تبدو مدينة الخيام في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة مظلمة في يوم ممطر ومقفرة في شهر ديسمبر. أطفال صغار حفاة الأقدام يرتدون ملابس قذرة يلعبون في بركة باردة من مياه الأمطار وسط المخيم في حي العطاطرة، حيث جاء أقاربهم إلى «البيت» من مدرسة قريبة مدمرة بالكامل إلى خيام منظمات أهلية حيث أمضوا فيها العام الماضي.
عام مضى بعد عدوان الشتاء الماضي في ما لا تزال مئات العائلات الفلسطينية تعيش في خيام. وفي حين دمر أكثر من 3500 منزل وتضرر ما يربو على 50 ألفاً، فإن دمار المحرقة الإسرائيلية كان أشد وطأة في بيت لاهيا وجباليا في الشمال بالقرب من الحدود مع إسرائيل وفي أحياء جنوب وشرق مدينة غزة، حيث حاول الجنود الإسرائيليون التسلل إلى داخل المدينة.
ومنذ ذلك الحين، أزيلت الأنقاض من الشوارع لكن عمليات إعادة الإعمار عرقلت بفعل القيود الإسرائيلية التي تسمح فقط لمواد مثل السلع الغذائية والأدوية وكميات محدودة من الوقود في الدخول إلى غزة في ظل حصار خانق منذ أعوام. ولا يندرج الأسمنت وحديد التسليح على قائمة تل أبيب للمواد الإنسانية الضرورية. ومن دون وجود هدنة حقيقية أو إتمام صفقة تبادل الأسرى مع «حماس»، فلن يتوقع أن تتخلى إسرائيل عن سياسة التجويع الجماعي والحصار المحكم الذي يحيط بالقطاع.
ويزيد صفير الرياح الباردة من الإحباط الذي يكتنف المخيم، في حين تحاول النساء تنظيف الطين الذي تتركه كل خطوة داخل أرضية الخيمة. ويطهي بعضهن الطعام على مواقد تعمل بالكيروسين. ونصبت بعض العائلات خيمها بالقرب من منازلها المهدمة جزئياً وتستخدم ما تبقى من مساحات من غرف أو مطبخ التي لا تزال سليمة نوعاً ما.
وتغذي الكابلات الممتدة أجهزة التليفزيون الموجودة في بعض الخيام في وقتٍ تصطف فيه فرش النوم على الجوانب بينما يقوم التلاميذ بكتابة واجباتهم المنزلية على الأرض. ولكن طلاباً آخرين قرروا ترك مدارسهم.
ويقول صالح أبوليلة إن أولاده توقفوا عن الذهاب للمدارس، مشيراً إلى أنهم «شعروا بأنهم لا يملكون أي مستقبل. وهذا هو السبب في أنهم لا يذهبون إلى المدارس».
ومضى يقول: «عندما يهطل المطر أحضر البلاستيك وأغطي خيامي لكن الماء يتسرب إليها عندما تمطر بغزارة، والخيام باردة جداً في الشتاء وحارة جداً في الصيف. لا أعلم يقينا ماذا سأفعل. أدعو الله أن يتغير هذا الوضع قريباً». ويضيف أبوليلة أن حركة «حماس» منحته مبلغا يعادل ألفي يورو «لكنها ليست كافية لشراء أساس بسيط للخيمتين، ناهيك عن إعادة بناء منزل».
ولم يحصل مروان العطار على مبلغ الألفي يورو متسائلاً: «هل مر ذلك لأنني لا أدعمهم وأعارض ممارساتهم ضد الشعب الفلسطيني في غزة؟».
ويضطر الرجل المصاب بالعمى في إحدى عينيه إلى العيش على نحو 260 دولاراً يحصل عليها كل ثلاثة شهور من الاتحاد الأوروبي عبر وزارة الشؤون الاجتماعية الفلسطينية. وقال إن قذيفة دبابة إسرائيلية أصابت منزله وقتل حماره الذي كان يكسب به قوته من خلال نقل البضائع خلال عملية القصف.
ولا يستطيع أن يوفر نحو ألف دولار لشراء حمار جديد. وأمضت عائلته العام بأكمله تقريباً في الخيام التي حصلوا عليها من المنظمات الدولية حتى 45 يوماً مضت عندما انتقلوا مرة أخرى إلى منزلهم المدمر. وتعاني بناته من أمراض جلدية متفاقمة جراء مياه الأمطار والرياح.
ويشرح العطار متنهداً بعد كل جملة تقريباً «اقترضت المال من قريب لي وأعدت بناء غرفة واحدة وحماماً». وأضاف: «كافة أبنائي يعانون من مشكلات نفسية. الأطفال الصغار يتبولون أثناء نومهم ويعانون من الأرق». وأردف العطار منوهاً إلى أنه يريد حياة أفضل «لي ولأولادي». ويؤكد: «أريد رفع الحصار للحصول على مواد وإعادة بناء منزلي. لكن يبدو أن أحلامي لن تتحقق. لقد مر عام تقريبا ولم يتغير شيء. على العكس تزداد الأمور سوءاً».
