تميز العام 2009 بالنسبة للدبلوماسية الليبية بأنه عام إنهاء كافة الملفات الخارجية والانفتاح على العالم، فهو بحق عام التميز الدبلوماسي وانطلاقته دوليا، حيث إن ليبيا تترأس الدورة الحالية للأمم المتحدة إلى جانب كونها العضو العربي الوحيد فى مجلس الأمن.. ونجحت في إطلاق سراح مواطنها المدان بتفجير طائرة «بان آم» الأميركية عبد الباسط المقرحي، وتم تحقيق المصالحة مع المتطرفين الإسلاميين.. في وقت ترافق النجاح الداخلي والخارجي مع صعود نجم نجل القذافي سيف الإسلام، الذي يتوقع حصوله على منصب قيادي رسمي في قمة السلطة يتيح له تنفيذ مشروع إصلاح سياسي.
ففي العام الذي قارب على الانتهاء عبر الزعيم معمر القذافي للمرة الأولى منذ أربعين عاما المحيط الأطلسي ليتحدث من منبر الأمم المتحدة.
ورغم التحول المتسارع الذي حققته السياسة الليبية عبر السنوات الماضية من دولة منبوذة كانت خاضعة لعقوبات دولية، إلى دولة تمكنت من تولي رئاسة مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في العام 2009، إلاّ أن هذا التحول لم يكن موازيا في سجلها لحقوق الإنسان، حسب تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش التي فتحت لها ليبيا أراضيها للمرة الأولى لتنتقد في تقرير لها أوضاع حقوق الإنسان فيها.
مصالحات
وعلى المستوى العربي، شهد العام 2009 جلسة مصالحة بين القذافي والعاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز خلال القمة العربية التي انعقدت في قطر في مارس الماضي، بالإضافة إلى خطوات متقدمة على طريق تعزيز العلاقات الليبية المصرية بعدما شابها نوع من الفتور عقب قرار ليبي بتنظيم العمالة على أراضيها. كما زار ليبيا للمرة الأولى السلطان قابوس بن سعيد ووقع صفقات تجارية وعسكرية مع تلك الدولة بالمليارات من الدولارات، كما زار ليبيا العديد من القادة الأوروبيين وكان آخر ضيوفها رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان.
وكان العام 2009 عام التميز الدبلوماسي، ففيه حققت ليبيا انطلاقة دولية حيث ان ليبيا هي الدولة العربية الوحيدة العربي العضو في مجلس الأمن وترأس خلال أشهر رئاسة المجلس ومنعت وعملت على منع عدد من القرارات الدولية التي كانت تضر بالوضع العربي وخاصة فيما يتعلق بالأوضاع في فلسطين والاستيطان وما يتعرض له الشعب الفلسطيني في غزة والقدس الشرقية من قمع وقتل ، وذلك الوضع في إقليم دارفور خاصة والسودان عامة وأيضا بالنسبة قرار المجلس بخصوص الرئيس البشير.
كما إن ليبيا تترأس الجمعية العام للامم المتحدة، حيث اختير الدبلوماسي الليبي المخضرم د. علي التريكي في يونيو رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة وهو أول عربي ينتخب في هذا المنصب ولذا كانت ليبيا هي الدولة العربية الوحيدة التي لها ممثلون يدافعون على الحقوق العربية والإسلامية والإفريقية في المنظمات الدولية وتواجدهم شكل عنصر ايجابي لهذه القضايا.
وكان الحدث الأبرز عربياً هو مشاركة العقيد القذافي في القمة العربية في 30 مارس 2009 وخطف الأضواء في تلك القمة بمبادرته إنهاء الخلاف مع خادم الحرمين الشريفين، وكلل ذلك بالالتقاء مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في منزل أمير قطر منهيا توترا في العلاقات الليبية السعودية منذ قمة شرم الشيخ العربية 2001 والاتهامات المتبادلة بين الطرفين طوال هذه السنوات، ومعلنا بداية طبيعية في العلاقات الليبية السعودية.
تصفية آثار الاستعمار
وتابع الليبيون ما حققته سياسات بلادهم من تقدم على المستوى الخارجي، والتي شهدت تصفية جذور الاستعمار الايطالي بالتوقيع على معاهدة صداقة وتعاون مع روما، مع تعهد إيطالي بتعويض الليبيين. وشهد العام 2009 احتفال القذافي مع رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو بيرلسكوني بوضع حجر الأساس للطريق المذكور وبتمويلات ايطالية تتجاوز خمسة مليارات دولار تلتزم ايطاليا بدفعها لليبيين على مدى السنوات الـ 25 المقبلة تعويضا لها عن حقبة الاستعمار، فيما قام القذافي ولأول مرة منذ 40 عاما بزيارتين إلى ايطاليا.
وعلى الصعيد الإفريقي استضافت مدينة سرت الليبية في الأول من يوليو 2009 قمة الاتحاد الإفريقي والتي خلالها استطاع الزعيم الليبي رئيس الاتحاد الإفريقي ان ينتزع رؤيته من اجل إصلاح مؤسسات الاتحاد الافريقي بقيام السلطة الاتحادية من اجل الوصول إلى قيام الولايات المتحدة الإفريقية بجعل ان تكون هناك سياسة خارجية ، وسياسة دفاع موحدة ، وسياسة تجارة موحدة وإنشاء شركة طيران واحدة ، واتصالات واحدة للاتحاد الافريقي من اجل الصمود أمام التكتلات الاقتصادية الكبرى.
كما عقدت قمة ثانية افريقية في طرابلس في 30 من أغسطس 2009 من اجل فض النزاعات الإفريقية وخاصة في دارفور وفي الكونغو، منطقة البحيرات العظمى والصومال وموريتانيا وغيرها من المناطق الساخنة في القارة الإفريقية، كما تسعى ليبيا بالتنسيق مع دول الجوار ودولة قطر من أجل إحلال السلام في إقليم دارفور.
ترقب إصلاحات سيف الإسلام
في غضون ذلك، ينتظر الليبيون ما سيسفر عنه تكليف سيف الإسلام بالشؤون الوطنية ليكون الرجل الثاني في الدولة بعد والده معمر والمتوقع مطلع العام المقبل.
وحقق سيف الإسلام عددا من النجاحات على مستوى العمل السياسي حيث تمكن من إطلاق سراح المقرحي في أغسطس الماضي. وهو الذي أشرف مباشرة على الحوار مع الجماعات الإسلامية حتى أدانت العنف، ما أدى إلى إطلاق أكثر من مئة عنصر من الجماعة الإسلامية المقاتلة التي شنت عمليات مسلحة بهدف إسقاط النظام.
لكن مشروع الإصلاح السياسي في ليبيا لايزال يصطدم على ما يبدو بالحرس القديم، إلا أن نجل العقيد القذافي مصمم على الاستمرار في محاولاته لتمرير مشروع دستور جديد وتحرير الصحافة من سيطرة الدولة، مرتكزا على خطوط حمراء تقضي بعدم المساس بوالده وبسلطة الشعب والدين، وهو ما دفع شركة الغد التي يتبناها إلى اتخاذ قرار لإطلاق أول وكالة أنباء مستقلة يتوقع أن يبدأ بثها قبل نهاية العام.
وشهدت ليبيا مع النصف الأخير من العام الحالي حراكا سياسيا تجلى في اجتماعات القيادات الثورية والنقابات المهنية والطالبية في عدد من المدن للوصول إلى صيغة تمكن سيف الإسلام من الوصول إلى منصب قيادي في الدولة يكفل له متابعة كافة الشؤون الوطنية، وضبط إيقاع مؤسسات الدولة.
ومن هذا المنطلق، فإن مشروع سيف الإسلام الإصلاحي يؤكد على دعوة ملحة لوضع دستور للبلاد، وإطلاق خطة تنموية اقتصادية بقيمة 70 مليار دولار، واصلاح سياسي وتحرير الصحافة من سيطرة الدولة وقيام مؤسسات مجتمع مدني قوي.
طرابلس- سعيد فرحات
