في هذه الحلقة.. يرسم المؤلف صورة حافلة بالتناقض لشخصية الرئيس رونالد ريغان التي كانت تتراوح بين نقص الثقافة وقلة الاهتمام بقضايا السياسة الخارجية في مقابل جاذبية الممثل القديم القادر بكفاءة على التواصل مع الجماهير.

ورغم هذه السلبيات.. يسجل الكتاب لحقبة ريغان أنها أنجزت أو واكبت مرحلة انهيار وزوال الخصم السوفييتي. ثم تتابع الحالة حقبة الرئيس بوش الأب الذي كان من أكفأ رؤساء أميركا في فهم السياسة الخارجية بفضل ما أتيح له من خبرة ميدانية طويلة سفيرا في الصين ومندوبا بالأمم المتحدة ونائبا لرئيس الدولة. ويلقي المؤلف الضوء على اجازات يوش الاب ومعظمها في السياسة الخارجبة وكيف انها لم تشفع له في تجديد رئاسته. عندما يتطرق الكتاب إلى صنع سياسة أميركا الخارجية خلال حقبة الرئيس رونالد ريغان.. يعترف المؤلف بأن الرئيس ريغان شخصية متناقضة: فهو من ناحية، كان يتمتع بشخصية جذابة (لا ننسى أنه كان ممثلا قديما في سينما هوليوود) ولكنه من ناحية أخرى لم يكن قائدا مثقفا ولا كان متابعا دقيقا لمجريات السياسة العالمية. من هنا حفلت رئاسته بأخطاء من قبيل تلك الأحداث التي حملت اسم فضيحة «إيران كونترا» وكشفت عن أن رجال ريغان كانوا ضالعين بصورة سرية مع عصابات الكونترا التي كانت تشن غاراتها على الأنظمة المنتخبة جماهيرياً في منطقة أميركا الوسطى بغية إسقاط حكامها الشرعيين الذين كانوا يعارضون سياسة ريغان ويتوخون مصالح بلادهم القومية.

على الجانب الإيجابي، لايزال المعجبون بالرئيس ريغان يعدونه رمزا من رموز الحزب الجمهوري ويشيدون بالعبارة التي أعلنها ريغان خلال زيارة لألمانيا ويومها قال مخاطبا غورباتشوف إذ كان أيامها رئيسا.. وهو آخر رئيس للاتحاد السوفييتي: مستر غورباتشوف حطم هذا السور. وطبعا كان الحديث عن سور برلين الذي كان يفصل شطري العاصمة الألمانية ما بين الشرق والغرب. وكان كما ألمحنا في حلقة سابقة.. يمثل صرحا من صروح الحرب الباردة والصراع الدولي الذي استطال بين معسكري الشرق والغرب على امتداد يقرب ما من 45 سنة من عمر القرن العشرين.

شخصية متناقضة... في كل حال يوضح مؤلف الكتاب أن شخصية ريغان يحفّها قدر لا يخفى من الالتباس حتى أن الرجل كان أقرب إلى اللغز الذي تمتزج في طياته إيجابيات القوة مع سلبيات الضعف من حيث قدراته في إدارة صنع السياسة الخارجية. في كل حال أيضاً كان ريغان ينطلق من عقيدة راسخة تؤمن بأن أميركا دولة استثنائية من حيث المنعة والتفوق.. وما زالت عبارته الشهيرة يرددها الجمهوريون حول الرسالة العظمى التي تضطلع بها «المدينة التي تتلألأ أضواؤها فوق التلال» وطبعا كانت هذه المدينة اللامعة هي أميركا التي كان ريغان يرى أن قدراتها بغير حدود.

ليس غريبا إذن أن تتردد في سطور الفصل الذي كتبه المؤلف عن الرئيس ريغان.. ألفاظ ونعوت وأوصاف يمكن رغم تناقض دلالاتها أن تصدق على ذلك الرئيس الأميركي الذي دخل البيت الأبيض بعد أن جاوز سن السبعين.. وهي أوصاف (ص 142) من قبيل: جسور.. عنيد.. سلبي.. كسول.. فاهم.. غير مبال.. متفائل على طول الخط.. متباعد وغير متواصل مع عملية صنع السياسة.... الخ.

ويعترف المؤلف بأن ريغان كان يحتفظ بعدة بطاقات (من أعداد معاونيه) فيها نقاط مسجلة بمحاور هذا الموضوع أو ذاك. وأن فرغت جعبته سواء من البطاقات في يده أو المعلومات في ذهنه.. فهو يلجأ إلى رواية الطرائف والنكات التي قد تحل الإشكال أو تنقذ الموقف، ولكنها في كل حال تخفي ـ كما يوضح المؤلف ـ حالة التردد والتذبذب التي كانت تنتاب الرئيس الأميركي الذي تمتع بولايتين في بيت الرئاسة الأبيض.

ليس معنى هذا أن كان الرجل مجرد رمز أو مجرد شخصية لا تدري من الأمر شيئا.. المؤلف يقول: كان ريغان يشعر بالارتياح عندما ينجز القرارات.

وفوق هذا.. فقد كان رونالد ريغان رغم سنّه المتقدمة رئيسا بالغ التأثير على مستمعيه: لم يقتصر هذا التأثير العميق كما يشير مؤلف كتابنا على بلاغة خطابات الرئيس الأميركي. بل زاد عليه قدراته البارعة في النطق والوقفات وتعبيرات الوجه وكلها مكتسبة بداهة من إتقان حرفة ممثل هوليوود السابق.. لكن كان هناك أيضاً فحوى الرسالة التي كان ريغان يعمد إلى توصيلها من خلال خطاباته وأحاديثه إلى جماهير الأميركيين وفي مقدمتها ما دأب على تكراره مرة ومرات من مساوئ الخصم في الاتحاد السوفييتي لدرجة أن اشتهرت أوصافه لهذا الخصم الشيوعي حين قال: إنه إمبراطورية الشر والظلام

دخول المتشددين

ولعل أسوأ انتقاد يوجه إلى رئاسة ريغان هو أنها فتحت الأبواب وأتاحت المجال كي تتسلل إلى ساحة السياسة الخارجية لأميركا تلك العناصر المتشددة إلى حد التطرف بل والتعصب في التعامل مع دول العالم الخارجي، وهي العنصر التي عرفت بعد ذلك رسميا وعلنيا باسم جماعات «المحافظين الجدد» الذين اقتحموا الساحة مدججين بأفكار عقائدية وأحكام مسبقة فكان أكبر ضرر تسببوا فيه هو أن أزاحوا الخبراء والاختصاصيين ذوي الفهم الأعمق فكريا وميدانيا وخاصة في قضايا العلاقات الخارجية وأصول وفنون التعامل مع الأمم والنظم والشعوب.

يلاحظ المؤلف في هذا الخصوص أن إدارة ريغان عمدت إلى تحجيم مهمة مستشار الأمن القومي بعد أن كانت قد اكتسبت أهميتها من خلال كيسنغر في حقبة نيكسون، ثم زادت هذه الأهمية من خلال بريجنسكي في حقبة كارتر إلى درجة غير مسبوقة.

ها نحن نشهد عودة إلى تنزيل رتبة مستشار الأمن القومي، فلم يعد وزيرا كما كان بريجنسكي، وكان في ذلك قرار بزيادة فعالية ونفوذ الوزراء.

وإن كنا نلمح فيه أيضاً تقليل الاهتمام من جانب إدارة ريغان بقضايا الأمن القومي ذات الصلة الحيوية بمسائل السياسة الخارجية وأنماط وتطورات، وتوترات العلاقة الدولية.

توجيهات الأمن القومي

والواقع أن إدارة ريغان حشدت وركزت معظم قدراتها في مجال العمل الخارجي على تحجيم.. إلى حد تحطيم.. الخصم التاريخي اللدود الذي كان يحمل اسم «الاتحاد السوفييتي». ولعل في هذا قدر من الإنصاف التاريخي للرئيس ريغان نفسه. ومن آيات هذا التركيز ما دأب الرئيس على إصداره على شكل أوامر حملت في أدبيات السياسة الأميركية الاختصار الرسمي التالي: ان.اس.دي.دي ومعناها في عبارة كاملة: توجيهات تقرير الأمن القومي. وكانت تدور في معظمها على محور التصدي للاتحاد السوفييتي.. بل كانت تصدر عن منطلق سياسي كان مستجدا بكل معنى في مضمار سياسة أميركا الخارجية خلال الحرب الباردة.

كيف؟

يقول المؤلف إن سياسة واشنطن تجاه الكرملين ظلت على مدار عقود تتمحور حول تحجيم النفوذ السوفييتي وقطع الطريق على ما تحققه موسكو من مكتسبات في هذا الركن أو ذاك من عالم النصف الثاني من القرن العشرين.

لكن مع رئاسة ريغان عمدت واشنطن إلى ممارسة الضغوط على موسكو على كافة الجبهات وساعد على ذلك كاتب خطابات ريغان واسمه ريتشارد بايبس الأستاذ الباحث في جامعة هارفارد والمتخصص في الشؤون الروسية بقدر ما ساعدت عليه أيضاً جهود ويليام كاسي مدير المخابرات المركزية الذي آثر أن يواجه أو يطارد النفوذ السوفييتي في أكثر من موقع على خارطة العالم: ما بين بولندا في شرق أوروبا إلى أفغانستان حيث انصبت الجهود على دعم المجاهدين الأفغان لمقاومة الغزو والاحتلال الروسي..

وبلغ الأمر كما يقول المؤلف (ص 153) أن دبر كاسي أمر تخفيض أسعار البترول مع بعض المنتجين في أوائل الثمانينات لحرمان الروس من العوائد السخية الناجمة عن إنتاج بلادهم من البترول.

نجحت أميركا في إفشال الغزو والوجود السوفييتي في بلاد الأفغان.. ولكنها فشلت في الشرق الأوسط حين أرسل ريغان قوات المارينز إلى لبنان عام 1982 ثم اضطر إلى إصدار قراره المهين بسحب هذه القوات في عام 1984 وجاء ذلك كما يشير الكتاب، نتيجة حسابات خاطئة وتصرفات بيروقراطية افتقرت إلى روح الإبداع وخصب الخيال السياسي وكان أن ترك ريغان المجال لرئيس جديد هو بوش الأب الذي ورث عن سلفه مشاكل في الشرق الأوسط وأيضا مشاكل في أميركا الوسطى.. دولة بنما على وجه الخصوص التي كان يحكمها رجل أميركا القوي الجنرال نورييغا.

إنجازات بوش الأب

مشكلة الجنرال البنمي أنه أراد أن يتمرد على أولياء نعمته في واشنطن فيما كان شغوفا بتحقيق أرباح غير مشروعة بالتحالف مع مهربي المخدرات. ولعله شاء أن يختبر معدن الرئيس الأميركي الجديد.. فجاءت حادثة إطلاق القوات البنمية النار على ضباط أميركيين في منطقة قناة بنما.

ميزة بوش الأب أنه تصرف بسرعة وحكمة وإتقان. فكان الأمر بمطاردة نورييغا وإلقاء القبض عليه وإيداعه السجن في الولايات المتحدة، وفيما عرف يومها بأنه تحرير بنما الجارة الصغيرة من ديكتاتور استبد بمقاليدها.. زادت ميزة بوش الأب بنجاح آخر أنجزه في تحرير بلد في الشرق الأوسط من احتلال النظام السابق في العراق فيما عرف بمعركة تحرير الكويت مع مطلع عقد التسعينات.

هذه الإنجازات تحققت بفضل عوامل إيجابية شتى اتسمت بها إدارة جورج بوش الأب يتجلى من بينها عاملان جوهريان هما:

* إن هذه الإدارة عملت على ضم عناصر تتمتع بالكفاءة والتوافق كان في مقدمتها جيمس بيكر وزير الخارجية الذي أدار دفة السياسة الخارجية لواشنطون باقتدار في الخارج وبانسجام وتكامل في الداخل مع جهود الجنرال سكوكرفت مستشار الرئيس بوش ؟ الأب لشؤون الأمن القومي.

* إن رأس هذه الإدارة جورج بوش الأب، كان واحدا من الكوادر المحنكة عن خبرة واقتدار في الإمساك بمقاليد السياسة الخارجية للولايات المتحدة وفهم دورها على ساحة العمل الدولي. لماذا؟

- لأن الرجل أتيح له أولا أن يعمل نائبا لرئيس الدولة (ريغان) على مدى 8 سنوات كاملة حيث كان ضالعا في التعاطي مع قضايا الخارج والداخل.

- ولأن بوش ثانيا تولى منصب أول سفير لأميركا لدى الصين الشعبية بكل أهمية هذا الموقع الدبلوماسي بالنسبة للشؤون العالمية.

- ثم لأن بوش ثالثا كان مندوبا وسفيرا لبلاده على أكبر ساحة للعمل الدولي إذ كان رئيسا للبعثة الدائمة لأميركا لدى الأمم المتحدة على مدار سنوات.

لعنة تشرشل

لكن كل هذه الإنجازات التي حققها الرئيس الأميركي الأسبق وكان معظمها كما رأينا على ساحة السياسة الخارجية.. لم تشفع للرجل في تجديد رئاسته لولاية ثانية. والمؤلف يحاول تبرير أو تكييف الأسباب حين يقول (ص 201): على صعيد الداخل سقط جورج بوش الأب ضحية لما نصفه بأنه أثر (أو لعنة) تشرشل بمعنى أنه مع الزوال الخطر الرئيسي الذي كان يهدد العالم..

بدا الأمر في عام 1992 وكأن الأميركيين لم يعودوا بحاجة إلى حقبة الاهتمام المركز على الخارج بل بدوا مستعدين لحقبة جديدة تركز باستمرار على ما يدور محليا ضمن حدود البلاد، (تماما كما حقق تشرشل الإنجليزي الفوز على هتلر وبعدها رفض الإنجليز في عام 1946 تجديد رئاسته للوزارة واختاروا منافسه من حزب العمال كليمنت اتلي).

القاعدة نفسها طبقها الأميركيون حين رفضوا تجديد الرئاسة لجورج بوش الأب في عام 1992 واختاروا شابا شبه مجهول من الحزب الديمقراطي المنافس اسمه بيل كلينتون.

الصفحات: 351 صفحة

الناشر: دار ألفرد نوف، نيويورك، 2009

عرض ومناقشة : محمد الخولي