية، أعلن أوباما استراتيجيته التي طال انتظارها فأمر في 17 فبراير بإرسال 17 ألف جندي بحلول الصيف وفي 1 ديسمبر بإرسال 30 ألفاً، في ما شن طوال العام عملياتٍ عسكرية تنوعت أسماؤها والهدف واحد تمهيداً لانسحابٍ ألمح إليه قبل انتهاء ولايته الأولى. أما في باكستان، فوضعت واشنطن يدها على قلبها وهي ترى رقعة الاضطرابات تتسع وترنو إلى الترسانة النووية في البلاد، في حين أضحت غاراتها الجوية بطائرات من دون طيار روتيناً شبه أسبوعياً، في ما ضخت الملايين من الدولارات لمساعدة إسلام آباد في حربها ضد المسلحين.

حوار مع المسلمين

وفي يونيو، طار سيد البيت الأبيض إلى العاصمة المصرية القاهرة ليلقي من جامعتها خطاباً إلى العرب والمسلمين استهله بسلامٍ على الطريقة الإسلامية واقتباساتٍ من القرآن الكريم ومصالحةٍ بأسلوبٍ «أوبامي» بدعوةٍ إلى «فهمٍ متبادل».

وفي ملفي العراق وإيران المتداخلين، نفذت الإدارة الديمقراطية تعهداتها بإعلانها في ال27 من فبراير سحب القوات الأميركية من المدن العراقية بحلول 30 يونيو، وهو ما تحقق، والانسحاب الكامل مع نهاية العام 2011 في ما برزت وسيطاً بين حكومة إقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد في غير ملفٍ.

أما ملف طهران النووي، فمر بشدٍ وجذب مع إعلان إيران المتكرر عن إنتاج جيل جديد من أجهزة الطرد المركزي وزيادة عددها وقيامها بمناوراتٍ عسكرية وتجارب صاروخية قابلتها واشنطن بتحذيراتٍ وتهديداتٍ. لكن 1 أكتوبر كان موعداً لمحادثاتٍ في سويسرا بين مجموعة 5+1 وطهران بشأن البرنامج النووي. ورغم أنه انتهى إلى بياناتٍ عامة، إلا أنه اعتبر اختراقاً لجهة جلوس المندوبين الأميركيين والإيرانيين وجهاً لوجه مع مصافحة عابرة حملت أكثر من معنى.

وتبقى الرسائل المتناقضة بخصوص موقف أوباما من ضربة عسكرية إسرائيلية لمنشآت إيران النووية وحديثه عن مهلة زمنية لإذعان طهران لطلب وقف تخصيب اليورانيوم، مترافقة مع كلامٍ عن تشديد العقوبات الاقتصادية الدولية، المفتاح لما سيحمله العام 2010 على هذا الصعيد.

مواجهة مع الجمهوريين

داخلياً و في 16 أبريل، خاض أوباما معركة كسر عظم مع الحزب الجمهوري بعدما أمرت وزارة العدل بفتح تحقيق في أساليب الاستجواب التي اتبعتها «سي آي إيه» خلال عهد الإدارة السابقة وما حكي عن تضمنها ممارساتٍ لتعذيب المشتبه بتورطهم في الإرهاب انتهت بطي الملف.

دبي ـ رؤوف بكر